في البداية لا بد أن نقرر أن الصراع الطبقي من الظواهر التي تختص بها المجتمعات غير الإسلامية، والحديث عنها وفد إلينا في ركاب الحضارة الغربية، وتوجد الطبقات واضحة في المجتمعات الرأسمالية والهندوسية بل والاشتراكية، طالما أنها لم تصل إلى الشيوعية التي تعتقد الماركسية أن الطبقات تذوب وتختفي عند الوصول إليها .

والإسلام لا يعرف هذه الصورة في مجتمعه، لأنه يقضي على أسبابها قبل ظهورها . ويتبين ذلك مما يلي:

1 الإسلام لا يسمح بالتفاوت الفاحش في الثروات ، فإذا كان يقر الملكية الخاصة والتفاوت فيها وهو أمر منطقي لاختلاف الجهود فإنه يوجب أن يكون التفاوت في نطاق ضيق، ضابطه ما يجعل المال متداولاً بين الجميع . يقول الله تعالى في تعليل أول عملية لتحقيق التوازن الاقتصادي بين المسلمين، كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ . أي حتى لا يكون المال مقصوراً على فريق دون فريق .

2 الإسلام يقرر اشتراك الجميع في ثمار الملكية، فإذا كانت الملكية خاصة لأسباب كثيرة، فإن ثمارها يجب أن تعم الجميع فَمَا الذِينَ فُضلُوا بِرَادي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ (النحل: 71)، من كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، قال الراوي: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل .

3 الإسلام يقرر تقارب أنماط الاستهلاك في المجتمع، إذ يتخذ الإسلام من الإجراءات ما يكفل ظهور الناس بمظهر متقارب، فيعمد إلى حفظ الاستهلاك من أعلى عندما يمنع الغني من تجاوز مستوى معين من الاستهلاك، بتحريم الإسراف وتجاوز الحد المعقول، كما يعمد إلى رفع مستوى الاستهلاك من أسفل، عندما يقرر حد الكفاية لكل إنسان، وبهذا يذوب الناس في فئة واحدة شعارها التوسط والاعتدال وَالذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (الفرقان: 67) ومن ثم يعيش المجتمع بعيداً عن أي لون من ألوان الطبقية .

4 الإسلام لا يقر المال معياراً للمفاضلة، فإذا كانت ملكية المال هي المحور الذي تدور حوله الطبقية، فإن الإسلام لا يقيم للمال وزناً في المفاضلة بين الناس، وإنما هم يتفاضلون بالتقوى والعمل الصالح إِن أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ (الحجرات: 13)، الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأبيض على أحمر ولا أحمر على أصفر إلا بالتقوى، وبهذا يجتث الإسلام كل جذر يمكن أن يمد الطبقية بماء الحياة .

5 الإسلام في علاجه يهتم بالجانب النفسي كما اهتم بالجانب المادي، فعندما قضى الإسلام على إمكانية ظهور الطبقية بوسائل شتى، منها اشتراك الجميع في ثمار الملكية، فإنه سلك لذلك أسلوباً يقضي على إمكانية ظهور الصراع ولو نفسياً في مجتمعه، وقد تحقق ذلك عندما وسط الإسلام الدولة بين المالكين والمستفيدين من ثمار الملكية فتأخذ من الأولين وتعطي الآخرين، والعلاقة في الحالتين حالة الأخذ وحالة الإعطاء لا تقوم بين الدولة والأفراد فقط، وإنما يوجد طرف ثالث هو الله سبحانه وتعالى . حيث يؤخذ المال بأمره، ويعطى بأمره سبحانه، ومن ثم لا يشعر المعطي بتفضل، كما لا يشعر الآخذ بنقص . وبذا يكون الإسلام قد نزع من بين المواطنين الحقد، ولم يعط الفرصة للصراع النفسي أن يظهر، كما حال دون ظهور الصراع المادي من قبل . وبهذه الإجراءات يكون الإسلام قد حال دون ظهور الطبقية في المجتمع، ومن ثم يكون الحديث عن الصراع الطبقي في ظل الإسلام حديثاً غير ذي موضوع . وإذا كان مستوردو الحضارة الغربية قد استوردوا فكرة الصراع، كما قلنا، فإن ذلك لم يحدث إلا لغيبة النظام الإسلامي، الذي ما زالت آثار تطبيقه السابقة تصون المجتمع من الوقوع في براثن الصراع الطبقي .

* مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر