لم تكن الأيام الأخيرة في حياة الصحابي الجليل وأول من أسلم من الشباب وزوج ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه سهلة ويسيرة، بل شهدت الكثير من الأحداث العظيمة، فبعد أن حدثت الفتنة الكبرى، وقتل عثمان بن عفان، رضي الله عنه، تولى الخلافة الإمام علي بن أبي طالب تحت ضغط الثوار.. لم يعرف الراحة وخاض صراعات وحروبا كثيرة كان آخرها موقعة صفين التي كاد أن ينتصر فيها على جيش معاوية لولا خدعة رفع المصاحف وقبول التحكيم.

ويقول عبد العزيز سيد الأهل في كتابه الإمام الصادق، إنه في ظل هذا الخضم طلب الإمام من الناس أن يواجهوا معه هذه الأحداث ولكنهم كانوا يتقاعسون. وتبلغ أحزان الإمام القمة وهو يدعو الناس إلى نصرته ولا مجيب. فإذا به يضع المصحف الشريف على رأسه ويتجه إلى الله بكل كيانه ويقول: اللهم إني سألتهم ما فيه فمنعوني ذلك. اللهم إني مللتهم وملوني.. أبغضتهم وأبغضوني.. وحملوني على غير خلقي وعلى أخلاق لم تكن تعرف لي.. فبدلني بهم خيرا لي منهم.. وأبدلهم بي شراً مني.. وبث قلوبهم كبث الملح في الماء.

أشقى الأولين والآخرين

وتذكر الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه وأرضاه، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم له: أتعلم أشقى الأولين؟ قال: عاقر ناقة صالح. فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أتعلم من أشقى الآخرين؟.. فلما لاذ بالصمت قال له الرسول: الذي يضربك على هذه (وأشار إلى جبهته) فتتخضب هذه بالدم (وأشار إلى لحيته).

وتمضي الأيام على الإمام ثقيلة بطيئة الحركة. حتى جاءت المؤامرة التي دبرها ثلاثة من الخوارج الذين اتفقوا على أن يتخلصوا من الإمام علي، رضي الله عنه، ومعاوية وعمرو بن العاص.. وأوكلوا إلى كل واحد منهم تنفيذ المؤامرة في واحد من المستهدفين، حيث كلف عبدالرحمن بن ملجم بقتل الإمام، والبرك بن عبدالله التميمي بقتل معاوية، وعمرو بن بكر بقتل عمرو بن العاص. ونجح الأول في مهمته، بينما فشل الآخران.

ويروى الإمام أبوالفرج عبدالرحمن الجوزي في كتابه صفة الصفوة أنه قبل مقتل علي شعر أصحابه أن هناك مؤامرة تحاك ضده، وكانوا يرتابون في عبدالرحمن بن ملجم، فقرروا أن يحرسوا الإمام علي بن أبي طالب من دون علمه.. وعندما استشعر الإمام أنهم يحرسونه سألهم: ما يجلسكم؟ قالوا: نحرسك يا أمير المؤمنين.. فيقول الإمام: من أهل السماء؟ أن لا يكون في الأرض شيء حتى يقضى في السماء، وأنه ليس من الناس أحد إلا وقد وكل به ملكان يدافعان عنه، فإذا جاء القدر خليا عنه، وأنه لا يجد عبد عرف حلاوة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

وفي يوم السابع عشر من رمضان انتظر عبدالرحمن بن ملجم الإمام، وهو في طريقه للصلاة. وكان من عادة الإمام أن ينادي في طرقات الكوفة الصلاة الصلاة يا عباد الله. وفي طريقه إلى المسجد، خرج إليه وطعنه بسيفه المسموم.

ويبدو أن الإمام كان يعلم أنه سيقتله وبهذا السيف، فقدم الإمام ذات يوم على ابن ملجم. وسأله: لم تسم سيفك؟ فقال ابن ملجم: لعدوي وعدوك.. فكان الإمام ينظر إليه ويقول: أريد حياته ويريد قتلي!

حمل الناس أمير المؤمنين إلى داره وقبضوا على القاتل وإذا بالإمام رضي الله عنه يقول لهم: أحسنوا نزله وأكرموا مثواه.. فإن أعش فأنا أولى بدمه قصاصاً أو عفواً..وإن أمت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين.. ولا تقتلوا بي سواه، إن الله لا يحب المعتدين، ولا تمثلوا به فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور.

الإمام التقي

وسأل بعض الصحابة الإمام علي رضي الله عنه: ماذا تقول لربك إذا تركت الأمر بعدك بلا رجل يخلفه؟ فقال الإمام التقي الفصيح البليغ: أقول له تركتهم دون أن أستخلف عليهم كما ترك رسول الله المسلمين دون أن يستخلف عليهم.

وطلب أن يحضروا قاتله.. ليقول له: أي عدو الله، ألم أحسن إليك؟ فيقول: بلى. فيقول الإمام: فما حملك على هذا؟ فيقول: شحذت هذا السيف أربعين يوماً وسألت الله أن يقتل به شر خلقه. قال الإمام: لأراك مقتولاً به.. ولا أراك إلا من شر خلقه.

وجاء في كتاب الصحابة والصالحون على فراش الموت للمؤلف مجدي فتحي السيد، أنه لما رقد علي رضي الله عنه: على فراش الموت، وهو يعاني من جراح شديدة، دخل عليه ابنه الحسن رضي الله عنه باكياً. فسأله: تبكي يا بني؟ قال: لماذا لا أبكي، أنت في أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا؟! فقال علي رضي الله عنه: سأوصيك بثلاث خصال، وأنصحك بالابتعاد عن ثلاث: إن أغنى الغنى: العقل. وأكبر الفقر: الحمق. وأوحش الوحشة: العجب. قال الحسن: يا أبتاه، علمني الثلاث الأخرى. فقال: إياك ومصادقة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك. وإياك ومصادقة البخيل، فإنه يبعد عنك أحوج ما تكون إليه. وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه.

وعن سعيد بن عبد العزيز السلمي أن عليا رضي الله عنه لما ضرب أوصى بنيه، ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض. وقال جعفر بن محمد رحمه الله: قال علي بن أبي طالب حين حضرته الوفاة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له. ثم إني أوصيك يا حسن، وجميع أهل بيتي، وجميع من بلغه وفاتي بأن تتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً.