قطع العالم الإسلامي بعرضه وطوله، وأتقن علم الحديث بفروعه وأصوله، ولم يهاجر إلى دنيا يصيبها، بل كانت هجرته إلى الله ورسوله.
صاحب رأي سديد وعزم شديد، وقيل إن الله طوّع له الحديث، كما طوع لداود الحديد. حافظ على قيمة العلم وكرامة العلماء، ورفض أن يخصص مجلسا لأبناء الأمراء، وأكد أن مجالس العلم مفتوحة للشريف والضعيف سواء بسواء.
والإمام أبو داود (817-889م) هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمران الأزدي السجستاني. والأزد من قبائل اليمن وسجستان إحدى ولايات خراسان.
وكان محدثاً شهيراً وإماماً كبيراً من رواة الحديث وعلومه وحفاظه، صاحب كتاب السنن، الذي وضعه معظم علماء الحديث في المرتبة الثالثة بعد صحيحي البخاري ومسلم.
ولد عام 202ه في سجستان. وتوفي بالبصرة يوم الجمعة 15 من شوال لسنة 275ه. عن (73 سنة) ودفن بجوار قبر سفيان الثوري. تتلمذ على الأئمة أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه والبخاري ومسلم وعثمان بن أبي شيبة وقتيبة بن سعيد.
قام برحلة كبرى لجمع الحديث في بلدان العالم الإسلامي، سافر فيها إلى الشام والعراق ومصر والجزيرة والحجاز وخراسان وفي نهاية المطاف استقر بالبصرة، ومن تلاميذه الأئمة الترمذي والنسائي وأبو علي اللؤلئي.
عرف كتابه بسنن أبي داود، اختصره الحافظ عبدالعظيم بن عبدالقوي المنذري (المتوفى سنة 656ه) في كتاب المجتبى من سنن أبي داود والمجتبى تعني المختار أو المنتخب، كما كتب السيوفي كتابا عن هذا المختصر بعنوان زهر الربا على المجتبى. وأضاف إليه محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (المتوفى 571 ه) بعض العلل.
أربعة أحاديث
جمع الإمام أبو داود خلال رحلته 500 ألف حديث اختار منها 4800 حديث وردت في سننه. يقول أبو داود: يكفي الإنسان منها 4 أحاديث فقط للفوز بالدنيا والآخرة إذا حفظها وعمل بها.
* الأول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.
* الثاني: من حسن إسلام المرء تَركُ ما لا يعنيه.
* الثالث: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه.
* الرابع: الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور متشابهات.
يمثل كتاب السنن منهجا جديدا في جمع الحديث يقتصر على أحاديث الأحكام، لا يتشدد في الرواية والرواة كصحيح البخاري ومسلم، ويقبل رواية من لا يطعن فيه، وقد يعلق على الحديث.
يقول أبو داود: ذكرت في السنن الصحيح، وما يشبهه، أو يقاربه.
يقول الخطابي عن سنن أبي داود كتاب شريف لم يصنف في حكم الدين كتاب مثله وقد رزق القبول من الناس كافة، فصار حكما بين فرق العلماء، وطبقات الفقهاء، على اختلاف مذاهبهم.
انتشر كتاب السنن في حياة صاحبه، ونال شهرة واسعة قبل وفاته، وكان من أهم مراجع الحديث ومصادره في العراق ومصر وبلاد المغرب العربي. شرحه عدد كبير من العلماء منهم الإمام الخطابي في كتابه معالم السنن.
بعد أن انتهى أبو داود منه عرضه على الإمام أحمد بن حنبل فاستحسنه وأثنى عليه، وكتب عنه الجلودي كتابا بعنوان أخبار أبي داود طلب منه سهل بن عبدالله أن يقبل لسانه الذي طالما حدّث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن علوم الحديث علم الطبقات ويركز اهتمامه على الجوانب التاريخية والتراجم ومنها طبقات ابن سعد، وطبقات الحفاظ، وأسد الغابة في معرفة الصحابة لابن حجر.
ويقسم علماء الحديث مستويات الرواة والمحدثين إلى ثلاثة أقسام. قالوا إن الحافظ من أحاط علمه بمائة ألف حديث والحجة من أحاط علمه بثلاثمائة ألف حديث، والحاكم من أحاط علمه بجميع الأحاديث. ويقول الزهري: لا يولد الحافظ إلا كل أربعين عاما.
القرآن والسنة
وردت آيات كثيرة في سور القرآن الكريم تؤكد أهمية الأحاديث الشريفة ووجوب العمل بالسنة النبوية: وَمَا آتَاكُمُ الرسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا (الحشر: 7).
يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدوهُ إِلَى اللّهِ وَالرسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأوِيلاً (النساء: 59).
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبونَ اللّهَ فَاتبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رحِيمٌ (آل عمران: 3).
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى (النجم: 3-4).
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكْرَ لِتُبَينَ لِلناسِ مَا نُزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلهُمْ يَتَفَكرُونَ (النحل: 44).
منْ يُطِعِ الرسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ (النساء: 80).
يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ (الأنفال: 24)
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَل ضَلالاً مبِيناً (الأحزاب: 36).
فَلاَ وَرَبكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتىَ يُحَكمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُم لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مما قَضَيْتَ وَيُسَلمُواْ تَسْلِيماً (النساء: 65).
فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (النور: 63).
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً (الأحزاب: 21).
رَبنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً منْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكيهِمْ إِنكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (البقرة: 129).
لَقَدْ مَن اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً منْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكيهِمْ وَيُعَلمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مبِينٍ (آل عمران: 164).
وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُن مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ (الأحزاب: 34)
ورد الحديث عن الصلاة في القرآن الكريم مجملا، يوصي بها ويحدد فضلها، وثوابها وعقابها.
وفي السنة النبوية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي.
وحدد عدد الصلوات والركعات في كل صلاة: وصلاة السنة والجمعة والتراويح والعيدين والجنازة والاستسقاء والقيام وغير ذلك مما يهم كل مسلم ومسلمة.
إقليم سجستان
تقع سجستان بين أفغانستان وإيران وتبلغ مساحتها 7006 كيلومترات مربعة منها 4159 كيلومترا مربعا في أفغانستان، و2847 كيلومترا في إيران، وهي منطقة قال عنها ياقوت في معجم البلدان إن أرضها رملية تهب عليها الرياح معظم أوقات العام. من مدنها زرنج، ونصرت آباد، ونشأ فيها رستم بطل الفرس الأسطوري، الذي هزمه سعد بن أبي وقاص في معركة القادسية، وهراة (آريه) التي تقع شمال غرب أفغانستان على نهر رواء، على الطرق التجارية بين فارس والهند، وكانت مطمعا للغزاة كالإسكندر الأكبر وتيمور لنك، ومن أشهر علمائها أبو سعيد أحمد السجستاني الذي عاش أواخر القرن العاشر الميلادي، وهو من علماء الرياضيات الذين برعوا في علم الهندسة، وفتحها الأحنف بن قيس في خلاقة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وكانت عاصمة الدولة الصفارية (867ه)، وتوفي بها الفخر الرازي.
وإليها تنتسب السلالة الآرية الأوروبية، كما تنتسب إلى هراه مدرسة التصوير التيمورية الإسلامية.
والإمام أبو داود عالم جليل القدر وضعه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب الإمام أحمد بن حنبل. وقال عنه أبو بكر الخلال أبو داود هو الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفة تخريج العلوم وبصره بمواضعها أحد في أهل زمانه وشهد له بالتقوى والورع وقال إبراهيم الخربي ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود عليه السلام الحديد.
وقال العلماء: هو أحد حفاظ الحديث وفرسانه، وعلله وسنده وكان في أعلى درجات النسك والورع والعفاف.
ويقول عنه د. أحمد عمر هاشم أستاذ الحديث في جامعة الأزهر: أخذ نفسه بالورع والعبادة حتى كان في الدرجة العالية من النسك والصلاح وحظي تاريخ الإمام أبي داود بالثناء العطر من العلماء والتقدير الكامل لما كان عليه من الورع والتقوى والحفظ التام والفهم الثاقب في الحديث.
وعلى مدار حياته حافظ أبو داود على كرامة العلم والعلماء ورفض عقد مجلس علم لأبناء الأمراء وقال إن مجالس العلم مفتوحة للجميع لا فضل فيها لكبير على صغير أو لغني على فقير.
وأهم مؤلفات الإمام أبي داود: كتاب السنن (قسمه إلى كتب والكتب إلى أبواب).
المراسيل، والزهد، والبعث، وتسمية الأخوة، والقدر، ودلائل النبوة، وابتداء الوحي، وفضائل الأعمال، والدعاء، والمسائل.
وتوفي في السنة ذاتها التي توفي بها أبو داود الشاعر محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن العنبيس الضميري وهو القائل:
كم عليل عاش من بعد يأس
بعد موت الطبيب والعواد
قد تصاد القطا فتنجو سريعاً
ويحل البلاء بالصياد
كان لأبي داود ولد صالح، واصل مسيرته في علوم الحديث، وصحبه في رحلاته إلى بغداد وخراسان وأصبهان وشيراز وسجستان، وهو من كبار حفاظ الحديث، اسمه أبو بكر عبدالله وله كتاب اسمه المصابيح توفي سنة 316ه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له.