خرج الغزالي من بلدته طوس وهو ما زال شابا إلى جرجان لسماع دروس الإمام أبي نصر الإسماعيلي، وفي أثناء عودته قطع اللصوص عليه الطريق وأخذوا منه مخلته التي فيها كتبه وكراريسه، ظناً منهم أن فيها نقوداً وساروا في طريقهم فتبعهم الغزالي وأخذ يلح عليهم ويرجوهم أن يعطوه أوراقه وكتبه التي هاجر من أجلها ومعرفة ما فيها، فضحك كبير اللصوص وقال له: كيف تزعم أنك عرفت علمها وعندما أخذناها منك أصبحت لا تعلم شيئا وبقيت بلا علم؟
في النهاية وبعد طول إلحاح ورجاء أشفق عليه كبير اللصوص وأعطاه كتبه وأوراقه، ولكن كانت هذه الحادثة درسا عظيما للغزالي تعلم منه أن العلم لا يكون في الأوراق والكتب وإنما في العقول والقلوب حتى لا يكون معرضا للضياع.
من أجل ذلك مكث أبو حامد الغزالي ثلاث سنوات في مدينة طوس يحفظ ما كتب في هذه الأوراق حتى لا يتعرض علمه للضياع مرة أخرى.
دعوة مستجابة
والإمام محمد بن محمد بن أحمد أبو حامد الطوسي الغزالي ولد بمدينة طوس سنة خمسين وأربعمائة، وكان والده المعروف بالتقوى والصلاح غزَّالا يغزل الصوف ويبيعه، وعندما شعر والده بقرب دنو أجله عهد به وبأخيه أحمد وهما صغيران إلى صديق له متصوف ومن أهل الخير وأعطاه ما معه من أموال، وكان قليلا حتى ينفق على تعليمهما بعد أن أوصاه بذلك، وعمل الصديق بالوصية وأقبل على تعليمهما إلى أن نفد المال الذي تركه والدهما، وتعذر عليه بعد ذلك القيام بدوره لرقة حاله فقال لهما: اعلما أني قد أنفقت عليكما ما كان لكما وأنا رجل من أهل الفقر والتجريد ليس لي مال فأواسيكما به ونصحهما بأن يلتحقا بإحدى المدارس التي كانت قائمة وقتئذ ليحصلا على قوتهما ويتعلما، فاستجابا لنصيحته وكان ذلك سببا في سعادتهما وعلو درجاتهما.
وعن ذلك يقول الغزالي: طلبت العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله. وقبل المضي في رحلة الفقيه العالم الإمام الغزالي علينا أن نعلم أن الإمام الغزالي وأخاه أحمد لم يكن من الممكن أن يصلا إلى ما وصلا إليه إلا بتلك الدعوة التي كان أبوهما يدعو الله بها دائما بعدما يستمع إلى حديث الفقهاء في بلدته وهو يبكي، كان يسأل الله أن يرزقه ولداً ويجعله فقيها ثم يبكي ويسأل الله أن يرزقه ولداً واعظاً فاستجاب الله دعوتيه، فأما أبو حامد الغزالي فكان أفقه أقرانه وإمام أهل زمانه وأما أحمد شقيقه فكان واعظا ترتعد فرائص الحاضرين في مجالسه.
وفي صباه تلقى الإمام الغزالي طرفا من الفقه على أحمد بن محمد الراذكاني ثم سافر إلى جرحان وتعلم من الإمام أبي نصر الإسماعيلي وعاد مرة أخرى إلى طوس ليقضي فيها ثلاث سنوات يحفظ ما جمع من علوم.
ثم دخل الغزالي مرحله جديدة من مراحل تلقي العلم فانتقل إلى نيسابور، ولازم أبا المعالي الجويني، الملقب بإمام الحرمين، وتعلم على يديه الفقه والمنطق والفلسفة وأصول الفقه وغيرها من العلوم، وعدّ إمام الحرمين الغزالي من أنجب تلاميذه وأذكاهم لبراعته في الفقه وإتقانه المناظرة.
ولما مات إمام الحرمين خرج الغزالي من نيسابور إلى العسكر قاصدا الوزير نظام الملك الذي كان له مجلس يتناظر فيه الأئمة والعلماء، فأتيح للغزالي مناظرة فحول العلماء والاحتكاك بالأئمة وكبار الدعاة والفصحاء فأبلى بلاء حسناً، وحاز إعجاب الوزير نظام الملك فأرسله إلى بغداد للقيام بالتدريس في المدرسة الميمونية النظامية وفيها ارتفع شأنه وعلا صيته حتى أصبح إماما للعراق في زمنه بعدما كان إماما لخراسان.
الرد على الفرق الضالة
ونتيجة لما وصل إليه الغزالي من مكانة علمية كلّفه الخليفة العباسي المستظهر بالله الرد على بعض الفرق التي انحرفت عن الإسلام، فكتب الغزالي في الرد عليهم القسطاس المستقيم وحجة الحق وغيرهما من الكتب التي كشفت ضلال هذه الفرق، وبالإضافة إلى تصانيفه في الرد على الفرق الضالة كانت له تصانيف كثيرة وخاصة في الفقه وأصوله.
وهكذا علت مكانة الغزالي في بغداد حتى فاقت مكانة الأكابر والأمراء، وكان مع علو مكانته وسمو عبارته وسرعته في النطق والكلام لا يفتأ ينظر إلى نفسه حتى كانت تلك اللحظة التي توقف فيها أمام نفسه ليتساءل عن علمه، ويكتشف أنه في حاجة للتعلم من جديد، فترك كل ما وصل إليه من مكانة ومناصب خلف ظهره، وطرح ما نال من درجات وسلك طريق الزهد والاشتغال بأسباب التقوى بحثا عن زاد الآخرة.
قصد الغزالي بيت الله الحرام وحج ثم سافر إلى الشام وأقام فيها عشر سنوات يشاهد المشاهد العظيمة ويجاهد نفسه سيما نحو تغيير الأخلاق وتهذيب الشمائل، فانقلب لديه شيطان الرعونة وطلب الجاه والدنيا إلى سكون النفس وكرم الأخلاق.
وتحول الغزالي إلى الشهرة والمجد وتزيا بزي الصالحين وأوقف نفسه على هداية الناس ودعوتهم إلى بغض الدنيا والاهتمام بأمر الآخرة.
وخلال هذه السنوات العشر التي قضاها الغزالي في السياحة أخذ في وضع كتابه الأشهر إحياء علوم الدين ومختصراته المعروفة.
وبعد السنوات العشر عاد الغزالي إلى وطنه ولازم بيته مشتغلا بالتفكير والتأمل معلماً لمن أراد التعلم وقد أخذت تصانيفه وأهمها إحياء علوم الدين في الانتشار ووجدت ترحيبا كبيرا ولم يعترض أحد على أي من هذه التصانيف.
وعندما جاء الملك جمال الشهداء الذي سمع عن الغزالي، وتحقق من مكانته أبى أن يظل الغزالي ملازماً بيته، وألح عليه كل الإلحاح إلى أن استجاب الغزالي فحمل إلى نيسابور مرة أخرى وعهد إليه بالتدريس في المدرسة الميمونية النظامية فلم يجد بدا من الإذعان لأمر فخر الملك ولكنه لم يستقر فيها لفترة طويلة حيث تركها بعد عامين وعاد إلى طوس وهناك أنشأ الغزالي زاوية للزهاد والصوفية وطلبة الفقه والعلوم الشرعية وظل يرعاها حتى توفاه الله في 14 جمادى الآخرة عام 505 هجرية عن عمر يناهز خمسة وخمسين عاما قضاها في العلم والتعلم والتعليم ونشر الفكر الإسلامي بين المسلمين والدفاع عن الإسلام ضد أهل الملل الأخرى والفرق الضالة حتى لقب بحجة الإسلام.
في فساد الشعوب
وإذا كان الإمام الغزالي شغل نفسه بتلقي العلم وتعليمه، سواء في مجالس العلماء والمناظرات والتدريس أو في فترة زهده وتصوفه إلا أنه لم يغفل أبدا عن حال أمته وأوضاع المسلمين.
كان الغزالي يرى أن فساد الشعوب والأمم تقع مسؤوليته في المقام الأول على العلماء ورجال الدين لأن العلماء ملح الأمة وإذا فسد الملح فما الذي يصلحه؟
وكان اهتمامه كبيرا بعلم القلوب الذي سماه علم الآخرة في مقابل علم الدنيا وسماه علم اليقين وهو لم يجرح على الإطلاق الفقهاء فهم في نظره علماء بالآخرة بالإضافة إلى علمهم بالفقه، وإنما كان ينقد من اقتدى بفقههم وحده دون علمهم فيقول: ما ذكرناه ليس طعناً فيهم (أي في الأئمة) بل هو طعن فيمن أظهر الاقتداء بهم منتحلاً مذاهبهم وهو مخالف لهم في أعمالهم وسيرهم.
أما عن الفساد فكان يقول: بالجملة إنما فسدت الرعية بفساد الملوك وفساد الملوك لفساد العلماء، فلولا القضاة السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك خوفا من إنكارهم. وكأنما الغزالي يعيش في عصرنا، وهو يصف علماء السوء، فقد كان يرى ان من آفات علماء السوء المسارعة إلى الفتيا والإجابة دون تحقيق أو روية على كل استفسار خشية أن يتهموا بالجهل وعدم المعرفة.
يقول الغزالي: كان ابن عمر رضي الله عنهما يُسأل عن عشر مسائل فيجيب عن واحدة ويسكت عن تسع، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يسأل عن عشر مسائل فيجيب عن تسع ويسكت عن واحدة وكان في الفقهاء من يقول لا أدري أكثر ممن يقول أدري ومنهم سفيان الثوري ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل والفضيل بين عياض وبشر بن الحارث.
جرأة في الحق
كان هذا موقف الغزالي من علماء السوء، أما الحكام من الأمراء والسلاطين فقد كان الغزالي عاملا بما علم، وكان لا يتوانى عن قول كلمة الحق في وجه الحاكم الظالم، ورسائله إلى بعض الملوك والوزراء أبلغ دليل على ذلك.
وفي رسائل الإمام الغزالي بالفارسية قال لملك شاه السلجوقي حاكم خراسان: أسفا.. إن رقاب المسلمين كادت تنقض بالمصائب والضراب ورقاب خيلك كادت تنقض بالأطواق الذهبية!
كما كتب الغزالي لأخيه الأكبر محمد بن ملك شاه رسالة خطيرة قوية حثه فيها على ضرورة إصلاح حال العباد يخوفه فيها من المنتقم الجبار يوم لا ينفع مال ولا بنون يوم البطش العظيم. قال في رسالته: واعلم أن هذه المدينة طوس أصبحت خرابا بسبب المجاعات والظلم ولما بلغ الناس توجهك خافوا وبدأ الفلاحون يبيعون الحبوب، واعتذر الظالمون إلى المظلومين. واستسمحوهم لما كانوا يتوقعون من إنصاف منك واستطلاع للأحوال ونشاط في الإصلاح أما وقد وصلت طوس ولم ير الناس شيئا فقد زال الخوف وعاد الفلاحون والخبازون إلى ما كانوا عليه من الغلاء الفاحش والاحتكار وتشجع الظالمون، وكل من يخبرك من أخبار هذا البلد بخلاف ذلك، فاعلم أنه عدو دينك واعلم أن دعاء أهل طوس بالخير والشر مجرب.. اعلم يا فخر الملك أن هذه الكلمات لاذعة مرة قاسية لا يجرؤ عليها إلا من قطع أمله عن جميع الملوك والأمراء، فاقدرها قدرها فإنك لا تسمع من غيري وكل من يقول غير ذلك فاعلم أن طمعه حجاب بينه وبين كلمة الحق.
وهكذا لم يتوان الغزالي في نصح فخر الملك وتخويفه.. بل إنه في رسالة أخرى بالفارسية يجأر بالشكوى إلى الله تعالى فيقول لقد بلغت المرية العظم، وبلغ السيل الزبى وكاد المسلمون يستأصلون، إن ما قسمه الموظفون من الدنانير على أهل البلد من الملك أخذوا أضعافها من الرعية وانتهبها الظالمون والسفلة من الناس ولم يصل منها شيء إلى السلطان. وبهذه الرسالة وضع الإمام الغزالي يده على فساد الموظفين والوكلاء أيضا.. وفي توجيهها إلى السلطان تحميل ضمني لمسؤوليته عما يفعل موظفوه.
وهكذا نرى أن الإمام الغزالي رغم أنه لم يعش أكثر من خمس وخمسين سنة إلا أن حياته كانت زاخرة ويكفيه أنه كان مجددا للدين على رأس القرن الخامس، ويكفيه أن كتابه إحياء علوم الدين مازال كنزاً ثميناً من العلوم والمعرفة التي لا يمكن أن يستغني عنها الباحث عن الحقيقة في شتى المجالات.