رد العالم الأزهري على هذا الأب قائلاً: نعم لو حرمت هذا الابن العاق تكون آثماً ومخالفاً لشرع الله .
بمجرد أن نطق المفتي الأزهري بهذه الكلمات انفجر بركان الغضب داخل الأب السائل وقال له وهو يبكي: "حرام عليك . . إنت عارف هذا الولد يعمل معي إيه؟ لقد ربيته أفضل تربية وعلمته في أرقى الجامعات وأعطيته سيارتي وزوجته ولا يمر شهر من دون أن يأخذ مني مبلغاً من المال لينفقه على اللهو والعبث . . ثم تقول لي إنني آثم؟ لو كان عندك ابن بهذه المواصفات لقتلته" . ثم أنهى الأب حواره مع المفتي الأزهري وهو يردد "حسبي الله ونعم الوكيل" .
هذه الواقعة أثارت جدلاً اجتماعياً واسعاً ظهر من خلال ردود أفعال المشاهدين الذين تعاطف معظمهم مع الأب المتألم من عقوق ابنه . . لكن العالم الأزهري ظل متمسكاً برأيه .
"الخليج" طرحت هذه القضية للمناقشة مع عدد من العلماء، فماذا قالوا؟!
يوضح الدكتور نصر فريد واصل، أستاذ الشريعة الإسلامية، عضو مجمع البحوث الإسلامية، مفتي مصر الأسبق، للأبناء كيف يكون البر بالوالدين وكيف يجلب الإنسان لنفسه رضا الله ورضا الوالدين، فيقول: البر بالوالدين يكون بطاعتهما، وتكون هذه الطاعة بتحقيق رغبتهما، وتجنب ما يسيء إليهما، وذلك لإدخال السرور على قلبيهما . . والطاعة تكون فيما شرعه الله، مما فيه منفعة للوالدين، وليس فيه ضرر ظاهر على الابن، فإذا أمراه بشيء محرم كالسرقة أو الرشوة أو ترك الصلاة أو عدم صوم رمضان فلا تجب طاعتهما، بل تحرم الطاعة، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
رعاية الوالدين
وإلى جانب الطاعة في غير معصية الخالق عز وجل لا بد من أن يكون الابن قريباً من والديه يرعاهما على أفضل ما تكون الرعاية، ولذلك قال كثير من العلماء باستحباب سكن الابن مع والديه أو بالقرب منهما لتقديم الرعاية لهما والاطمئنان إليهما باستمرار .
ومن البر بالوالدين الإنفاق عليهما، خاصة إذا كانا في حاجة إلى المال ولا يوجد لديهما ما يكفي ليعيشا حياة كريمة بين الناس . . والرسول صلى الله عليه وسلم يعطي للآباء حق الأخذ من أموال أولادهم ما يكفيهم فيقول: "إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا كسب أولادكم"، ويقول في حديث آخر: "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم، فكلوا هنيئاً مريئاً" . . ويروى أن رجلاً جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه وقال له: إن أبي يريد أن يأخذ مالي كله ولا يترك لي منه شيئاً . فقال أبو بكر للأب: إنما لك من ماله ما يكفيك . . فرد عليه الأب: يا خليفة رسول الله: أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل: "أنت ومالك لأبيك؟!" .
لا تفرقة إلا للضرورة
وينتقل بنا د . واصل إلى قضيتنا الأساسية هنا، وهي حرمان الابن العاق من الميراث، ويقول: الأب الذي يعاني عقوق ابنه يشعر بحسرة ومرارة عندما يرى فلذة كبده يعاند ويكابر ويتعامل معه بجحود ويتمرد على تعاليم السماء بالطاعة والبر والإحسان إلى الوالدين . . وهذا الأب قد يبذل كل جهده لإصلاح ابنه ولا يرى أثراً لذلك، ومن الطبيعي أن تسيطر عليه مشاعر الألم التي تدفعه إلى عقاب ابنه العاق . . لكن الرحمة التي غرسها الخالق في قلب كل أب ينبغي أن تكون هي الغالبة والمسيطرة في كل المواقف ويجب أن يتوجه كل أب يعاني عقوق ابنه إلى الله عز وجل بالدعاء له بالهداية والصلاح .
ويضيف: هذا على المستوى الاجتماعي والإنساني . . أما على المستوى الشرعي فقد أمر الإسلام بالتسوية بين الأبناء في العطايا في حال الحياة والتفرقة في العطية بمعنى تمييز ابن على آخر في منحة أو هدية أو عطية أو نفقة أو مصروف لا تكون إلا عند الضرورة، والضرورة هنا تعني أن يكون هذا الابن أكثر حاجة من أشقائه وعنده من الظروف الصحية أو الاجتماعية أو غيرها ما يقتضي ذلك .
وحول الأسلوب الأمثل لتوزيع التركة على الأبناء وباقي المستحقين لها يقول د . واصل: ما يملكه الأب من أموال وعقارات زائدة على حاجته المعيشية يتركه ليوزع على أبنائه بعد وفاته وفقاً لما قرره الخالق عز وجل في توزيع الميراث الذي هو فريضة محكمة حددها الله عز وجل في كتابه العزيز وفصل أحكامها تفصيلاً تاماً قائماً على الحكمة البالغة، وأي اعتداء على هذا التفصيل الإلهي يهوي بصاحبه إلى جهنم وبئس المصير، فالله سبحانه وتعالى يقول عقب الآيات التي حددت نصيب كل وارث: "وتلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين" .
حق شرعي
ويرفض الدكتور حسين شحاتة، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، تعامل الآباء مع الميراث بعد رحيلهم على أنه مكافأة لأبنائهم على برهم وإحسانهم، فالميراث حق شرعي وكما يحصل الإنسان على نصيبه من تركة والده أو والدته، لا بد أن يترك لأبنائه ما يوفر لهم مقومات الحياة الكريمة وما يغنيهم عن سؤال الناس . . ولذلك فهو ينصح بإبعاد الحقوق الشرعية عن مشاعر الحب والبغض للأبناء، فالحرمان من الميراث ليس علاجاً للعقوق والجحود ونكران فضل الوالدين . . والأولى الدعاء للابن العاق بالهداية والعمل على إزالة أسباب العقوق، إن وجدت .
ويعترض د . شحاتة على سلوك بعض الآباء الذين يوزعون التركة في حياتهم ليميزوا الأبناء البارين ويحرموا أو يقللوا أنصبة العاقين، ويؤكد أن الميراث الشرعي لا يوزع إلا بعد الوفاة، وعلى الآباء والأمهات أن يتخلصوا من مشاعر الغضب والسخط على أبنائهم ويتعاملوا معهم بتسامح حتى لو كانوا عاقين، فالعاق اليوم قد يكون باراً غداً، والبار قد يتحول فجأة إلى العقوق والتمرد والعصيان . . وإذا ما وزع أب أمواله وممتلكاته على أبنائه حال حياته فيجب أن يكون عادلاً حتى لا يزرع الحقد والحسد والكراهية بينهم قبل رحيله .
العقاب الإلهي
الشيخ عبد الحميد الأطرش، الرئيس السابق للجنة الفتوى بالأزهر، يضم صوته إلى صوت الدكتور واصل، ويطالب الآباء والأمهات بالدعاء بالهداية والصلاح لأبنائهم الذين ابتلوا بالعقوق والجحود ونكران فضل الأبوين، ويقول: عقوق الوالدين من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، لكن لا يجوز للأب أو الأم حرمان الابن العاق من حقه الشرعي في الميراث، فالله سبحانه وتعالى هو الذي قسم الميراث بنفسه في كتابه الحكيم وجعله وصية وفريضة فقال في آية المواريث: "يوصيكم الله في أولادكم . . ."، وقال في آخرها: "آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً فريضة من الله إن الله كان عليماً حكيماً" .
ويوضح الشيخ الأطرش أن الإسلام لم يحرم من الميراث إلا قاتل مورثه؛ فلا ميراث للقاتل . . أما العاق لأبيه فلا يجوز حرمانه من الميراث بسبب عقوقه، بل يترك لعقاب الخالق عز وجل وعقابه أشد وأنكى من العقاب الدنيوي وقد يعاقبه الله في الدنيا بأن يبتليه بابن أو أكثر يفعلون معه أكثر مما فعل مع والده .
وينبهنا عالم الفتوى الأزهري إلى حقيقة مهمة وهي أن قلوب الناس لا تستقر على حال، فالبار بوالده اليوم قد يكون من أكثر الناس عقوقاً غداً، والقلوب القاسية والنفوس العاصية المتمردة الجاحدة قد تتحول إلى الهداية غداً، وهذا هو حال الدنيا، وسبحان مقلب القلوب ومغير النفوس .
وينتهي إلى مناشدة الآباء والأمهات بالتعامل الرحيم مع أبنائهم وعدم التمييز بينهم في حياتهم، ولا التوصية بشيء فيه ظلم لبعضهم بعد الرحيل، ويقول: لا قيمة لمال أو ممتلكات تزرع الحقد وتنشر البغضاء والكراهية ومشاعر الانتقام بين الأشقاء .