يحرص الإسلام دائماً على المنافسة التجارية الشريفة التي تحقق أهداف المنتج والبائع والمستهلك، لذلك يرفض كل أشكال الانفلات الإعلاني التي نشاهدها الآن في وسائل إعلامنا، وخاصة الفضائيات التي تتسابق في جذب انتباه المشاهدين بكل الوسائل، وتتسبب بما تعرضه من إعلانات غير منضبطة في إهدار أموالهم والإضرار بصحتهم وإفساد أذواقهم، حيث لا تراعي ضوابط اقتصادية أو شرعية، ولا مواثيق أخلاقية ينبغي أن تضبط عملية المنافسة وما تستخدمه من إعلانات .
المفكر الاقتصادي الإسلامي، د . محمد عبد الحليم عمر، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر يوضح لنا أهمية التسويق باعتباره نشاطاً تجارياً مهماً ومفتاح النجاح لأي مشروع، ويحدثنا عن الضوابط الأخلاقية للممارسة الإعلانية، فيقول: التسويق يمثل أهمية كبيرة لأي مشروع يراد له الاستمرار والنجاح، فلا يمكن البدء بإنشاء أي مشروع إلا بعد التأكد من إمكانية تسويق وبيع إنتاجه، ومن جهة أخرى إذا كان الهدف الاستراتيجي لأي مشروع هو الاستمرار والنمو، فإن الاستمرار يتطلب الاحتفاظ بعملاء المشروع الحاليين، والنمو يتطلب جذب عملاء جدد، وذلك لا يكون إلا بالتسويق الناجح الذي يتضمن الإعلام المستمر الصادق والأمين بالمشروع، وبما يقدمه من سلع أو خدمات بين أكبر عدد من الناس، وتحفيز العملاء على التعامل معه بالوسائل المشروعة ومن خلال المزيج التسويقي الذي يشمل الترويج والإعلان وتنشيط المبيعات والبيع الشخصي والتوزيع .
وتزداد أهمية التسويق في الوقت الحاضر - كما يقول د . عمر نظراً لاتساع الأسواق لتشمل العالم بأسره في ظل العولمة واتفاقيات الجات التي تسمح للجميع بالنفاذ لأسواق العالم، ولتعدد الأصناف والأنواع من السلعة نفسها وبدائلها، وتعدد المنافسين، وإمكانية الوصول إلى العملاء بأساليب الاتصالات الحديثة مثل الجرائد والإذاعة والفضائيات والإنترنت .

تجاوزات مرفوضة

ورغم أن الإعلان يحتل هذه الأهمية التي تفرض على الجميع التعامل معه بوعي ليحقق فوائده الكثيرة والمتنوعة لكل من البائع والمشتري، فإن الواقع - كما يؤكد الخبراء والعلماء - أن أساليب التسويق المطبقة عملياً اليوم تنطوي على ممارسات غير أخلاقية مثل: المبالغة والكذب والتضليل والخداع، وذلك في الجانب الإخباري من الرسالة الإعلانية والترويج، ثم التركيز على الغرائز واستثارتها والعبث بالمشاعر في الجانب التحفيزي من الرسالة، وذلك كله لمصلحة المنتجين والبائعين، وبما يؤثر سلباً في المشترين والمنافسين بل والمشروع ذاته، حيث لا يمكن خداع الناس كل الوقت، كما يقول أساتذة وخبراء الاتصال، فهؤلاء الذين سيخدعهم الإعلان غير المنضبط سيخبرون معارفهم بما وقعوا فيه من خداع وتضليل، فيفقد المشروع عملاءه الحاليين ويصعب عليه جذب عملاء جدد .
لذلك يندد علماء التسويق وخبراء الإعلان بهذه الممارسات السوقية غير الأخلاقية ويحذرون منها، وقد صدرت العديد من القوانين والتشريعات الدولية والمحلية التي تحظر وتجرم الإعلانات المضللة، لمواجهة مخاطر الانفلات الإعلاني .

التزام الصدق

ومع كل ذلك لاتزال الأساليب التسويقية وعلى الأخص الإعلانات يشوبها الكثير من الممارسات المخالفة للقوانين، وغير الأخلاقية وهذا هو واقع التسويق المر، الذي يحتاج إصلاحه إلى العمل بكل السبل على تأكيد الالتزام الخلقي في ممارساته، وهذا لا يكون كما يوضح د . عمر إلا بالتمسك بالقيم الدينية التي تحث على الصدق والأمانة والبعد عن الخداع والكذب والتدليس، وهذا ما يظهر واضحاً في الآتي:
الحرص على الالتزام بما جاءت به النصوص الدينية التي تؤكد التزام الصدق والبعد عن الكذب، فالله عز وجل يقول: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين"، وفي مجال التجارة يبشر النبي الكريم من يلتزم الصدق والأمانة في قوله صلى الله عليه وسلم: "التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء"، وحول الحد من إغراءات الكسب السريع بالممارسات غير الأخلاقية في التسويق، يوضح صلى الله عليه وسلم الصورة بقوله: "إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبر وصدق" .
مواجهة الخداع التسويقي بالكذب والمبالغة في مواصفات السلعة بما ليس فيها، مثل تقليد الماركات العالمية ذات السمعة الحسنة، وإخفاء العيوب مثل تغيير تاريخ الصلاحية الذي انتهى، أو عدم ذكر الآثار الجانبية الضارة، وفي ذلك يقول الرسول عليه الصلاة والسلام البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك في بيعتهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما فالصدق والشفافية يحققان الكسب الحلال، والكذب والخداع التسويقي وإن أديا إلى كسب مادي، فإنه يكون غير حلال ويمحق الله بقدرته بركته، أي نفعه، ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام أيضاً "لا يحل لامرئ مسلم باع من أخيه بيعاً وفيه عيب إلا بينه" .
النهي عن ترويج السلعة بالحلف كذباً، حيث عد الرسول عليه الصلاة والسلام المروج لسلعته بالحلف كذباً ضمن "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" . ويمكن أن يقاس على الحلف كذباً كل أسلوب يتبعه البائع ويحتوي على تأكيدات غير صادقة للتغرير والتضليل مثلما يحدث الآن بتضمين الإعلان شهادات غير حقيقية من ذوي الخبرة والمكانة في المجتمع أو من بعض المستهلكين بالاتفاق مع البائع بتوافر خصائص معينة في السلعة وهي ليست بها، وهو ما يحدث أيضاً باستئجار بعض الفنانين ولاعبي كرة القدم ليعلنوا للناس عن مزايا للسلعة وأنهم تحققوا منها وهي مجرد شهادة زور بأجر .

النهي عن "النجش"

نهى الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن "النجش" فقال في الحديث الشريف "لا تناجشوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا" ويعرف النجش فقهاً بأن يظهر الشخص أنه راغب في شراء السلعة بثمن معين ليس بقصد شرائها، وإنما ليخدع غيره فيشتريها، وهذا يحدث بالتواطؤ مع البائع من أجل خلق حالة صورية من الطلب على السلعة بالحيلة والخداع، وهو ما يمكن ملاحظته في العديد من الأساليب التسويقية مثل استئجار أناس للتجول في المحال، بل وحمل سلع معهم منها كأنهم اشتروها وكذا استئجار بعض الفنانين ونجوم المجتمع المعاصرين وجعلهم يتحدثون عن أنهم يستعملون سلع المنشأة، وما يتم أيضاً بالنشر في الإعلانات المرئية عن تزاحم العملاء على محال التاجر للشراء، رغم أن ذلك كله تمثيل .
التركيز في الإعلانات على استثارة الغرائز باستخدام فتيات الإعلانات في صور مخلة وبحركات جنسية مثيرة تخالف قيم الإسلام وأحكامه .
التوسع في الإعلانات من حيث المساحة أو التكرار المستمر، خاصة في الإعلان الذي يكلف مبالغ كبيرة تضاف إلى ثمن السلعة ويدفعها المشتري الذي لا يستفيد بالجزء من الثمن الذي دفعه مقابل الإعلان، وفي ذلك شبهة أكل أموال الناس بالباطل وهو محرم شرعاً .
أسلوب إعلاناتي حاول أن يخلق طلباً على السلع من مشترين الكثير منهم ليسوا في حاجة إليها، بما يعمل على تغيير أنماط الشراء والاستهلاك نحو ما يسمى بالاستهلاك الكبير، وفي ذلك دفع إلى التوسع في الإنفاق الذي قد يصل إلى حد الإسراف والتبذير المحرمين شرعاً، وإذا كان الشراء بالتقسيط مباحاً عند الحاجة، فإنه في كثير من الأحيان يوقع الناس في دائرة الديون الخبيثة .
وينتهي أستاذ الاقتصاد الإسلامي بالأزهر إلى تقرير حقيقة مهمة وهي أن معظم الممارسات التسويقية السائدة اليوم ممارسات غير أخلاقية وتخالف أحكام الإسلام وهديه والتي عاقبتها الخسران، لأنه مهما كسب المشروع من وراء ذلك فإنه كسب حرام لن ينفع صاحبه، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "لا يكسب العبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق منه بشيء فيقبل منه . ولا يترك خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار" .
وبالتالي فعلى المسلمين الالتزام بأحكام الإسلام وتوجيهاته من أجل أن يؤدي التسويق دوره المطلوب في تنشيط التجارة ونظافة الأسواق .

رقابة مطلوبة

أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، د . محمد نبيل غنايم، يؤكد أن الشريعة الإسلامية ضبطت كل الممارسات الإعلامية والإعلانية بأخلاقيات راقية، وفي ظل الالتزام بالآداب والأخلاقيات الإسلامية سيؤدي الإعلان رسالته ويحقق أهدافه الاقتصادية والإعلامية .
لكن للأسف - والكلام على لسان د . غنايم - لم تعد أخلاقيات الإسلام تروق لكثير من وسائل الإعلام التي تبحث عن الربح بأية وسيلة وتستخدم كل صنوف الإثارة فيما تعرضه من إعلانات .
ويوضح أستاذ الشريعة الإسلامية أن الضوابط الشرعية كفيلة بالقضاء على الانفلات الواضح في السوق الإعلانية العربية الذي انعكس على سلوكيات الشباب والنشء وكل ما هو مطلوب الآن تحكيم شريعتنا الإسلامية فيما نعانيه .
ويختتم د . غنايم توصيفه لما يراه يومياً من إعلانات على شاشات محطات التلفاز الأرضي والفضائي بالتحذير من استمرار الثقافة الإعلانية المتدنية الشائعة في بلادنا، والتي أهملت كل مبادئ وأخلاقيات الإسلام، ويطالب برقابة مهنية وأخلاقية من خلال العودة الجادة إلى قيم وأخلاقيات الشريعة الإسلامية .