كان المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام يتميز بالبساطة والتقشف والبعد عن الترف بكل مظاهره بعداً مبعثه القلب والإيمان بالله إيماناً عظيماً، ويظهر ذلك واضحاً في المساجد الأولى التي أنشئت في المدينة والكوفة والبصرة والفسطاط - ضمن المدن التي أسست في أماكن خالية في هذه البلاد .
وبتوالي الزمن أخذ حكام المسلمين يقيمون المنشآت العظيمة معتمدين على أهل البلاد التي يقيمون فيها هذه العمائر، تأكيداً لعظمة الإسلام ودعماً لحكمهم . وقد اعتمد الوليد على عمال من مصر وسوريا عندما أعاد بناء مسجد النبي بالمدينة .
وأغلب العمائر التي تركها الأمويون في سوريا، باعتبارها مقر الحكم، كانت عمائر عظيمة استخدم في بنائها الحجر في مداميك بارتفاع بين ،80 90 سم للمدماك، وعقود محمولة على أعمدة رخامية، وأغلب المساجد مغطاة بأسقف خشبية مائلة على شكل جمالون، ولا يخفى أن الشام كانت دائماً مصدراً أساسياً للأخشاب التي استعملت في حضارات الشرق الأوسط القديمة .
أما المآذن فكانت على شكل أبراج، ولعلهم تأثروا في ذلك بأبراج الكنائس التي كانت منتشرة في سوريا وقت الفتح الإسلامي .
عن كتاب "الفن الإسلامي" لأبي صالح الألفي
حوار: محمد عمر
حذر الدكتور عبدالصبور فاضل عميد كلية الإعلام بجامعة الأزهر من استمرار حالة الانفلات الأخلاقي التي يعيشها كثير من وسائل وأدوات الإعلام العربي خاصة الفضائيات، وأكد أن هذه الحالة الغريبة على إعلام يقود مسيرة أمة تحتاج إلى بناء أخلاقي جديد وتعاني تجاوزات ومظاهر فساد متعددة عادت بها إلى الوراء تتطلب ميثاق شرف إعلامياً إسلامياً، حيث لا مخرج من حالة الانفلات ولا قضاء على التجاوزات إلا بقيم وأخلاقيات الإسلام .
كما حذر د .فاضل في حواره مع "الخليج" من الشائعات الكاذبة المتداولة في بعض وسائل الإعلام العربي، مؤكداً أن هذه الشائعات تهدم وتنشر الفضائح وتحض على الرذائل وتلحق الأذى بأبرياء، وطالب بضبط نشر الجرائم والانحرافات الأخلاقية بضوابط وقواعد إسلامية منوهاً بالأدب القرآني الراقي في التعامل مع الجريمة والتعبير عن الانحرافات الأخلاقية .
ونبه عميد كلية الإعلام بالأزهر إلى ضرورة الاهتمام بتطوير أدوات الإعلام الديني، خاصة إذاعات القرآن الكريم لدورها في تبصير المجتمع بمبادئ الإسلام وقيمه وأخلاقياته . . وهذا نص الحوار:
* في البداية سألناه: ما أهداف كلية الإعلام في جامعة إسلامية عريقة مثل جامعة الأزهر؟ وهل حققت هذه الكلية أهدافها وأسهمت في تقديم نوعية متميزة من الإعلاميين الإسلاميين؟
- جامعة الأزهر لها خصائصها ومميزاتها التي تنفرد بها بين الجامعات المصرية والعربية، لأنها تهتم بثقافة مهمة إلى جانب العلوم والثقافات الأخرى، وهي الثقافة الإسلامية سواء في الكليات العملية أو الكليات النظرية . . وكلية الإعلام على مدى ما يقارب 40 عاماً كانت قسماً ثم تم تحويلها إلى كلية للإعلام الإسلامي، ومن هنا فإن لها سمات مميزة عن بقية كليات الإعلام في مصر والعالم العربي والإسلامي . . والحقيقة أن ما يميزنا هو اعتماد المناهج بطريقة أو بأخرى على روح الدين وأنها تأخذ من مبادئ الإسلام ما يوظف العلوم الحديثة في خدمة المجتمع والرأي العام والأمة بل وخدمة العالم كله . . ونحن والحمد لله لدينا عدد من الإعلاميين تخرجوا في قسم وكلية الإعلام ومشهود لهم بالكفاءة في كل المؤسسات الإعلامية من حيث الالتزام بالعمل والمهنية والأخلاق الإسلامية الضابطة لسلوك المسلم عموما التي ينبغي أن يلتزم بها الإعلامي الإسلامي . . وبعض الأساتذة ممن حصلوا على درجات علمية منتشرون في أقسام وكليات الإعلام في مصر والعالم العربي والإسلامي وضربوا أمثلة رائعة في الالتزام .
ميثاق شرف إسلامي
* كيف ترى واقع الإعلام العربي الآن وهل يلتزم بمواثيق الشرف ويؤدي وظائفه الأخلاقية في المجتمع؟
- لا أريد أن أقول لك إن الإعلام ينفرد عن بقية المنظومة التي تحكم المجتمع فالإعلام "ترس" في ماكينة مهمة وخطيرة مهمتها تشكيل الرأي العام، فلو كان الإعلام ملتزماً بالقيم الأخلاقية والضوابط الإسلامية للأداء الإعلامي لاستطاع أن يبني ويعمر وينشر الخير في المجتمع، ولو كان الإعلام منفلتاً ويجري وراء الإثارة وجذب القراء والمستمعين والمشاهدين بأي وسيلة كان إعلاماً هداماً ومخرباً ويهدر الجهود التي تبذل في البيوت والمدارس والجامعات والمساجد لتربية أبناء المسلمين على الفضائل .
والإعلام العربي رغم الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعمل في محيطها كان المأمول منه أن يؤدي دوراً في البناء الأخلاقي للمجتمع، لكنه للأسف لم يفعل ذلك حيث اهتم كثير من وسائل وأدوات هذا الإعلام بالشهوات والغرائز والترفيه المبتذل ولم تهتم بنشر العلم والثقافة المفيدة، وأصبح معظم ضيوف الفضائيات من الفنانين والمهرجين ولاعبي كرة القدم أو محترفي الجدل السياسي وتراجع دور العلماء والمفكرين ورجال الدين المعتدلين .
ومن هنا أستطيع أن أقول إن الإعلام العربي يحتاج لكي يخرج من حالة "اللاوعي" التي يعيشها أو حالة الانفلات التي يعانيها إلى ضوابط أخلاقية لمسيرته، وهذه الضوابط موجودة في تعاليم وقيم وأخلاقيات ديننا الإسلامي، ولذلك أطالب بميثاق شرف إسلامي يعيد للإعلام العربي وعيه ويضع أقدامه على الطريق الصحيح .
* كيف تنظرون إلى وسائل الإعلام التي تتسابق في نشر شائعات وفضائح أخلاقية تمس الأمن الاجتماعي وتتنافى مع قيم وأخلاقيات الإسلام؟
- الإعلام يعكس نبض الشارع . . والشارع في أيام الأزمات أو الكوارث تظهر فيه اتجاهات نحو بث الشائعات والفوضوية . . ورغم أنه من المفترض أن يكون ضد هذه الاتجاهات لكنه للأسف ينساق وراءها، بل هو يخلق أحياناً الشائعة ويروج لها لأهداف قد تكون داخلية ترعى مصالح معينة أو قد تكون تلبية لأهداف خارجية تريد ضرب البلد أو المجتمع . . ونشر الشائعات منهي عنه في الأديان كلها والكتب السماوية وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها تقتل المجتمع وتدمر أجياله وتثير الفتنة والعداوة والبغضاء . . والشائعات موجودة في المجتمع البشري على مدار العصور السابقة منذ صدر الإسلام، بل وحتى قبل ظهور الإسلام وفي جميع الديانات، لكنها ترتفع وتنخفض على حسب الظروف العامة في المجتمع عامة . . وعلى الإعلام بدلاً من أن يخلق الشائعات ويروج لها أن يحاربها وأن يقوم بتوعية أفراد المجتمع من خطرها لأنه جاء لتنمية وخدمة المجتمع ويجب عليه حمايته من خطر هذه الشائعات . . وللأسف فإن كل مظاهر الشائعات موجودة عندنا في المجتمعات العربية وقد ارتفعت وتيرتها بعد ثورات الربيع العربي لأن حجم الحريات التي عاشتها هذه المجتمعات لم يساعدها على فهم وتذوق معنى الحرية ففهمت هذه الظروف الطارئة فهماً خاطئاً وأطلقت العنان لكل من هب ودب وأصبح الإعلام يعتمد على مصادر لا وزن ولا قيمة لها، وكل من في الشارع أصبح مصدراً للإعلام وهذا خطر كبير جداً، فمصدر المعلومة يجب أن تكون له موارد ومستويات محددة .
رسالة الإعلام الديني
* هل يؤدي الإعلام الديني رسالته الدعوية ويسهم بالفعل في نشر قيم وأخلاقيات الإسلام؟
- هناك خطأ يتردد دائماً في العالم العربي بأنه يقسم الإعلام إلى عام وإسلامي، والمقصود بالإعلام الإسلامي كما رسخ في أذهان البعض هو الإعلام الديني الذي لا يقع في نطاق الإعلام المتخصص . . والصحيح أن كل ما يصدر في المنطقة الإسلامية ينبغي أن يكون إسلامياً، والإسلامية هنا تعني الالتزام بمبادئ وقيم وأخلاق الإسلام وأنه في دعوته يقوم بهذا الدور ويسهم فيه . . صحيح أن بعض وسائل الإعلام لديها آلية معينة لنشر قيم الإسلام من خلال ما تنشره سواء من خلال صحيفة أو مجلة متخصصة أو تخصص صفحات أو ملاحق لها دور لا ينكر إطلاقاً . . لكن المشكلة أن هذا الدور من الممكن أن ينهار من خلال تأثير أعمال أخرى إعلامية لا تلتزم بالقيم ولا بالضوابط الإسلامية أو الأخلاقية فتضيع هذه القيم والمبادئ في عملية نشر أخبار مضللة وأخبار منحازة لفصيل سياسي على حساب فصيل آخر . . فالإعلام الديني يؤدي دوره لكن ليس بالحجم المطلوب منه في ظل الإمكانات التكنولوجية الحالية . . ولذلك أنا من خلالكم أطالب بضرورة تطوير وتحديث ودعم وسائل الإعلام الديني، وأطالب الصحف العربية بالتوسع في نشر الفكر والثقافة الإسلامية من خلال صفحاتها المتخصصة، كما أطالب بقنوات فضائية إسلامية معتدلة تقدم الفكر والثقافة الإسلامية الصحيحة للجماهير العربية في كل مكان خاصة أن القنوات التي تم إغلاقها مؤخراً كانت تقدم التشدد الديني بكل صوره .
ضوابط نشر الجرائم
* يتحفظ البعض على التوسع في نشر الجرائم والانحرافات الأسرية في وسائل الإعلام . . هل وضعتم ضوابط أخلاقية تعلمونها لطلاب الإعلام تجنب المجتمع مساوئ ذلك؟
- الإسلام بقيمه وأخلاقه وآدابه جاء بضوابط أخلاقية لنشر الجرائم والانحرافات وكل ما هو مطلوب منا الالتزام بالقيم الأخلاقية في عرض قصص الجرائم والانحرافات التي تحدث في المجتمع . . ونشر الجريمة مطلوب حتى لو كانت أخلاقية لكن العيب ليس في نشر الجريمة بل في طريقة عرضها والمساحة التي تخصصها الصحف لها، حيث تلجأ بعض الصحف إلى التوسع في ذلك لكي تبيع أو توزع أو تجلب الإعلانات، وتثير الناس . . فمثل هذه الصحف والوسائل الإعلامية تدمر المجتمع أكثر مما تبني وإذا كان الهدف من نشر الجريمة في الإسلام أو القانون الحد منها فإن التوسع في نشرها يجعل نسبتها ترتفع في أي مجتمع حيث تنتشر بين الناس ما يمكن أن نطلق عليها "ثقافة الجريمة" . . والإسلام حذر هؤلاء الذين يريدون أن تشيع الفاحشة وتوعدهم الخالق بعذاب أليم في الدنيا والآخرة .
والقرآن الكريم اهتم قبل أن تظهر الصحف بنشر الجريمة لكن انظر إلى الأدب القرآني الذي ينشر الجريمة بكلمات وحروف لا تبعث على التلذذ أو إثارة العواطف لدى الصغير أو الكبير . . إنما هي تهذب وتبني المجتمع قال تعالى "وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك"، هذه الكلمات فيها عفة ورمز فقط وانظر إلى ما تنشره وسائل الإعلام من تجسيد لجريمة الجنس وكيف أن هذا التجسيد يثير الغرائز . . هذه كارثة . . فليس الهدف هو حماية المجتمع من الجريمة في مثل هذه الوسائل بقدر ما هو التوزيع وإثارة الغرائز لدى الناس والحصول على أكبر نسبة إعلانات .
إعلانات هابطة
* هل ترون أن الإعلانات التسويقية في وسائل الإعلام العربية تلتزم بالضوابط الأخلاقية وتحمي حقوق المستهلكين؟
- للأسف هناك إعلانات تحتوي على أمور إباحية وهابطة مثل إعلان عن خدمة أو سلعة تظهر فيه المرأة بمفاتنها وجسدها العاري والمثير وقد تكون هذه الخدمة أو السلعة ليست مستهدفة من النساء . . وأنا أعتبر هذا الإسفاف الإعلاني إهانة للمرأة لأنه يستغلها ويهينها، ولذلك يجب على منظمات المرأة أن تطالب بوقف مثل هذه الإعلانات التي تهين كرامة المرأة، فإذا كانت تطالب بحقوقها فمن باب أولى أن تمنع استغلال جسدها لأن ظهورها بهذا الشكل فيه انتقاص من حقوقها وإهدار لكرامتها . . ولك أن تتخيل أنه في بعض الدول الأوروبية تخرج المنظمات النسوية في تظاهرات للمطالبة بمنع استغلال جسد المرأة في مثل هذه الإعلانات .
كما أن هناك نوعاً آخر من الإعلانات لا يلتزم بالأخلاقيات فيذكي النزعات الاستهلاكية في مجتمع الفاقة أو المجتمع الفقير . . فالإعلان على مستوى العالم كله لا بد أن يتماشى مع نسبة الدخل القومي ومع نسبة دخل الفرد . . ولو تخطى هذه الحدود فإنه يأتي بنتائج اقتصادية مدمرة للمجتمع لأنه في الوقت الذي يشعل فيه التوجه الاستهلاكي في مجتمع فقير لا يملك إمكانات شراء سلع غير أساسية أو كمالية . . تحدث فجوة اقتصادية كبيرة جداً داخل المجتمع، وهذا تترتب عليه مشكلات أسرية كبيرة جداً، فمثلاً رجل يطلق زوجته لأنها تحتاج إلى كذا وهو لا يستطع شراءه . . فتدب بينهما خلافات . . وهناك حالات طلاق وقتل وتشريد وانتحار وقعت بسبب هذا الوضع .
كذلك هناك نوع من الإعلانات لا يلتزم بالمواصفات القياسية أو المواصفات العالمية للاستخدام خاصة فيما يتعلق بالعقاقير الطبية ومستحضرات التجميل والأعشاب وبعض الصناعات مثل المكاتب والدواليب وغيرها . . في الدول المتقدمة هناك مكاتب خبرة لا بد أن تقدم موافقة على الإعلان، فإذا كان الإعلان مثلاً يتعلق بالصحة فهناك أطباء متخصصون يوافقون عليه ويبينون أن مواصفاته مطابقة للاستخدامات الآدمية . . كذلك السلع الخدمية والاستهلاكية التي تعلم وسائل الإعلام مدى خداعها للمتلقين . . وأنا أرى أنه يجب ألا يكتفي جهاز حماية المستهلك بتلقي الشكاوى بل يجب عليه أن يفعل دوره ويتأكد من الإعلان قبل نشره في وسائل الإعلام المختلفة .
إذاعات القرآن
* كيف تنظرون إلى رسالة إذاعات القرآن الكريم في عالمنا العربي وكيف تتحول إلى وسائل تثقيف إسلامي حقيقية وليس مجرد إذاعة ترتيل القرآن في معظم أوقاتها؟
- إذاعات القرآن الكريم أقدرها، لأن لها تأثيرها في العالم العربي . . وكثير من المستمعين حفظوا بعض سور القرآن نتيجة سماعهم هذه الإذاعات وبرامجها كما أنها قدمت لنا أصواتاً تصدح لها مكانة عظيمة من المتخصصين في التواشيح الدينية وغيرها . . إضافة إلى رسالة الفقه الإسلامي وأحكام الدين والعقيدة والإجابة عن أسئلة الناس في كل التخصصات وكل هذا ممتاز . . إلا أننا نتمنى أن تتطور إذاعات القرآن في العالم العربي وتتوسع في نشر الأخبار والمؤتمرات في العالم الإسلامي فما أروع أن يستمع المسلم إلى أخبار العالم الإسلامي من خلال هذه الإذاعات التي يثق فيها أكثر من غيرها .