ابتسمي في وجه زوجك . . تكسبي قلبه وتدفعيه إلى معاملتك بالمعروف حتى إن كان صارماً مع الآخرين في معاملاته . . وفي المقابل فإن الزوج المبتسم في وجه زوجته، الذي يتعامل معها بمرح ويدخل عليها دائماً ضاحكاً مشتاقاً إليها، يجعلها تحرص على إرضائه وانتظاره على أحر من الجمر .
لقد كشفت دراسة نفسية حديثة أن الابتسامة المتبادلة بين الزوجين دواء فعال للكثير من الخلافات الزوجية التي تحدث بين الزوجين، بينما لو واجهها الزوجان بالعبوس والتجهم تتفاقم وتكون سبباً في الطلاق .
قالت الدراسة: الابتسامة التي لا تكلف الزوجين شيئاً ولا تنتقص من كرامة أحدهما، وهي كفيلة بهدم كل جسور الخلاف بينهما لما لها من مفعول السحر في توصيل مشاعر الود والحب بين الطرفين .
وأكدت الدراسة أنه حتى في لحظات الصفاء بين طرفي العلاقة الزوجية لا غنى عن الابتسامة التي تخفف عن الطرف الآخر ما يزعجه ويؤرق حياته، فالزوجة التي تقابل زوجها بابتسامة هادئة فور عودته من العمل تنجح في التخفيف عنه من عناء العمل ومشاكله .
ومن ناحية أخرى وصف علماء الإسلام الزوجة الصالحة بأنها تلك الزوجة التي اختارها لنا النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: تزوجوا الودود الولود . فالزوجة الودودة هي التي تبتسم في وجه زوجها تعبيراً عن حبها له .
سألنا عدداً من علماء الإسلام وأساتذة علم النفس والاجتماع عن موقف الإسلام من الزوجة العابسة والنكدية؟ وأهمية الابتسامة المتبادلة في حياة الزوجين وكيف تواجه الزوجة طغيان زوجها وظلمه عندما تسيطر القسوة على قلبه؟
في البداية يؤكد أستاذ الطب النفسي، الدكتور يسري عبدالمحسن، أهمية البشاشة في وجوه الآخرين، خاصة بين الزوجين، وانعكاساتها على الحالة النفسية، وقال: لا شك أن الابتسامة تجسد كل قيم الذوق والأدب والاحترام للآخرين كما أنها تعكس الحالة النفسية المستقرة في الغالب لمن يبتسم . . وذلك على عكس التجهم والعبوس الذي يشير إلى احتقار الآخرين والنفور منهم، وهذا السلوك الأخير يقطع العلاقة بين الناس ويوترهم ويدفعهم إلى مبادلة من يتعامل معهم بجفاء وقسوة وعبوس، وهذا يؤدي إلى توتر العلاقات وقطع الصلات بين الناس ويظهر هذا الأمر في أسوأ صوره عندما تختفي الابتسامة من حياة الزوجين وتحل محلها علامات التجهم والكآبة .
تحذير من النكد
ويوضح أستاذ الطب النفسي أن الابتسامة تريح الزوجين وتبعث في نفسيهما الثقة والطمأنينة، ولذلك فإن مردودها النفسي الإيجابي يكون على الطرفين معاً فالإنسان العابس المتجهم إنسان معقد نفسيا منطوٍ على نفسه، يعيش حياة صعبة مع كل المحيطين به، غير مقبول من الجميع، ولذلك لا يثق فيه أحد، ولا يطمئن إليه حتى أقرب المقربين منه . . لأن ثقته في نفسه مهتزة، وبالتالي لا بد أن تكون ثقة الآخرين به أكثر اهتزازا .
ويحذّر الدكتور عبدالمحسن الزوجات من النكد ويعتبره الآفة الخطيرة التي تدمر كل جسور الحب والمودة والرحمة بين الزوجين، لأنه من المستحيل أن يعيش الزوج راضياً عن حياته معها وهي تتصف بالنكد وتعيش سجينة له ليل نهار .
ويشدد على أهمية التربية في تشكيل سلوك الفتاة تجاه زوجها بعد الانتقال إلى أسرتها، وكذلك سلوك الشاب تجاه زوجته ويقول: للتربية دور كبير في تكوين شخصية بشوشة للرجل أو المرأة، لذلك ينبغي على الأسرة أن تربي الفتاة على أهمية وضرورة احترام زوجها وتوفير سبل الراحة له ومن أهمها عدم إفساد حياته بالنكد تحت أي ظرف من الظروف .
لا تظلموا النساء
خبيرة العلاقات الاجتماعية والأسرية، الدكتورة عزة كريم، أستاذ علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، يرى أن نكد الزوجات مرفوض تماماً لأنه الطريق الأسرع لهدم البيوت وتحولها إلى جحيم لا يطاق، لكنها ترى أن السبب لا يكون دائما في الزوجة النكدية، وتقول: لا توجد زوجة لا تريد لنفسها حياة سعيدة مع زوجها، لكن هناك زوجات يكفرن العشير ولا يدركن النعمة التي في أيديهم للأسف إلا بعد زوالها، وكذلك هناك في المقابل زوجات مقهورات يعانين داخل عش الزوجية كل صور الإهانة والضرب وإهدار حق المعاشرة بالمعروف والمعاملة بالإحسان، وذلك يعتبر نتيجة طبيعية للعادات والتقاليد المتوارثة التي ظلمت المرأة وحرمتها من كثير من حقوقها وجعلت البعض ينظر اليها نظرة دونية ليس لها ما يبررها في دين أو عرف .
وتقول: هناك بعض الرجال لديهم مفاهيم خاطئة عن الزواج بصفة عامة، فالبعض يرى أنه يعني شراء زوجة لتقوم بإعداد الطعام وتلبية الرغبة الجنسية وتربية الأبناء، وهي نظرة خاطئة للزواج الذي يعني في مفهومه الصحيح: المودة والرحمة والمشاركة بين اثنين متساويين في الحقوق والواجبات وفي الأدوار التي يؤديانها في الحياة .
وتحذر الدكتورة عزة من خطورة العنف وإهانة الزوجة وقهرها لأن الإهانة التي تتعرض لها الزوجة تسبب لها إحساساً بالقهر والدونية وتشعرها بأنها مقهورة فتضطرب صحتها النفسية .
وتشير إلى مظاهر القهر التي تتعرض لها المرأة وتعتبر من قبيل الإساءة للزوجة فتقول: إن تسفيه الزوج من آراء وأفكار زوجته أمام الآخرين واتهامها بالتقصير وإجبارها على الاعتذار المتكرر له عن أخطاء لم ترتكبها؛ يخلق نوعاً من الضغينة فتبدأ بالإحساس بعدم الرضا عن حياتها لأنها تجعل من نفسها كائناً بلا قيمة، بما يجعلها تمارس العنف مع أولادها .
فتح الأبواب المغلقة
أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، الدكتور أحمد يوسف سليمان، يؤكد أن الابتسامة التي يقابل بها كل من الزوجين شريك حياته من شأنها أن تفتح كل الأبواب المغلقة، وتزيل كل الرواسب من النفوس، وتهيئ الجميع إلى إقامة بيت على أساس من الحب والتفاهم والاحترام المتبادل، فتوجيهات الإسلام تحث الزوجين على اتباع ما يعمق مشاعر الحب ويضاعف من المودة والألفة بينهما وتجنب ما يؤدي إلى البغضاء والكراهية، ويكفي هنا قول الحق سبحانه: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، فالعلاقة بين الزوجين هي في حقيقة الأمر علاقة سكن ومودة ورحمة .
وينصح الدكتور سليمان الزوجات بأن يكففن عن النكد، ويقول: من السلوكيات الخاطئة التي تفسد روح المودة بين الزوجين سيطرة النكد على حياة الزوجة، حيث تتمسك الزوجة بالنكد وتصر عليه وتبحث وراء أشياء تافهة وصغيرة تفسد حياتها مع زوجها، ما يؤدي إلى هروب الزوج من بيته ومحاولة البعد عنها حيث يجد راحته، وبعد ذلك تلقي اللوم عليه وتنسى أنها السبب في ذلك .
ويؤكد أستاذ الشريعة الإسلامية أن الزوجة هي المسؤولة الأولى والأخيرة على إشاعة روح المرح والود واللهو داخل الأسرة، قائلاً: ديننا كله مرح ولا يقف في طريق اللهو النظيف الهادف، ولا يصادر حق الإنسان في الترويح عن نفسه، بل على العكس من ذلك هو دائماً يحث على تحقيق التوازن بين مطالب الروح ومطالب الجسد . . التوازن بين الجد والاستقامة واللهو والترويح، فلا ينبغي أن يطغى جانب على آخر . . فالإنسان بشر وله حاجات، ولهذا يتعب كما يتعب البشر، ويمل كما يمل البشر، ومن حقه أن يستريح إذا تعب، وأن يروح عن نفسه إذا مل، وأن ينوع حياته بين الجد واللهو، حتى يستطيع أن يواصل كفاحه في الحياة .
وعن الأسلوب الأمثل شرعاً وعرفاً للتعامل مع الزوجة النكدية، يؤكد الدكتور سليمان أنه من واجب الزوج أن يصبر على زوجته النكدية وأن ينصحها وأن يوسط أهل الخير من أسرتها، فإذا لم ترتدع فمن حقه أن يلجأ إلى الوسائل العقابية التي أرشدنا إليها الإسلام لتقويم سلوك المرأة الناشز، وهي الوعظ، ثم الهجر في المضاجع، والضرب غير المبرح إذا ما فشل الهجر في تحقيق هدفه .
إهانة المرأة مرفوضة
وعلى جانب آخر تؤكد أستاذة الثقافة الإسلامية في جامعة الأزهر، الدكتورة آمنة نصير، أن الرجل مُطالب شرعاً بأن يحفظ كرامة زوجته؛ فلا يضربها ولا يمارس أي شكل من أشكال العنف ضدها، ولا يتوقف الأمر على الإيذاء البدني، بل نهى الإسلام عن كل ما يسبب إهانة للزوجة ويسيء إليها، ولو كان عن طريق نظرة أو كلمة .
وتوضح الدكتورة آمنة أن حسن معاشرة الرجل لزوجته من الحقوق المؤكدة للزوجة، وترى أن هذا لا يعني حسن الخلق في معاملتها فقط، بل إن حسن المعاشرة يكون أيضا بالتسامح معها والصبر على عيوبها، خاصة إذا كان ذلك في العيوب الشائعة في النساء مثل مطالبتها بنفقات زائدة أو عصبيتها واندفاعها، لأن عدم الصبر سيؤدي إلى زيادة حدة الخلاف بينهما، وتنصح الأزواج بأن يتخذوا من رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في الصبر وتعليم المرأة بالصبر وحسن الخلق كي تتقي الله في زوجها، وتضيف: لنا في سلوك الصحابة رضوان الله عليهم قدوة حسنة، فقد جاء أعرابي يعاتب زوجته فلما ارتفع صوتها عليه قرر أن يشكوها إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما وقف بباب سيدنا عمر سمع امرأته تستطيل عليه وتقول: اتق الله يا عمر فيما ولاك وهو ساكت لا يتكلم، فهمّ الرجل بالانصراف وقال في نفسه: إذا كان هذا هو حال أمير المؤمنين فكيف حالي؟ وبينما هو كذلك إذ خرج عليه عمر رضي الله عنه فلما رآه قال له: ما حاجتك يا أخا العرب؟ فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين جئت إليك أشكو خلق زوجتي واستطالتها عليّ فرأيت عندك ما زهّدني، إذ كان ما عندك أكثر مما عندي، فهممت بالرجوع وأنا أقول: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين مع زوجته فكيف حالي؟ .
فتبسم عمر رضي الله عنه وقال: يا أخا الإسلام إنني احتملتها لحقوق لها عليّ أنها طباخة لطعامي، خبازة لخبزي، مرضعة لأولادي، غاسلة لثيابي، وبقدر صبري عليها يكون ثوابي، فقال الرجل: وكذلك زوجتي يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: إذن تحملها فإنها مدة يسيرة .
ما أحوج بيوتنا إلى المرح والسعادة والصفاء النفسي، لكي يختفي كثير من المشكلات والأزمات التي نعانيها الآن .