يحلو لبعض العلماء والكتاب والمفكرين الخوض في مثل هذه البحوث والقراءات، فيصل في النهاية إلى خلاصات مفادها، أن الله تعالى ذكر في القرآن الكريم بعض الأشياء لأكثر من مرة، وتارة يذكر الشيء ونقيضه بالمرات نفسها.وعلى سبيل المثال نجده يذكر الدنيا 115 مرة والآخرة كذلك 115 مرة، ويذكر الملائكة 88 مرة والشياطين كذلك 88 مرة.

وذكر الحياة 145 مرة والموت ،145 وذكر الذهب 8 مرات والترف 8 مرات، وذكر الرغبة 8 مرات والرهبة 8 مرات، والرجل 24 مرة والمرأة 24 مرة، وذكر الصلاة 5 مرات، واليوم 365 مرة وهكذا.

هذا التناسق العجيب لاشك أنه لافت للنظر، مما جعل الكثيرين ينشغلون به، ومنهم الدكتور عبدالرزاق نوفل الذي ألف كتابا سماه الإعجاز العددي في القرآن الكريم.

هذا النوع من الفهم لاشك أنه لم يكن موجودا في الصدر الأول من الإسلام، لذلك فإنه محدث، وقد تعرض للنقد من قبل الآخرين، حيث قالوا إن الإعجاز العددي في القرآن الكريم، يعتمد على المنهج الانتقائي.

وقد ذكر الدكتور فهد الرومي في كتاب اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، بأن الدكتور عبدالرزاق نوفل على سبيل المثال اختار لبحثه كلمات انتقائية، حتى يستقيم له التوازن العددي، ومن ذلك قوله إن لفظ اليوم ورد في القرآن الكريم 365 مرة بعدد أيام السنة، وتوصل إلى هذه النتيجة من خلال جمعه الألفاظ اليوم ويوما، وترك يومكم ويومئذ، لأنه لو فعل لاختلف الحساب.

ولقد وقع في خطأ أكبر من جلس يتخرض بعد أحداث 11 سبتمبر/ايلول، ليثبت أن ذلك الإنفجار المذهل له دليل من القرآن يثبت وقوعه، ونسي أن مثل هذا التفكير تستنتج منه مشروعية مثل هذا العمل الإجرامي الذي استنكره الشرق والغرب.

استشهد أولئك المخرصون بقوله تعالى: لايزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم الآية رقم 110 من سورة التوبة.

ووجه الاستشهاد بها أن الآية رقمها ،110 وأحداث 11 سبتمبر/ ايلول حصلت في الطوابق 110.

هذا التفسير الذي سموه إعجازاً عددياً، ليس بصحيح، بدليل أن الآية نفسها، فسرها علماء السلف مثل الطبري على أن المراد بالبنيان في الآية هو مسجد ضرار الذي بناه المنافقون إضراراً وكفراً، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية ليفضح أمرهم.

إذن فكل من وقف مع الرقم 19 أو الرقم 9 أو غيرهما، وجمع حوله آيات وآيات، يمكن أن يوصف بأنه باحث، لكن ليس بالضرورة أن يكون ما توصل إليه يكون حقائق علمية لا محيد عنها.

كلا فالقرآن الكريم نزل ليكون معجزاً بإعجاز لا يحيط به عقل بشر، فلو حصرنا إعجازه في عدد، لكان ذلك نقصاً في القرآن وحاشاه.

لذلك فإن الأقدمين نسبوا إعجازه مرة الى بلاغته وفصاحته عموماً، ومرة الى كونه تضمن أخباراً مستقبلية وماضية، ومرة لأنه بين الحلال والحرام، وقال بعضهم ان إعجازه في فواتح السور وخواتيمها.

وقد خلص عالم مثل الزرقاني الى القول ان القرآن اشتمل على آلاف من المعجزات لا معجزة واحدة فحسب.

فليعذرنا عصر الديجيتل إذا قلنا له بأن الحواسيب يجب أن تفكر بطريقتها، ويستمتع الناس بعصرها، لكن عصره ليس الأخير، بل وراءه عصور، والقرآن سوف يكون ميداناً يتسع لتفكير كل أولئك.

وإياه وإياكم أن تقفوا عند آية مثل إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً وتقولوا بأن الآية رقمها 57 في سورة الأحزاب، وهو الرقم التسلسلي التجاري لجميع المنتجات الدنماركية.

w.arefonline.com