عاش خلال القرن الثالث الهجري الذي يمثل الحقبة الذهبية لعلوم وأعلام السنة النبوية، وكان في علمه ودينه علامة، وبين أهل الحديث صاحب فضل وكرامة، وشهد له العلماء بالأمانة والإمامة.

إنه الإمام الترمذي (815 892م) أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي الترمذي، أحد أعلام ومشاهير المحدّثين وحفاظ الحديث، وكان جده مروزيا ينتسب إلى مدينة (مرو)، وانتقل إلى ترمذ.

تعلم على أيدي الأئمة أحمد بن حنبل، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبي داود.

ولد في مدينة ترمذ سنة 209ه، وهي مدينة قديمة تقع على نهر جيحون. وتوفي سنة 279ه (ليلة الاثنين 13 رجب). وقد قام برحلة طويلة لجمع الحديث في خراسان والعراق والحجاز، وكف بصره في أواخر أيامه، وكان في الحفظ والعلم والتقوى مضرب الأمثال، وهو أحد أصحاب السنن.

وعندما كتب جامعه عرضه على طائفة من علماء عصره في الحجاز والعراق وخراسان فحاز قبولهم ورضاهم. وقال ابن حبان في كتابه الثقات: كان الترمذي ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر.

سأله بعض المحدثين في 40 حديثا من غرائب حديثه فأعادها عليهم من صدره، فشهدوا له بالفضل والعلم.

والاسم الكامل لكتاب الإمام الترمذي هو (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل) وله عدة أسماء متداولة بين كتب الحديث منها الجامع الصحيح، والجامع، والسنن والصحيح لكن أشهر الأسماء هو جامع الترمذي.

يضعه بعض العلماء بعد صحيحي البخاري ومسلم في ترتيب كتب الحديث، والبعض يضعه بعد أبي داود والنسائي لكن الأغلبية ترى وضعه بعد أبي داود وقبل النسائي وابن ماجه، أي في المرتبة الرابعة من كتب الحديث.

تحفة الأحوذي

ومن شروح جامع الترمذي: شرح القاضي أبي بكر بن العربي المالكي الذي يسمى (عارضة الأحوذي)، وهو أحد علماء الأندلس وأئمتها وحفاظها.

شرح الحافظ بن سيد الناس، (شرح ثلثي الكتاب في 10 مجلدات)، وأكمله الحافظ زين الدين العراقي، وشرح الحافظ بن الملقن وهو من أصول أندلسية وأقام في مصر، وشرح الإمام الحافظ أبي الفرج عبدالرحمن بن شهاب الدين البغدادي، وشرح الحافظ بن حجر العسقلاني صاحب (فتح الباري في شرح صحيح البخاري)، وشرح الحافظ عمر بن رسلان البلقيني الشافعي (المنقح الشذي على جامع الترمذي)، وشرح الحافظ السيوطي (قوت المغتذي على جامع الترمذي)، وشرح العلامة محمد طاهر صاحب مجمع البحار، وشرح أبي الطيب السندي، وشرح الشيخ سراج أحمد السرهندي وهو باللغة الفارسية.

ومن أشهر شروحه (تحفة الأحوذي، شرح جامع الترمذي)، للإمام الحافظ محمد عبدالرحمن المباركفوري توفي (1353ه)، ومعه شرح كتاب العلل وهو بعنوان شفاء الغلل في شرح كتاب العلل، وهو أحد علماء الهند المرموقين. والتحفة كل ذي قيمة من الأشياء، والأحوذي هو المتقن في عمله، والجاد في سعيه وهو أيضا السريع في كل شيء، الحسن القيادة، والغلل أي شدة الظمأ للماء وأيضا للعلم والمعرفة.

فضل المحدثين

وعلماء الحديث هم الأمناء على السنة النبوية، جدوا في جمعها، واجتهدوا في تصنيفها، وأجادوا في بيانها وإسنادها.

وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ارحم خلفائي، قلنا: يا رسول الله: ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يروون أحاديثي، ويعلمونها للناس.

وروى الترمذي عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نضّر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى له من سامع. وما من رجل يطلب الحديث إلا كان على وجهه نضرة في الدنيا والآخرة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم نضر الله امرأ سمع مقالة فوعاها فأداها كما سمعها.

ويشير المرتضى الحسيني إلى المكانة الرفيعة لهذه الطائفة الكريمة في صياغة شعرية:

عليك بأصحاب الحديث فإنهم خيار عباد الله في كل محفل

ويرجع الفضل في جمع السنة النبوية إلى الخليفة عمر بن عبدالعزيز بن مروان الذي أمر بجمعها سنة 99ه.

ويقول الإمام البخاري في الجامع الصحيح، كتب عمر بن عبدالعزيز (682 725م) إلى أبي بكر بن حزم والي المدينة يقول: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه.

وأول من قام بهذه المهمة الجليلة في تدوين الحديث محمد بن مسلم بن عبدالله بن شهاب الزهري المدني، وقيل إنه عاصر عشرة من الصحابة، وأخذ عنهم نحو ألفي حديث، وتشير المراجع وبعض الأحاديث إلى محاولات فردية لكتابة السنة في العهد النبوي، فقد روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: إنا نسمع منك أحاديث لا نحفظها، أفلا نكتبها؟ قال بلى.

وفي رواية أخرى: قلت يا رسول الله: إني اسمع منك أشياء، أأكتبها؟ قال: نعم. قلت في الغضب والرضا؟ قال نعم، فإني لا أقول إلا حقا.

وفي رواية ثالثة لابن حنبل وأبي داود والدارمي: عن عبدالله بن عمرو بن العاص الذي أطلق على صحيفته اسم (الصادقة) (كنت اكتب كل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهتني قريش).

وقد جد الحفاظ والمحدثون في جمع الحديث الشريف، خلال النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وبلغ ذروته خلال القرن الثالث الهجري، الذي يمثل العصر الذهبي لعلوم الحديث الشريف وأعلامه. وامتد هذا الجهد الكريم على مدار القرون في العالم الإسلامي، وظهر في الهند على يدي الشيخ عبدالحق بن سيف الدين الدهلوي (1052ه) والحديث الشريف كل خبر عن حياة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. ولكل حديث سند يوضح روايته، ومتن وهو موضوع الحديث، والصحابة وأهل بيت النبي هم مصدره، عاشوا من حوله، وسألوه فأجابهم، وشاهدوا سننه، ونقلوا عنه إلى التابعين وتابعي التابعين شفاهة وكتابة.

مدينة ترمذ

تقع مدينة ترمذ شمال إيران على الضفة الشمالية لنهر أموداريا (الذي أطلق عليه العرب اسم جيحون)، ويبلغ طوله 2580 كيلومتراً بوسط آسيا، حيث كانت تسود فيها الديانة البوذية قبل الفتح الإسلامي، والاسم القديم لهذا النهر أوجزوس ويصب في بحر آرال.

وقد فتحها موسى بن عبدالله بن خارم الذي خرج على طاعة الخليفة، واستقل بملكه مدة 15 عاما، ومن أبناء المدينة أيضا أبو عبدالله محمد علي الترمذي من أعلام الصوفية في القرن الثالث الهجري، وقبره من أشهر آثارها.

ومن مؤلفات الإمام الترمذي: الجامع الكبير المعروف باسم صحيح الترمذي أو جامع الترمذي،

ولم يقتصر على أحاديث الأحكام، بل أضاف إليها أحاديث في الكلام والسمعيات والمناقب.

الشمائل النبوية، والتاريخ، والعلل في الحديث (وهو قيمة في الجرح والتعديل)، وأسماء الصحابة، والزهد، والأسماء والكنى.

وقد حقق كتاب العلل في سمرقند، وانتهى منه يوم عيد الأضحى سنة 270ه.

ومن أهم خصائص جامع الترمذي أنه أيسر من الصحيحين، إذ يقول عبدالله الأنصاري: كتاب الترمذي عندي أنور من البخاري ومسلم لأنهما يخاطبان المتخصصين، ويصعب فهمهما على عامة الناس.

وقال الحافظ ابن الأثير في جامع الأصول: صحيح الترمذي أحسن الكتب وأكثرها فائدة وهو أفضلها ترتيبا، وأقلها تكرارا فيه ما ليس في غيره في ذكر المذاهب وأوجه الاستدلال، وتوضيح أحوال الحديث، ومدى دقته وسلامته في متنه وإسناده.

ويقول د. أحمد عمر هاشم أستاذ الحديث في جامعة الأزهر الشريف: من يطلع على جامع الترمذي يرى مبلغ علمه بالمذاهب الفقهية، وإحاطته بها، وتصرفه في عرض المسائل الفقهية، تصرف رجل عالم خبير بها.

والجامع من أجلّ كتب الحديث وأنفعها وهو أحد الكتب الستة وأحد دواوين الإسلام الشهيرة، وعرف باسم جامع الترمذي، أو صحيح الترمذي، أو سنن الترمذي، وقد أنكر البعض مكانته الرفيعة بين المحدثين ومنهم ابن حزم، لكن أغلب العلماء يشهدون بقدره وعلو هامته.

قال أحد الشعراء:

كتاب الترمذي رياض علم

جلت أزهاره زهر النجوم

به الآثار واضحة أبينت

بألقاب أقيمت كالرسوم

وقال شاعر آخر:

وكيف يصح في الأزمان شيء

إذا احتاج النهار إلى دليل

قال الإدريسي: كان الترمذي أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنف الجامع والتواريخ والعلل تصنيف رجل عالم متقن، وكان يضرب به المثل في الحفظ.

وعندما مات الإمام البخاري قالوا: مات ولم يخلف بخراسان مثل ابن عيسى الترمذي في العلم والحفظ والزهد والورع.