جمع بين العلم والعمل، وبذل جهده بغير كلل أو ملل، وترك دياره لمدة 15 عاما من أجل كتابه حتى اكتمل. حباه الله عقلا مفكرا، وقلبا ذاكرا، ولسانا شاكرا، وبدنا على متاعب الترحال صابرا. عرف كتابه بالصحيح، واسمه الكامل الجامع الصحيح جاء علامة في الضبط والدقة والوضوح وأثبت أنه: لا يصح إلا الصحيح.
الإمام مسلم (820-875م) هو أبوالحسين، مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، ولد في نيسابور204ه في نفس السنة التي توفي فيها الإمام الشافعي، وتوفي بها يوم الأحد 24 من رجب 275ه ودفن في يوم الاثنين.
أحد أعلام أئمة الحديث، جد في طلبه صغيرا، وعمره 12 سنة، ثم رحل إلى الحجاز والشام والعراق ومصر وخراسان، وتردد على بغداد وحدث بها، حج وعمره 14 سنة، أشهر كتبه الجامع الصحيح المعروف باسم صحيح مسلم، أو المسند الصحيح، وهو أحد الصحيحين الأساسيين في الحديث الشريف.
جمع 300 ألف حديث على مدار 15 سنة وتتلمذ على الأئمة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ويحيى بن يحيى، وعبد الله بن مسلمة، وسعيد بن منصور، وغيرهم، قام برحلته الكبرى في العالم الإسلامي لجمع الحديث وعمره 24 سنة.
كان مسلم صاحب ثروة وأموال وعمل بزازا في مطلع حياته الى جانب طلب العلم (والبزازة هي تجارة الملابس خاصة المصنوعة من القطن والكتان).
شرح النووي
يأتي صحيح مسلم من أوائل كتب الحديث ويأتي عند أهل العلم، بعد صحيح البخاري، وإن كان البعض يفضله عليه خاصة في بلاد المغرب العربي، وقليل من أهل المشرق ومنهم أبو علي النيسابوري. من أهم خصائصه سهولة التناول والفهم، وترجم الصحيح إلى جميع لغات العالم الإسلامي وكانت فكرة التيسير على عامة الناس عند الإمام مسلم، وهذا واضح من مقدمة الإمام في أول الصحيح، بأن يقدم الأحاديث ملخصة، وبغير تكرار، فيكون ذلك أيسر على سائر المسلمين، لمعرفة أمور دينهم ودنياهم.
قال الإمام مسلم: ما دفعت شيئا في هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئا إلا بحجة.
يشتمل على 3033 حديثا. من أهم شروح صحيح مسلم: المعلم بفوائد كتاب مسلم للإمام محمد بن علي المازري (المتوفى سنة 536ه).
إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم للإمام القاضي عياض بن موسى المالكي (المتوفى سنة 544ه). المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي ( المتوفى سنة 656ه). لكن أشهرها: المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي (631-676ه) الذي ينتسب إلى قرية نوا بحوران جنوب دمشق بسوريا.
ثلاثة مستويات
قال الإمام النووي في شرح مطلع كتاب الإيمان: اعلم أن مسلما رحمه الله سلك في هذا الكتاب طريقة في الإتقان والاحتياط والتدقيق مع الاختصار البليغ والإيجاز التام في نهاية من الحسن، مصرحة بغزارة علومه، ودقة نظره، وحذقه ويظهر ذلك في الإسناد وفي المتن تارة أخرى.
وشرط الإمام مسلم في جمع الحديث كما قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح أن يكون الحديث متصل الإسناد، ينقل الثقة عن الثقة، من أوله إلى آخره، وأن يكون خاليا من كل علة أو شذوذ.
وشهد له العلماء باتباع سائر طرق الضبط والإتقان والأمانة والمعرفة، مما يؤكد غزارة علمه، وتمام ورعه، ونبوغه في علوم الفقه والأسانيد والتاريخ.
وقد قسم الإمام مسلم الأحاديث إلى 3 مستويات: ما رواه الحفّاظ الثقات، وروايات المتوسطين، وروايات الضعفاء، وترك تراثا علميا كبيرا تعلمت عليه الأجيال ولا تزال، ومنه: الجامع الصحيح (مرتب على الأبواب)
والمسند الكبير (مرتب على الرجال)، وأفراد الشاميين، الأسماء والكنى، الأفراد والوحدان، الأقران، مشايخ الثوري، العلل، تسمية شيوخ مالك وسفيان وشعبة، كتاب المخضرمين، الانتفاع بأهب السباع، أولاد الصحابة، أوهام المحدثين، الطبقات.
تطبيق عملي
وعلم الحديث تختص به الأمة الإسلامية من دون غيرها، قال المستشرق مرجليوث: إن هذا العلم من دواعي الفخر للمسلمين. وقال البروفيسور أسد رستم إن علماء المسلمين هم أول من وضع قواعد هذا العلم لفهم ما ورد بالقرآن الكريم.
وهذه القواعد موضع احترام واهتمام من العلماء.
وأصح الحديث ما اتفق عليه البخاري ومسلم، يليه ما انفرد به البخاري، يليه ما انفرد به مسلم، ثم ما جاء على شرطهما، ثم ما جاء على شرط البخاري، ثم ما جاء على شرط مسلم، ثم ما جاء على شرط كبار المحدثين.
ورموز الحديث (خ) أي البخاري، و(م) أي مسلم، و(ط) أي مالك (نسبة لكتابه الموطأ)، و(ت) أي الترمذي، و(د) أي أبوداود، و(س) أي النسائي. ورواه الشيخان أي رواه البخاري ومسلم، ومتفق عليه أي رواه البخاري ومسلم، رواه أصحاب السنن أي رواه أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجة، رواه الخمسة أي البخاري ومسلم وأبوداود والترمذي والنسائي، رواه الأربعة أي البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، رواه الثلاثة أي رواه البخاري ومسلم وأبوداود.
وترجع أهمية السنة النبوية الشريفة إلى أنها تطبيق عملي لما ورد في القرآن الكريم، وتفصيل لما ورد مجملا في الذكر الحكيم (كالصلاة والزكاة).
سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت (كان خلقه القرآن). وقالت: (كان قرآنا يمشي على الأرض).
أعلام نيسابور
تقع مدينة نيسابور التي ينتسب إليها الإمام مسلم شرق إيران، وتسمى (نيشاور).
أسسها شابور الأول في القرن الثالث الميلادي، وهي من أنقى المدن هواء وأعظمها بناء وأرحبها فضاء، وأوفرها رخاء.
كانت عاصمة الدولة الظاهرية خلال القرن التاسع الميلادي، وكانت مركزا تجاريا وثقافيا خلال العصر السلجوقي. وهي بلاد كثيرة الخيرات غنية بالمحاصيل والفاكهة والخضراوات، فتحها المسلمون في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه على يد عبد الله بن عامر سنة 31ه وقيل إنها فتحت في عهد الخليفة الثاني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد الأحنف.
وقد خرج منها ثلاثة من كبار المحدثين، هم الإمام مسلم، ومحمد بن يحيى، وإبراهيم بن أبي طالب.
ومن أبنائها أيضا أبو إسحاق الثعالبي النيسابوري أحد أئمة التفسير (توفي سنة 1035م) من مؤلفاته التفسير الكبير، والعرائس في قصص الأنبياء، وأحمد الميداني النيسابوري وهو أديب ومؤرخ اشتهر بمعرفة أخبار العرب (توفي 1124م) له كتاب (السامي في الأسامي)، وكتابه (مجمع الأمثال) به أكثر من 6 آلاف مثل.
وهناك الرياضي الفلكي الشاعر الشهير عمر الخيام صاحب رباعيات الخيام التي ترجمت إلى عدد كبير من لغات العالم.
يقول رضوان جامع رضوان محقق شرح النووي صحيح مسلم أحد أصول الإسلام، وهو أحد الكتابين اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل (الجامع الصحيح للإمام البخاري والجامع الصحيح للإمام مسلم)، وقد تلقتهما الأمة الإسلامية بالقبول.
وقد بالغ الإمام مسلم في البحث والتحري عن الرجال، والتمحيص للمرويات، والموازنة بينها، والتدقيق في تحرير الألفاظ، والإشارة إلى الفروق بينها حتى جاء صحيحه على الهيئة الكاملة التي ينشدها طلبة الحديث وأهل البحث والمعرفة.
دارت أحاديث ومساجلات بين العلماء حول المقارنة بين صحيحي مسلم والبخاري يضيف محقق شرح النووي:
تشاجر قوم في البخاري ومسلم
لدي وقالوا أي ذين نقدم؟
فقلت: لقد فاق البخاري صحة
كما فاق في حسن الصناعة مسلم.
وقال الإمام النووي في التقريب بين الصحيحين: هما أهم الكتب بعد القرآن الكريم، والبخاري أصحهما وأكثرهما فوائد وقيل مسلم أصح، والصواب الأول.
وقد أثنى العلماء على المكانة الرفيعة لصحيح مسلم وصاحبه، حيث قال عنه الإمام أبو علي النيسابوري (شيخ النووي): ما رأيت تحت أديم السماء أصح من صحيح مسلم.
وقال ابن القاسم في تاريخه: لم يضع أحد مثله ووصف صاحبه بأنه جليل القدر، ثقة بين أئمة المحدثين. وقال الإمام القرطبي عن الصحيح: إنه أحسن الأحاديث مساقا، وأكمل سياقا، وأقل تكرارا، وأتقن اعتبارا وأيسر للحفظ. وقال عنه أستاذه إسحاق بن راهويه وهو يثني عليه أي رجل كان هذا.
وقال إسحاق بن منصور مخاطبا الإمام مسلم لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يظل المرء عالما ما طلب العلم، فإن ظن أنه علم فقد جهل.