قلنا في مقال سابق إن الإكراه يكون بحق ويكون بغير حق، كما أنه يمكن تقسيمه إلى إكراه ملجئ وإكراه غير ملجئ، وقصدنا بالإكراه الملجئ الإكراه الكامل الذي يفقد معه المكره (بفتح الراء) اختياره تماماً، والإكراه غير الملجئ هو الإكراه الناقص المختل شرط من شروطه.
إذن، لكي ترتفع العقوبة عن المكره (بفتح الراء) لا بد أن تتوافر في الإكراه عشرة شروط ذكرها الدكتور وهبة الزحيلي في الموسوعة الفقهية وهي مستخلصة من كتب الفقهاء، أمثال حاشية ابن عابدين الحنفي، وابن جزي المالكي والشربيني الشافعي وابن قدامة الحنبلي، وتلك الشروط هي:
- أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به، وقد حصره أبوحنيفة في الحاكم فقط، لكن رأي الجمهور أن كل متسلط قادر على تنفيذ تهديده.
- أن يتيقن المكره بأن الذي هدده قادر ومصمم على تنفيذ تهديده، وهو لا يستطيع التخلص.
- أن يكون الذي أكره عليه يتضمن ما ذكرناه من إتلاف نفسه أو عضوه أو ماله أو إيذاء من يهمه كزوجته أو أولاده أو والديه مثلاً.
- أن يكون المستكره (بفتح الراء) ممتنعاً عن ذلك الفعل الذي هدد به قبل الإكراه لحقه في ذلك، كالامتناع عن بيع ماله، أو لحق الغير فيه، كالامتناع عن إتلاف مال الغير، أو لحق الشرع فيه كالامتناع عن شرب الخمر أو السرقة أو الزنا.
- أن يكون ما هدد به المكره (بفتح الراء) أشد خطراً مما أكره عليه الآن، فلا يعد مكرهاً إذا قال له أحرق سيارتك وإلا أصفعك صفعتين.
- أن يترتب على فعل المكره به الخلاص من المهدد به، كأن يقول له: اقتل نفسك وإلا قتلتك، فلا يصح أن ينفذ ما هدده به، لأنه لا يعد إكراهاً عند الجمهور، إذ لا يترتب على قتل نفسه الخلاص مما هدد به، فهو مقتول في الحالتين.
- أن يكون المهدد به عاجلاً، أما لو قال له: إن لم تفعل هذا الشيء لأقتلنك بعد شهر، ففي أثناء الشهر تحصل أمور كثيرة مثل الهروب أو التفاوض أو التنازل أو الصلح أو الافتداء مثلاً.
- ألا يخالف المكره (بفتح الراء) المكره (بكسر الراء) بفعل غير ما أكره عليه، كأن يكرهه على بيع داره، لكنه يذهب ويطلق زوجته.
- أن يكره على شيء معين كأن يقول له: احرق إحدى سياراتك، وهذا هو قول الشافعية، أما الجمهور فلا يرون هذا الشرط.
- ألا يكون المهدد به حقاً للمكره (بفتح الراء) يريد أن يتوصل به إلى ما ليس حقاً له، كأن يهدد الرجل زوجته بالطلاق إذا لم يسامحه إخوانه فيما يطالبونه به.
- لكن إذا أردنا أن نستخلص من هذه الشروط ما هي الأهم، فالدكتور الزحيلي حصرها في أربعة شروط اتفق عليها الشافعية والحنابلة وهي:
1- أن يقدر المكره على تحقيق ما هدد به بحكم منصبه أو بقوته.
2- أن يعجز المستكره عن دفع الظلم عن نفسه، كأن لا يستطيع الهروب أو أي تصرف آخر.
3- أن يكون التهديد محقق الوقوع في أغلب ظنه.
4- أن يكون ما يهدد به يلحق به ضرراً كبيراً.
أقول: ويتضح من هذا أن مسألة الإكراه في زماننا أصابتها شروخات كثيرة، فلم يعد فينا المؤمن الصابر الذي يتحمل جور المستبد الجائر، ولم تعد وسائل الإكراه اليوم أيضاً، وسائل محصورة في أشياء يتصورها الإنسان، فمنا من يهدد في شيء تافه لكن بما أنه يحب ذلك الشيء، فإنه يستسلم ويفعل للمهدد ما يريد، إزاء أن يترك له ما يحب.