الشهادة وسيلة من وسائل إثبات الحقوق، شرعت مخافة نكران هذه الحقوق وجحودها ممن هي عليه، سواء كانت حقوقا مالية أو غيرها، ومن الوسائل الأخرى لإثبات الحقوق: كتابة الحق في صك أو كتاب، هذا غير إقرار من عليه الحق الذي يعد أقوى هذه الوسائل، وقد أمر الشارع بالإشهاد في مواضع عدة من الكتاب الكريم، قال الله تعالى في آية المداينة للأمر بالإشهاد على المعاملات الآجلة: كالقرض أو البيع إلى أجل أو عند تأخير الوفاء بالثمن أو نحو ذلك: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، وأمر بالإشهاد في البيع مطلقا فقال سبحانه: وأشهدوا إذا تبايعتم، وقال سبحانه في سياق الإشهاد على الوصية: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، وقال جل شأنه في سياق إثبات الطلاق ومراجعة الزوجة المطلقة طلاقا رجعيا: فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله، وقال عز من قائل في مجال إثبات واقعة تسليم مال اليتامى إليهم عند بلوغهم الحلم راشدين: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم إلى أن يقول: فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم، وقد اختلف الفقهاء في حكم الإشهاد في المعاملات: فيرى جمهورهم أن الإشهاد فيها ليس بواجب وإنما هو مندوب إليه، فلا يكون تاركه عاصياً لله تعالى، وقد قال الفقهاء: إن الأمر بالإشهاد الوارد في نصوص الشارع التي منها قول الله تعالى: واشهدوا إذا تبايعتم، ليس حتما واجبا، ولكن ينبغي ألا يدع المتبايعان ونحوهما الإشهاد على ما عقداه، لأنه إن كان الأمر بالإشهاد للوجوب فقد أدياه، وإن كان للاستحباب فقد أخذا بالأحوط، وكل ما ندبه الله تعالى لعباده من فرض أو غيره فهو بركة على من فعله، ورأى بعض فقهاء الصحابة والتابعين والظاهرية: أن الإشهاد في المعاملات واجب، لأن الله سبحانه وتعالى أمر به، والأمر يقتضي الوجوب عند إطلاقه وتجرده عن القرائن الصارفة عن الوجوب إلى غيره من معاني الأمر المجازية، ولأن الأمر في هذه النصوص لا يتعذر حمله على معناه الحقيقي وهو الوجوب، فكان الأولى حمله عليه، إلا أن ما ذهب إليه الجمهور من استحباب الإشهاد على المعاملات هو الراجح، لوجود أدلة كثيرة تصرف الأمر عن إرادة الوجوب إلى الاستحباب، ومن هذه الأدلة قول الله تعالى في آية المداينة: فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته، الدال على عدم وجوب الإشهاد في المعاملات، وأن الثقة المتبادلة بين المتعاملين تغني عنه في إثبات الحقوق والوفاء بها، فهذه الآية إما أن تكون ناسخة للأمر بالإشهاد، وإما أن تكون رافعة للمقصود بالأمر بالإشهاد من الوجوب إلى الندب، كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتاع ولم يشهد على البيع، ورهن ولم يشهد على الرهن، فقد روي عن أبي رافع رضي الله عنه قال: نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف، فقال: يا أبا رافع اذهب إلى فلان اليهودي، فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

يعني إلى رجب، فأتيته فقال: والله ما أبيعه إلا برهن، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: اذهب بدرعي الحديد إليه، فرهنه بطعام إلى أجل مسمى، ولم يثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد على البيع أو الرهن، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتاع من أعرابي فرساً، وذهب ليؤدي له الثمن، فأسرع المشي وأبطأ الأعرابي فاعترض رجال يساومون الأعرابي على الفرس، ولا يدرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتراه فقال الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت مبتاعا الفرس فابتعه وإلا بعته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ليس قد ابتعته منك؟ فجحد الأعرابي ذلك وقال: لا والله ما بعته منك، ثم قال له: هلم بشاهد يشهد بأني بعتك، فشهد له خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بم تشهد يا خزيمة؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة شهادة رجلين، وقد كان الصحابة يتبايعون في الأسواق ولم يأمرهم بالإشهاد، ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يشهدون على ذلك، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية بدينار ولم يأمره بالإشهاد عليه، وقد أخبره عروة أنه اشترى شاتين ثم باع إحداهما بدينار من غير إشهاد كذلك، ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الإشهاد، ولو وجب الإشهاد في كل معاملات الناس لأفضى ذلك إلى حرج، والحرج مرفوع عنا كما قال الله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج، ومحل استحباب الإشهاد عند الفقهاء في الأمور المهمة والخطيرة.

أما الأشياء القليلة الخطر، كالحوائج اليسيرة اليومية المتكررة، ونحو ذلك مما ليس له خطر فلا يستحب الإشهاد فيه، لأن إقامة البينة والترافع إلى القضاء من أجل الأشياء اليسيرة القليلة الشأن أمر قبيح، بخلاف الأشياء النفيسة عند أصحابها فإن الشهادة فيها مشروعة ومستحبة لقطع النزاع والخلاف، وعملاً بالأمر بالإشهاد الوارد في الآيات الكريمة.

[email protected]