سافر في طلب الحديث الشريف من بلد إلى بلد، وحقق المتن وأحسن السند، وفي تبويبه وترتيبه جد واجتهد، انه إمام الرواة وسيد المحدثين، وجامع أقوال وأحوال خاتم المرسلين، وصاحب أصدق كتاب بعد كتاب رب العالمين.
ذهب إلى مكة والمدينة والكوفة والبصرة وبغداد وعسقلان ومصر ودمشق ونيسابور ومرو وقيسارية وخراسان من أجل العلم.
الإمام البخاري (810 870م) هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي، ولد في بخارى، بعد صلاة الجمعة 13 من شوال سنة 194ه، وتوفي بها ليلة عيد الفطر سنة 256ه مات أبوه وهو طفل صغير، ونشأ في حجر أمه الصالحة، وكانت مستجابة الدعاء.
حفظ الحديث وهو في سن العاشرة، وبلغ ما حفظه في صباه 70 ألف حديث.
فقد بصره في مطلع حياته، ورأت أمه، فيما يرى النائم، خليل الله إبراهيم عليه السلام الذي قال لها: يا هذه قد رد الله على ابنك بصره لكثرة دعائك، واستيقظ الطفل من نومه، وقد عاد النور إلى عينيه.
قرأ الكتب وهو في سن السادسة عشرة، ومنها كتب ابن المبارك ووكيع، وحج مع والدته وشقيقه الأكبر أحمد وأقام في مكة مجاورا في طلب العلم، وعادت أمه ومعها أخوه الذي توفي في وطنه.
حفظ الحديث عن 1080 رجلا من أهل العلم والتقوى والإيمان قولا وعملا.
أسلم جده الأكبر المغيرة على يد اليمان الجعفي أمير بخارى ونسب إليه لأنه أسلم على يديه على سنة أهل هذا الزمان، وانتقل من فارس إلى بخارى، وترك له والده إسماعيل مالا حلالا، لم تشبه حرمة ولا شبهة، أنفقه في أوجه الخير ليلا ونهارا وسرا وجهارا.
جمع السنة
بدأ جمع السنة أواخر عصر التابعين في القرن الثاني الهجري، وأول من جمعه الربيع بن صبيح وهو مجاهد توفي بالهند سنة 160ه. تم جمع كل باب على حدة، وبعد ذلك تم تدوين الأحكام.
حقق الإمام مالك كتاب الموطأ وضمّنه الصحيح من حديث أهل الحجاز، وصنف عبد الملك بن جريج كتابا بمكة، وعبد الرحمن الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن دينار بالبصرة، ومن بعدهم وضع عبيد الله العبسي الكوفي مسندا، ومسدد بن مسرهد البصري مسندا، وأسد الأموي مسندا، ونعيم الخزاعي نزيل مصر مسندا.
وانتشرت كتب الحديث وتوالى ظهور أئمته، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه الذي قال لتلاميذه ومنهم البخاري: لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وكان هذا القول هو نقطة البداية.
الاسم الحقيقي لصحيح البخاري هو الجامع الصحيح: المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من سننه وأيامه.
أخرج البخاري من كتابه 600 ألف حديث جمعها في 16 عاما، اختار منها 7397 حديثا متصلا بالمكرر، و2762 حديثا بعد حذف المكرر.
ينقسم صحيح البخاري إلى 97 كتابا، طبقا للموضوعات الفقهية، ويشتمل كل كتاب على عدد من الأبواب، وجمع الكتاب بين السيرة والفقه والاستنباط، ويشتمل على الأحاديث الصحيحة التي يتصل سندها من الراوي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ومن مؤلفات البخاري أيضا: التاريخ الكبير عن تراجم أهل السنة، وبدأ تصنيفه وعمره 18 سنة، وكتبه في الروضة الشريفة خلال الليالي المقمرة بين قبر النبي ومنبره.
وكتاب الهبة: الذي يشتمل على 500 حديث، ولم يشتمل كتاب وكيع إلا على حديثين أو ثلاثة عن الهبة، وكتاب ابن المبارك اشتمل على 5 أحاديث فقط. ومن كتبه الأدب المفرد خلق أفعال العباد الضعفاء رفع اليدين في الصلاة بر الوالدين التاريخ الأوسط، التاريخ الصغير، التفسير الكبير، القراءة خلف الإمام، الكنى، العلل، أسامي الصحابة - الأشربة، الوحدان (من له حديث واحد)، المسند الكبير، المبسوط، الفوائد.
ويحدد الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ الحديث ورئيس جامعة الأزهر السابق منهج الإمام البخاري في طلب الحديث في ثلاثة عناصر: العناية بالسند والمتن، ورحلاته العلمية لتأكيد الصلات، وحفظه ومعرفته بعلوم الحديث.
حباه المولى عز وجل ملكة قوية في الحفظ، والنقد والتحليل وإدراك العلاقة بين المتغيرات والقدرة على العمل المتواصل المستمر، والتفرقة بين الخطأ والصواب، والدقة والأمانة والحياد، والموضوعية، وهي أسس البحث العلمي على مدار الأيام والأعوام.
سمرقند وبغداد
تعرض البخاري لامتحان عسير في كل من سمرقند وبغداد. ففي الأولى اجتمع 400 من علماء الحديث وجاؤوا بعدد كبير من الأحاديث، وخلطوا متونها وأسانيدها، وأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق وإسناد اليمن في إسناد الحجاز. وألقوها عليه فرد كل حديث إلى إسناده ومتنه، فلم يجدوا فيما قال هفوة في متن أو كبوة في إسناد.
وفي الأخرى تكرر الأمر، حيث قلبوا 100 حديث ودفعوها الى عشرة أشخاص لكل منهم 10 أحاديث وطلبوا منهم أن يلقوها عليه وكلما قرأ أحدهم حديثا قال: لا أعرفه، ولما فرغوا جميعا، التفت إلى أولهم وذكر الأخطاء بالترتيب وأتبعها بالصواب وكرر ما فعل مع التسعة الباقين ورد كل حديث إلى متنه وإسناده.
وشهد له العلماء والفقهاء في المدينتين بالفضل والعلم والاجتهاد، فقد كان ينظر في صفحة الكتاب مرة واحدة فيحفظها وكان يستيقظ من نومه مرات ومرات تصل إلى 20 مرة فيوقد السراج ويكتب ما أنعم الله به عليه.
ويحمل اسم البخاري سبعة من العلماء في جميع التخصصات منهم شمس الدين البخاري (ت/1340م) وهو فلكي إيراني له كتاب (زيج شمس المنجم) في تاريخ علم الفلك وترجم من الفارسية إلى اليونانية.
وأشهر نسخ صحيح البخاري النسخة اليونينية نسبة إلى الإمام تقي الدين أبو عبد الله اليونيني نسبة إلى قرية يونين إحدى قرى بعلبك، وهي النسخة التي استخدمها الحافظ العسقلاني في تحقيق الكتاب وشرحه وضبطه، كما طبعت على أساسها الطبعة السلطانية نسبة إلى السلطان عبد الحميد الذي أمر بطبعها في مطبعة بولاق 1311 ه، وتمت طباعتها 1313ه.
كما قام بشرحه محمود العيني وأبو زيد الفاسي، لكن أشهر شروحه لابن حجر العسقلاني (773852ه) ويحمل عنوان فتح الباري، ومقدمته عنوانها هدي الساري والفتح هو الفيض والعطاء، والباري هو الخالق، والهدي هو الإرشاد للرشاد، والساري هو المسافر ليلا.
وبخارى التي ينتمي إليها البخاري منطقة في وسط آسيا، شمال أفغانستان فتحها الإسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد، وحكمها الأمويون (709 874م) وازدهرت خلال القرن العاشر الميلادي تحت حكم السامانيين (874999م) وهي مركز تجاري وملتقى خطوط المواصلات.
حكمها السلاجقة (10041133م)، ودخلها جنكيز خان في عام 1220م، وتيمور لنك في القرن الرابع عشر، حتى غزتها قبائل الأوزبك أوائل القرن السادس عشر، تأسست إمارة بخارى على يد أوزبك خان، الذي غزا بلاد ما وراء النهر. وفي سنة 1555م نقل عبد الله خان العاصمة من سمرقند إلى بخارى.
غزاها نادر إمبراطور فارس سنة ،1740 واستقلت سنة ،1753 لكنها فقدت خوارزم وطشقند ووادي فرغانة، ومناطق أخرى. ثم هزمتها روسيا في عام ،1866 وأصبحت محمية روسية 1868 وفي سنة 1920 تم استبعاد آخر أمرائها إلى أفغانستان وقامت جمهورية بخارى السوفييتية الاشتراكية، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع العقد الأخير من القرن العشرين انقسمت بين جمهوريات أوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان.
ومدينة بخارى عاصمة الإقليم تقع غرب أوزبكستان، وتشتهر بصناعة السجاد والحرير والجلود، وهي أحد المراكز التجارية والصناعية والزراعية وبها العديد من الآثار والمساجد والقصور التاريخية، ومن محاصيلها الأرز والقطن والقمح والفاكهة، كما تشتهر بتربية الخيول والإبل وتقع على نهر زرافشان.
بجوار النبي
رأى الإمام البخاري فيما يرى النائم، أنه واقف الى جوار النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده مروحة. وقال المفسرون له: أنت تحجب عنه الكذب، كما رأى محمد بن حاتم وراق البخاري (كاتبه) في نومه: أن النبي يمشي، والبخاري في أثره، كلما رفع النبي قدمه، وضع البخاري قدمه على المكان نفسه وتكررت هذه الرؤيا مع عدد من معاصريه بالمعنى نفسه وإن اختلفت التفاصيل.
وكان الإمام مسلم كلما رآه يقبّل ما بين عينيه، بل ويطلب منه أن يقبّل رجليه، ويؤكد أنه طبيب الحديث وسيد المحدثين.
وقال عنه الإمام أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثله، وقال الترمذي: لم أر في العراق ولا خراسان في معرفة العلل والتاريخ والأسانيد أعلم من البخاري، وقال اسحق بن راهويه: لو كان في زمن الحسن البصري لاحتاج الناس إليه في الحديث: معرفته وفقهه. وقال نجم بن الفضيل هو فقيه الأمة، وأجمع العلماء على أنه آية من آيات الله تمشي على الأرض.
أرسل الملوك والسلاطين في طلبه لحضور مجالسهم أو تعليم أبنائهم لكنه أبى، وأقسم ألا يذل العلم، وأكد أن العلم يطلب ويسعى إليه ومن أراده فعليه بمسجده أو بيته، فقد أمر السلطان خالد بن أحمد الذهلي نائب الظاهرية ببخارى بنفيه وحاول مرارا إبعاد الناس عنه، ولكن دون جدوى، وبعد أيام قليلة دارت الدوائر على السلطان الجائر، وفقد ملكه، وصادف الهوان أشكالا وألوانا وسجن حتى مات.
قال الإمام البخاري: جعلت كتابي حجة بيني وبين الله، ما أدخلت فيه حديثا إلا واستخرت الله فيه، وصليت ركعتين وتيقنت من صحته.
كان إمام المحدثين كثير العمل قليل الكلام، كثير القيام، قليل الطعام، ورعا تقيا كريما سخيا، إذا أراد أن يكتب حديثا توضأ وصلى ركعتين، وإذا أراد أن يسجل ترجمة توضأ وصلى ركعتين.
كانت حياته علما وعملا، وذكرا وفكرا وصياما وقياما.
عاش البخاري 62 سنة إلا 13 يوما، بالتقويم الهجري و60 (عاما) بالتقويم الميلادي. توفي بعد صلاة العشاء، وصلوا عليه ظهر يوم العيد. وبعد دفنه فاح من قبره عطر أطيب من ريح المسك، استمر لأيام عديدة، وكان هذا الأمر حديث البلاد والعباد.