يتفنن التجار وأصحاب السلع في الإعلانات لترويج بضائعهم حتى أصبحنا نرى كثيراً من الأطفال والكبار وفئات المجتمع على اختلاف مستوياتها الثقافية والاجتماعية ببعض الدعايات . وأصبح المستهلك مطارداً بها في الشارع وفي وسائل الإعلام المختلفة وحتى على وسائل المواصلات . إن الإعلان بعالمه وفنونه ووسائله يحيط بالمستهلك أينما حل أو ارتحل والإعلان الذي أصبح وسيلة لا غنى عنها لتعريف المستهلك وجذبه إلى الشراء قد يضلل المستهلك فيدفعه إلى شراء سلع أو خدمات لا يتوافر فيها ما يريد، والواقع الذي نعيشه يؤكد أن صناع الإعلانات ابتكروا أساليب عديدة لخداع المستهلك حتى أن الهاتف المحمول أصبح وسيلة من وسائل هذه الممارسات الخادعة . . حيث يتم عن طريقه الوصول إلى المستهلك . هل وضع الإسلام ضوابط للبيع والشراء تحمي المستهلك من الخداع؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في هذا التحقيق .
بداية يؤكد الدكتور يوسف إبراهيم مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر أن الإعلانات الخادعة انتشرت واتسعت دائرة عمليات الاحتيال وأصبح هناك الكثير من المتلاعبين الذين يبحثون عن طرق عديدة لخداع المستهلك، فهناك مسابقات تجرى عبر الهاتف المحمول حيث يطلب من صاحبه إرسال الحلول للفوز بجوائز مالية كبيرة ويهرول المستهلكون وراء إرسال الحلول ويخسرون الكثير من أموالهم .
إن للإعلانات أهمية كبيرة لخطورة تأثيرها وهي سلاح ذو حدين الأول إيجابي يتمثل في تعريف المستهلك بالمنتج ومواصفاته واستخداماته إذا كان إعلاناً حقيقياً، والثاني سلبي إذا كان الإعلان وهمياً، حيث يحصل المستهلك على سلعة رديئة تقل قيمتها كثيراً عن الثمن الذي دفعه وقد تضر بصحته إذا كانت السلعة من أنواع الأدوية التي تعالج بعض الأمراض مثلاً .
واقع مؤسف
نظرة مدققة على واقع الأسواق العربية والإسلامية تؤكد حقيقة انتشار ظاهرة الإعلانات الوهمية المضللة التي يقع المستهلك فريسة لها فمن خلال إغرائه بسعر السلعة ومواصفاتها وعن طريق بريق الإعلان والإبهار المصاحب له يقع المستهلك في الفخ ويقوم بشراء السلعة ثم يفاجأ بأنها رديئة وغير مطابقة للمواصفات وتختلف كثيراً عما شاهده في الإعلان وهو ما قد يتسبب في حدوث إضرار بصحته خاصة إذا كانت السلعة غذائية أو دواء .
الشارع الحكيم عندما سن التشريعات التي تحمى المستهلك حرص على وقايته من الوقوع في براثن صناع السلع الرديئة التي تستخدم الدعاية وسيلة لخداع المستهلكين لدرجة أن الإسلام حرص على أن يكون الإعلان خالياً من ذم سلع المنافسين أو خدماتهم تصريحاً أو تعريضاً، كما أن الشريعة الإسلامية تمنع المعلن من استخدام المرأة المتبرجة البعيدة عن قيم وتعاليم الدين كأداة جذب لجمهور المستهلكين والمستقبلين بحجة أن استخدام المرأة الغربية المتحللة من القيم الأخلاقية قد حقق نجاحاً في المجتمعات الغربية، فمثل هذا الإعلان ينبغي ألا يجد طريقاً إلى المنظومة الإعلانية الإسلامية لأنه لا يتناسب البتة وقيم وعقيدة المجتمع المسلم، وكذلك حرص الإسلام على ألا يدعو الإعلان إلى ما يشجع على انتهاك الحرمات وخرق القيم الأخلاقية، كالدعوة إلى التبرج والسفور والاختلاط المثير بين الجنسين وغيرها من المفاسد التي تخل بالذوق العام للمجتمع المسلم مجتمع الفضيلة والقيم الخالدة، وإذا وفق الإعلانيون الإسلاميون خلال ممارساتهم إلى الالتزام التام بالضوابط الشرعية الإسلامية، فإنهم سيجعلون من الإعلان الإسلامي عامل تغيير وبناء وتأسيس للنظام الاجتماعي الإسلامي، وهو ما يؤدي في النهاية إلى حماية المستهلك المسلم من التعرض للنصب والاحتيال كما هو الحال الآن .
الرؤية الإسلامية للإعلان
يقول الدكتور محمد موسى عثمان أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر: الإعلان وسيلة غير شخصية لتقديم الأفكار أو السلع أو الخدمات بواسطة جهة معلومة مقابل أجر مدفوع، وهو فن يعتمد على إغراء الأفراد المستقبلين سواء الحقيقيون أو المحتملون، كما أن الإعلان عموماً يعتبر نشاطاً اتصالياً متكامل الأركان، فهو يتكون من رسالة معينة تحمل مضموناً محدداً برموز معينة يصدرها طرف وتستقبلها أطراف أخرى، وتقصد الرسالة الإعلانية تأثيراً معيناً على الفرد المستقبل ويخطئ من يعتقد أن الإعلان نشاط سهل أو اعتباطي، إنما هو فن وصناعة مركبة وتحتاج قدرات تقنية وعلمية وفنية حتى يكون الإعلان ناجحاً ويخطئ للمرة الثانية من يتخيل أن الإسلام لم يعرف فن الإعلانات ولم يتعرض له فهناك رؤية إسلامية تأصيلية للإعلان حيث ثبت عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه مر ذات يوم على صبرة طعام في سوق المدينة فأدخل يده الكريمة فيها فوجد فيها بللاً، فقال ما هذا يا صاحب الطعام؟ فأجابه: أصابته السماء يا رسول الله، فقال له رسول الله عليه الصلاة والسلام: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غشنا فليس منا، ومن خلال هذا الحديث الشريف، يتبين لنا كيف ينظر الإسلام إلى الإعلان، فالإسلام هنا لم يمنع الإعلان عن السلعة ولكنه فقط نهى عن الغش والتدليس وخداع المستهلك فالرسول، عليه الصلاة والسلام، لما وجد البلل أسفل السلعة والجافة فوق أنكر على البائع طريقته في الإعلان عن سلعته فأمره بأن يجعل البلل فوق الطعام حتى يطلع عليه الناس كلهم ولا ينخدعوا بالمظهر البراق . وهذه هي الطريقة الأصوب في الإعلان عن سلعته، وبمعنى آخر يحظر الإسلام الإعلان عن سلعة بسبل ملتوية فيها غش وخداع وهنا فإن الرسول، صلى الله عليه وسلم، يضرب لنا مثلاً واضحاً على أهمية أن يكون الإعلان صريحاً وواضحاً وأن تحتوي السلعة المباعة على كل الإغراءات التي يقدمها المعلن في إعلانه لا كما يحدث اليوم حيث يظهر لنا مدى المدح الزائد غير الشرعي الذي يرافق الإعلانات .
الإطراء وكثرة الحلف
ويشير الدكتور طه حبيشي، الأستاذ بجامعة الأزهر، إلى أنه لم يؤثر عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه حرم أو نهى التجار عن الإعلان عن سلعهم مع توفر عنصر الصدق في خصائصها ومميزاتها ووضعيتها، كما أنه لم يؤثر عنه عليه الصلاة والسلام أنه حرم أو نهى عن الإعلان عن السلع والترويج لها بحقيقتها المطابقة لمكوناتها الأساسية، كما هي في الواقع، بل ما أثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أن يتلون الإعلان بالخديعة وإخفاء الحقيقة عن أعين الناس، ولذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يثني التاجر على سلعته بالمدح والإطراء فوق ما تستحق من الوصف وعلى غير ما هي عليه في الواقع، كما نهى عن أن يزين التاجر ظاهر سلعته بالجيد ويخفي سيئها في باطنها، وعن أن يربك المشترين بكثرة الحلف والأيمان بقصد بيع سلعته حيث قال عليه الصلاة والسلام: (إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق) وكان الحلف بالله والإكثار من الإيمان وسيلة للإعلان عن جودة السلع وتبيان خصائصها المتميزة، ولما تطورت الحياة وتوسعت سبلها وتشعبت ميادينها وتداخلت وتشابكت علاقاتها وتطورت آلياتها وأساليبها قام الإعلان بدور أساس في عملية تصريف السلعة وبيعها بسرعة وسهولة وذلك بما يضفيه عليها من أساليب المدح وسبل الإطراء وفنيات الإغراء وأشكال الزينة وغيرها من تقنياته الإخراجية الساحرة، الأمر الذي يحمل المستهلكين على الإقبال عليها واقتنائها حتى لو لم تكن السلعة على المستوى الذي تظهره الصورة الإعلانية، وهنا يخرج الإعلان عن صورته التي أباحتها الشريعة الإسلامية إلى الصورة المرفوضة شرعاً، لأن هذا الإعلان يضر بالمستهلك دينياً واقتصادياً .
وهكذا فإن الإعلان عن التجارة والتعريف بها أمر جائز شرعاً، ولا حرج على المعلن في أن يثني على تجارته ما لم يخالف في ذلك الشريعة الإسلامية التي تحمي المعاملات التجارية من كل أنواع التدليس والكذب والغش وتحرم كل أنواع غسل الأموال .
باختصار فإن الإسلام يؤكد ضرورة تحلي التجار بالنزاهة والصدق والوفاء بالعقود، على أن تراعي شركات الإعلان الهوية الإسلامية والعادات والتقاليد التي تحكم مجتمعاتنا العربية والإسلامية قبل الشروع في تصميم شكل الإعلان، كما أنه على محطات التلفزة ووسائل الإعلان الأخرى المختلفة المعلنة مراعاة الشرائح المتلقية للإعلان عبرها ووضع ضوابط ومعايير محددة لشركات الإعلانات والوكالات أو الشركات المنتجة للإعلانات، وكل هذا يحقق الحماية المتكاملة للمستهلك الذي يعيش في المجتمع المسلم .