مواقف كثيرة أغلبها محرج نتعرض إليها بوجود شخص عفوي في حياتنا، ليكون قنبلة موقوتة تنفجر في أي مكان وفي أي لحظة، لتسبب الكثير من الإحراج والمشكلات، أو المواقف المضحكة . وتتباين آراء الناس في الإنسان العفوي، فمنهم من يتخوف منه لأنه يفتح الباب على مصراعيه للجميع لتصبح حياته وحياة المقربين منه كتاباً مفتوحاً، ومنهم من يراه عملة نادرة في زمن ساد فيه التصنع والتكلف والخبث، ومنهم من يراه طيباً وصاحب فطرة سليمة ونية صافية، ومنهم من يربطه بالسذاجة . من هو العفوي؟ وهل هو شخص مرغوب فيه أم شخص يسبب المشاكل؟ الإجابة في التحقيق التالي .
الإنسان العفوي مشكلة، هكذا بدأ خليل رحمة، موظف في الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة بدبي، حديثه، وأكد أن العفوي يسبب الكثير من المشكلات والإحراج للآخرين . ويقول عن موقف تعرض له: كنت أتحدث بطيب نية مع أحد أصدقائي عن صديقنا الآخر، لأفاجأ بهذا الآخر يعاتبني بسبب حديثي عنه ويبدي ضيقاً كبيراً وانزعاجاً مني، فشرحت له الأمر وبينت له طيب نيتي وصدقها، وأنني لم أتحدث عنه بالسوء بل كنت أتحدث عن أحد المواقف التي كان هو طرفاً فيها، لكن الصديق الأول بعفويته نقل الحديث بطريقة خاطئة، ومن هذا الموقف تعلمت أن أحسب حسابات كثيرة قبل التحدث أمام أي شخص عفوي .
وذكر خليل أن المشكلة الكبرى تكمن في أن هؤلاء العفويين يتعاملون مع الأمور بلا مبالاة، حتى إن كانت حساسة ويجب عدم التقليل من شأنها، وأكد أنه مع ثورة التطور والعلم الآن أصبح من الصعب أن نجد شخصاً عفوياً، فهو اليوم عملة نادرة .
ورأى أن الإنسان العفوي يمتاز بطيبته الزائدة عن الحد، ولذا فقد يسهل خداعه والتغرير به، ويضيف: طيبته الزائدة قد تحوله من دون قصد إلى شخص عديم الشخصية ما يؤدي إلى استهزاء الآخرين به .
وعرفت ديالا فتح الله محمود، ربة منزل، الإنسان العفوي فقالت: هو من يقوم بتصرفاته بكل تلقائية، ويتحدث في كل الأمور بنية صافية، بغض النظر عن المكان والزمان، ومن دون أن يتعمد إيذاء الآخرين أو الإساءة إليهم، لأنه يتصرف قبل أن يفكر، ويسبق لسانه عقله . وذكرت ديالا أن جدتها مثال للعفوية، وعنها تقول: جدتي إنسانة عفوية جداً، لا تحسب حساباً لكلامها أو تصرفاتها، فتسرد كل المواقف التي تحدث مع أفراد العائلة على الملأ، غير مدركة أن ذلك قد يسبب الضيق والانزعاج لهم، لدرجة أن ابنها اضطر لأن يقول لها يوماً أنه سيتوقف عن إخبارها بأمور كثيرة حتى لا تخبر الآخرين بها، فهذا الأمر يعرضه للإحراج ويشعره بأن خصوصيته انتهكت . وأكدت أن جدتها لا تنتظر أن يستدرجها أحد بالحديث بل تبادر هي بالبوح بكل شيء . وترى ديالا أن العفوية سذاجة، وتقول: قد تصل هذه السذاجة في أحيان كثيرة إلى الغباء، ولذا فتجنب التعامل مع الإنسان العفوي لأنه لن يفيد، والأفضل تجنبه وعدم البوح له بالأسرار لأنه حتماً سيفشيها بسهولة وفي أقرب فرصة .
ولأن حياتها مليئة بالأشخاص العفويين، توضح حنان البراوي، ربة منزل، أنه يزعجها أن يتصرف هؤلاء على سجيتهم، ليبوحوا بأمور يجب عدم البوح بها، ويتصرفوا بتلقائية تسبب إحراجاً كبيراً للآخرين . وتقول: الإنسان العفوي يقول ويتصرف من دون تفكير، ويفشي أموراً فيها خصوصية كبيرة، والمشكلة أن العفوي يعتبر أن هذا الأمر عادي رغم أنه ليس كذلك، فالأسرار يجب أن تبقى أسراراً، وما يحدث في البيوت يجب أن يبقى حبيسها . ورفضت اعتبار كل عفوي ساذجاً، فكثير من العفويين لا يمكن خداعهم . وعما إن كانت تتجنب الشخص العفوي تقول: إن لم يكن منهم فأتجنبه، وإن كان من أقاربي احتاط وأحذر فيما أقول أمامه .
العفوية أجمل شيء في الحياة، هكذا ترى علا غانم، طالبة أدب إنجليزي في جامعة تشرين في سوريا، التي تعلمت العفوية من والدتها . وتقول: أحب الإنسان العفوي، واعتبر والدتي مثالاً للعفوية، وعفويتها جعلتها تدخل قلوب الناس بسرعة، فالعفوي لا نفاق أو كذب في حياته، ويكسب حب الآخرين أكثر من الشخص الغامض الذي يتصنع بكلامه وتصرفاته .
وعما إن كانت العفوية تسبب المشكلات أم لا؟ تقول: إن كانت في غير محلها فمن الممكن أن تسبب مشكلات كثيرة، وعلى الإنسان أن يعرف طبع من أمامه، فإن كان ممن يفشون الأسرار فعليه أن يتصرف معه بحذر . وترى أن الإنسان العفوي قنبلة موقوتة ممكن أن تنفجر في أية لحظة، وتقول: إن كان غاضباً فمن السهل جداً أن يبوح بأسرار تسبب الكثير من المشكلات، أو يتفوه بكلام يسبب الضيق والإحراج للآخرين، ولكن بعض الأشخاص العفويين يستطيعون الاحتفاظ بالأسرار .
وأبدت ضيقها من تغير جميع المفاهيم ليصبح العفوي مرفوضاً، ويكسب المتصنع الناس حوله، وتقول: المشكلة أن الناس لا يفهمون العفوية بمعناها الصحيح، فقد يربطونها بالغباء، ويرون أن صاحبها لا يؤتمن على الأسرار، ولكن ذلك ليس صحيحاً، فهناك فئة لا تؤتمن على الأسرار ولكن ذلك يعود إلى طبيعة الشخص وليس لكونه عفوياً أم لا .
يستبعد سامر عبدالجبار، قائد فريق مبيعات في شركة عقارات، وجود شخص عفوي الآن مع طغيان المصالح على كل شيء . وأكد أن الناس غالباً ما يربطون العفوي بالسذاجة، لأنه في زمننا لا ينفع التعامل مع الآخرين بعفوية . ولا يتجنب سامر الإنسان العفوي، ولكنه يحتاط من الحديث أمامه عن أمور قد يفشيها أو يبوح بها للآخرين لطبيعته العفوية .
تعاني نجمة أبو سرور، موظفة في شركة أمازون للمقاولات بدبي، من عفوية زوجها التي تضعها في مآزق كثيرة منها موقف محرج مع عائلتها . وعنه تقول: اتصل بي أخي بعد عودتي من عملي وأخبرني برغبة والدي ووالدتي وإخوتي وزوجاتهم في زيارتنا في الليلة نفسها، ولكن لم تكن تتوفر لدي مستلزمات الضيافة كاملة، ولشعوري بالإرهاق وعدم قدرتي على القيام بالتسوق اعتذرت عن عدم استقبالهم قائلة إننا متفقون منذ وقت سابق على زيارة أصدقائنا، وطلبت منه تأجيل الزيارة . وتضيف: كل هذا حدث أمام زوجي الذي كان يوافقني الرأي لأن لديه بعض الأمور التي يريد إنجازها، وبعد يومين تقريباً أتى أخي وزوجته لزيارتنا، ليستقبلهم زوجي على الباب قائلاً: لماذا أطلتم الغياب، ولكم كل الحق في الغضب من زوجتي التي تعتقد أنكم تحتاجون لضيافة ورسميات واستعدادات خاصة، وهنا شعرت بأن الدنيا تدور بي، وكنت أتمنى لو اختفى عن وجه الأرض، وعاتبني أخي بعدها . وأكدت نجمة أنها غالباً ما تتحدث مع زوجها في هذه الأمور وغالباً ما يعتذر ولكنه يعود ليكرر الأمر .
العفوية صفة مطلوبة، فهي تعكس الشخصية الحقيقية للشخص هذا ما قاله محمد عبدالله، مدير تدقيق في جمارك دبي، ويرى أن العفوية تنبع من داخل الشخص ولا يمكن التظاهر بها . ويقول: الإنسان العفوي هو الصريح، الذي لا يخدع الآخرين ولا يجاملهم، بل يتحدث بكل بساطة وصدق . ويصنف العفوية بنوعين: مقبولة ومرفوضة، وعنهما يقول: المقبولة هي التي يتميز صاحبها بنيته الصافية وتصرفاته العفوية التي لا تتجاوز الحدود، أما المرفوضة فهي التي تصل إلى السذاجة ويتجاوز صاحبها الحدود، ورغم أنه لا يتعمد ذلك . ويقول: أصبح الناس أكثر وعياً وحرصاً في كل الأمور، ولم يعد الشخص العفوي الذي اعتدنا عليه قديماً موجوداً .
تستغرب روضة خالد، موظفة مبيعات في أحد محلات العطور والبخور بدبي، كثيراً مما يقوله بعض أقاربها بعفوية، وتقول: يضعون أنفسهم أو زوجاتهم في مواقف محرجة للغاية، فقد حدث أن قال أحد أقاربي أمام الجميع إن زوجته تلقي عليه تعليمات كثيرة قبل الخروج أو زيارة أحد، وهذا الموقف أحرج زوجته كثيراً، وأشعر الجميع بسيطرتها عليه . هذه الأمور يجب أن تبقى بين الزوجين، ولن يفيد ذكرها أي أحد، وعلى أي شخص أن ينتبه إلى كلامه وألا يتصرف بعفوية قد تسبب له المشكلات . وذكرت روضة أن الذكور أكثر عفوية من الإناث، وسبب ذلك في رأيها يعود إلى المجتمع المحافظ الذي يفرض الحدود على المرأة أكثر من الرجل .