ليس صحيحاً أن «الشبهات» ضد الإسلام والقرآن الكريم والرسول «صلى الله عليه وسلم» جديدة، أو وليدة هذا العصر، فالصحيح أن أعداء الإسلام رددوها في حياة الرسول «صلى الله عليه وسلم»، وحرص القرآن الكريم خلال فترة نزول الوحي على تفنيد الكثير منها، وبيان زيفه، وإسقاطه.
وجاء نصيب القرآن الكريم والرسول «صلى الله عليه وسلم» وافراً من تلك الشبهات والتجاوزات والأحقاد.
وليس ببعيد عن الأذهان ما ردده جهلاء قريش في صدر الدعوة الإسلامية من شبهات فضحها القرآن الكريم، وكشف حقد مروجيها، بعد أن استهدفت تشويه حقائق الدين، وزعزعة ثقة المؤمنين به.
ادّعوا كاذبين أن الوحي القرآني «منقول» والعياذ بالله من آراء دينية تتصل باليهودية والمسيحية، بواسطة شخصيات تنتسب إليهما، مثل «ورقة بن نوفل» و«بحيرى» الراهب و«نسطورا» و«بلعام» و«يعيش» لمجرد أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» التقى كل واحد منهم مرة واحدة في حياته لقاءً عابراً.

بشارة «ابن نوفل»

معظم تلك اللقاءات حدث في طفولته، ولم يتحدث الرسول «صلى الله عليه وسلم» خلالها إلى أي منهم، بل هم الذين تحدثوا عنه، وبشّروا به نبياً ورسولاً، باستثناء «ورقة» الذي أدار حواراً مع الرسول «صلى الله عليه وسلم» عقب نزول أمين الوحي «جبريل» عليه أول مرة في «غار حراء» بأولى كلمات الوحي الكريم: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ»... (سورة القلم: 1 5).
فقد عاد الرسول «صلى الله عليه وسلم» من هذا اللقاء فزعاً، يرتجف، يقول لزوجه خديجة: «قد خشيت على نفسي» فأجابته: كلا، والله ما يخزيك الله أبداً.
يقول غسان عزيز حسين في كتابه «ورقة بن نوفل مبشر الرسول»: «انطلقت السيدة خديجة بالرسول إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان شيخاً كبيراً كفيفاً حافظاً للإنجيل، فقالت له: يا ابن العم، اسمع من ابن أخيك. فأخبره الرسول «صلى الله عليه وسلم» بما حدث في «غار حراء» فقال له ورقة: هذا الناموس أي الوحي الذي نزل على موسى... يا ليتني كنت «جذعا» أي شاباً قوياً إذ يخرجك قومك.
فسأله الرسول «صلى الله عليه وسلم»: «أو مخرجيّ هم؟» فأجابه ورقة: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً... ثم توفي ورقة قبل أن يبعث الرسول «صلى الله عليه وسلم».
هذه تفاصيل لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث مع ورقة بن نوفل، وقد سجلته آلاف الكتب بدقة، ولا يستطيع عاقل أو منصف، الادعاء بأنه لقاء تعليم وتعلم، وإنما هو لقاء طمأنة وبشارة.

بين النبي و «بحيرى»

أما لقاؤه «صلى الله عليه وسلم» «بحيرى» الراهب فقد وقع في طفولة الرسول، فلم يكن «صلى الله عليه وسلم» قد جاوز اثنتي عشرة سنة من عمره.
ونستمع إلى «ابن هشام» وهو يحكي تفاصيل ذلك اللقاء في كتابه «السيرة النبوية» قائلاً: «إن أبا طالب عم الرسول خرج في ركب تاجراً إلى الشام، فلما تهيأ للرحيل، وأجمع المسير صب به رسول الله «صلى الله عليه وسلم» أي تعلق به فرقّ له، وقال: والله لأخرجنّ به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبداً، فخرج به معه».
ونزل الركب «بُصرى» من أرض الشام، وبها راهب يقال له «بحيرى» في صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية... وكانوا كثيراً ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم، ولا يعرض لهم، أما هذه المرة فصنع لهم طعاماً كثيراً، ودعاهم إليه بسبب شيء رآه وهو في صومعته.
فقد رأى «بحيرى» رسول الله «صلى الله عليه وسلم» في الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم... وجعل «بحيرى» يلحظه لحظاً شديداً، وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه «بحيرى» فقال له: يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه.
وإنما قال له «بحيرى» ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما.
فقال رسول الله عليه وسلم: «لا تسألني باللات والعزى شيئاً، فوالله ما أبغضت شيئاً قط بغضهما». فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه.
فقال له:«سلني عما بدا لك». فجعل يسأله عن أشياء من حاله: من نومه، وهيئته، وأموره؛ فجعل رسول الله «صلى الله عليه وسلم» يخبره، فيوافق ذلك ما عند «بحيرى» من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده.
فلما فرغ «بحيرى» أقبل على عمه أبي طالب، فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، فقال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً، قال أبو طالب: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به.
قال: «صدقت فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنّه شراً، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده. فخرج به عمه أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام».

كلام لا يصدقه عاقل

هذه تفاصيل لقاء الرسول «صلى الله عليه وسلم» في طفولته المبكرة مع الراهب «بحيرى» سجلته آلاف الكتب بدقة، ولا يستطيع عاقل أو منصف الادّعاء بأنه لقاء تعليم وتعلم، وإنما هو لقاء بشارة بنبوة محمد «صلى الله عليه وسلم».
ويظل السؤال مطروحاً بقوة: كيف يمكن لشخص أيّاً كانت قدراته ومهاراته وعلومه أن يلقن طفلاً صغيراً تعاليم الشريعة الإسلامية، وأحكامها في وقت وجيز لم يجاوز ساعة تناول فيها رجال القافلة طعام الراهب؟ وكيف استوعب الطفل تلك التعاليم والأحكام، ووعاها، واختزنها في نفسه حتى بلغ أربعين عاماً، فصدع بها؟. وهل هذا كلام يصدقه عاقل؟