لا يمكن لأمة أن تنهض، وتتقدم وتزدهر إلا إذا كان العلم هو المحرك لفكرها، وثقافتها، والمعبر عن تطلعاتها وآمالها ومستقبلها، فبالعلم النافع تقوى وترقى الأمم، وتغدو منارة وانموذجاً يحتذى، قال الله تعالى: أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى (الرعد: 19). والحق الذي أنزله الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم حض على العلم، وأعلى من قدر أهله فأي شيء أجل وأعظم من الإشادة بأهل العلم في قول الله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (آل عمران: 18).

أي شيء ابلغ في إثارة الفكر، والترغيب في استكشاف ما في الكون من آيات، والوقوف على ما بها من أسرار، ثم بيان أن أهل الخشية الحقيقية لله تعالى هم المتأثرون بهذه الآيات، والواقفون على ما بها من شواهد على قدرة الله تعالى وحكمته، من قوله الله تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور (فاطر: 27-28)، قال الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى عند تفسير قول الله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء (وهذه الآية وردت في سياق الحديث عن آيات كونية ولم يذكر قبلها شيء عن أحكام الشرع، لذلك نقول: إن المراد بالعلماء هنا العلماء بالكونيات والظواهر الطبيعية، وينبغي أن يكون هؤلاء هم أخشى الناس لله تعالى، لأنهم أعلم بالآيات الكونية في: الجمادات، والنبات، وفي الحيوان والإنسان وهم أقدر الناس على استنباط ما في الآيات من أسرار الله تعالى).

طريق إلى الجنة

وروى ابن ماجة رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) ومقصود الحديث أن من العلم ما هو فرض عين (وهو: ما لا يتأدى الواجب المتعين على الفرد إلا بتعلمه)، وذلك مثل: العلم بمعنى الشهادتين عند النطق بهما، وتعلمه ما تصح به صلاته عندما تصبح واجبة في حقه، وهكذا بقية الواجبات، ومن العلم ما هو فرض كفاية (فرض الكفاية هو: ما يطلب فعله من جميع المكلفين، فإذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين) مثل ما لابد منه لإقامة الدين كعلوم القرآن والحديث والفقه وغيرها، ومما يجب على الكفاية أيضاً ما لابد منه لتيسير المصالح الدنيوية، كالطب والحساب والحرف والصناعات ولأبي حامد الغزالي كلام مفيد عن هذا المعنى في كتابه الاحياء وكذلك للشيخ محمد الغزالي في كتابه مشكلات في طريق الحياة الإسلامية كلام مهم عن فرض الكفاية والتمثيل له بالصناعات الحديثة التي لابد منها لصيانه الأمة والدفع عن أمنها رحم الله الجميع. وروى الترمذي رحمه الله تعالى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً الى الجنة وقال محمد عبدالرحمن المباركفوري رحمه الله تعالى: (علما نكره ليشمل كل نوع من أنواع علوم الدين قليلة أو كثيرة إذا كان بنية القربى والنفع والانتفاع) ولا يمنع أن يشمل العموم أنواع العلوم الكونية التي تبعث على خشية الله تعالى، وفيها نفع للناس إذا حسنت النية.

انتفاع واستمتاع

إن الدين لا يحث على طلب العلم، وتقدير العلماء فحسب، بل يحث على التميز والنبوغ فيه قال الله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سمارات وهو بكل شيء عليم (البقرة: 29) قال السعدي رحمه الله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً أي: خلق لكم، برا بكم ورحمة، جميع ما على الأرض، للانتفاع والاستمتاع والاعتبار. ولا يتم الانتفاع والاستمتاع والاعتبار إلا بسلوك الطرق المؤدية الى ذلك، لذا فإن العلم النافع، والنبوغ فيه ضروري لحصول الاستفادة والاستمتاع والاعتبار مما خلقه الله تعالى لنا في الأرض على الوجه الأكمل.

لقد ذكر الله تعالى خلق السماوات والأرض في معرض الاعتبار والامتنان، وفي عرض الله جل وعلا لبعض ما فيهما من مظاهر قدرته، وعظيم انعامه على خلقه دعوة للتفكر والتدبر وإن شئت قل للتعلم قال الله تعالى: الله الذي خلق السمارات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكن وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (إبراهيم: 32) قال البيضاوي: وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره بمشيئته الى حيث توجهتم. وسخر لكم الأنهار فجعلها معدة لانتفاعكم وتصرفكم وقيل: تسخير هذه الأشياء تعليم كيفية اتخاذها.

تكريم الإنسان

لقد تكرر في القرآن الكريم التقديم للآيات التي تلفت إلى ما ينبغي تدبره والاستفادة منه بقوله تعالى: سخر لكم وخلق لكم فهذا التخصيص في قوله لكم بالإضافة الى ما فيه من تكريم للإنسان، فيه حض وترغيب في سلوك أنسب الأساليب الممكنة للانتفاع بالمذكورات بعده، وأن تمام الاستفادة والانتفاع لا يكون إلا بتأملها وكشف أسرارها والربط بينهما وبين واقع الإنسان ومستقبله، ولتتأمل معي قول الله تعالى: والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل اثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (النحل: 5-8)، فالله جل وعلا بعد أن لفت الانتباه إلى بعض الفوائد العظيمة التي يمكن للإنسان أن يحصلها من الأنعام، والخيل والبغال والحمير بين أن في الكون ما يحصل به النفع لا نعلمه وأنه على الإنسان أن يأخذ بأسباب وجوده قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى: عند تفسير قوله الله تعالى: ويخلق ما لا تعلمون ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يخلق ما لا يعلم المخاطبون وقت نزولها، وأبهم الذي يخلقه لتعبيره عنه بالموصول ولم يصرح هنا بشيء منه، ولكن قرينة ذكر ذلك في معرض الامتنان بالمركوبات تدل على أن منه ما هو من المركوبات، وقد شوهد ذلك في انعام الله على عباده بمركوبات لم تكن معلومة وقت نزول الآية، كالطائرات، والقطارات، والسيارات. ومثله قوله تعالى: وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (النحل: 14). فالله عز وجل بعد أن ذكرنا بتذليل هذه البحار الضخمة، وعدد لنا أصنافاً من منافعها قال تعالى: ولتبتغوا من فضله بما ينبئ بأن هناك منافع أخرى علينا أن نسعى في تحصيلها والاستفادة منها، ويشهد لهذا المعنى قول الله تعالى: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (الملك: 15)، قال الشيخ عطية محمد سالم في تكملته على أضواء البيان: (والأمر في قوله تعالى: فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه للإباحة. ولكن التقديم لهذا الأمر بقوله تعالى: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فيه امتنان من الله تعالى على خلقه مما يشعر أن في هذا الأمر مع الإباحة توجيهاً وحثاً للأمة على السعي والعمل والجد، والمشي في مناكب الأرض من كل جانب لتسخيرها وتذليلها، مما يجعل الأمة أحق بها من غيرها).

إحسان العمل

والآيات والأحاديث التي تدعو الى التميز والإبداع في العمل كثيرة، خذ مثالاً على ذلك قول الله تعالى: هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب قال الألوسي رحمه الله تعالى: (وقال: زيد بن أسلم: المعنى أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه من بناء مساكن وحفر أنهار وغرس أشجار وغير ذلك، فالسين للطلب، والى هذا ذهب الكيا، واستدل بالآية على أن عمارة الأرض واجبة لهذا الطلب) وإن شئت قل عمارتها بكل ما يجعل الحياة فيها أهنأ وأسهل وأجمل وفق مراد الله تعالى، ومنهجه القويم مطلب شرعي على المسلم أن يحوز شرف السبق في تحقيقه ليكون الأنموذج الأمثل في المنهج والتطبيق. ومما يدعو الى إحسان العمل وأدائه على أفضل وجه قول الله تعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (التوبة: 105) قال الشوكاني رحمه الله تعالى: (فيه تخويف وتهديد: أي إن عملكم لا يخفى على الله، ولا على رسوله ولا على المؤمنين، فسارعوا الى أعمال الخير، واخلصوا أعمالكم لله عز وجل، وفيه أيضاً ترغيب وتنشيط، فإن من علم أن عمله لا يخفى سواء كان خيراً أو شراً رغب الى أعمال الخير، وتجنب أعمال الشر) نعم إن السعي في ما يصلح أحوال الناس، ويجعل حياتهم أنفع وأسعد مطلب شرعي بل إنه من صميم العمل الصالح الذي لا يكمل إيمان المسلم إلا بتحقيقه بجد واخلاص، وترى ذلك واضحاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان).

إن الدين الإسلامي يدعو المسلم الى معالي الأمور وينهاه عن الحقير الدنيء منها ويأتي في مقدمة ما يدعوه لتحصيله بل والتميز والنبوغ فيه العلم المؤدي الى الإيمان، والباعث على العمل الصالح والآيات والأحاديث التي تحرض على ذلك وبأساليب متعددة كثيرة، وفيما سبق ذكره تنبيه على ما لم يذكر.