حان وقت خلق الإنسان، وأخبر الله عز وجل الملائكة بالنبأ، وحين استوى خلق آدم، أعلم الله الملأ الأعلى باستخلاف الإنسان في الأرض، وأمرهم بالسجود له تكريماً، ولا ريب عندنا في حضور الملائكة وإبليس الأمر بالسجود لآدم، وهو حضور يحفظ لله العلي القدير مقامه، ويناسب حضور الملأ الأعلى على هيئة لا نعلمها، ولم يذكرها لنا الله، ولكن القرآن والأحاديث النبوية الشريفة حدثتنا عن الملأ الأعلى إذ يختصمون، بشأن النبأ العظيم الذي هو خلق آدم واستخلافه والسجود له، وبقية ما قص علينا القرآن بشأن قصة البشرية الأولى في مواضعها المتعددة بالقرآن .
واكتملت دائرة الابتلاء، ابتلاء آدم بإبليس، وابتلاء إبليس بآدم . . وكان أول ابتلاء إبليس بآدم أن فضله الله عليه، وأمره بالسجود له، فأبى واستكبر، وأصر على عصيانه واستكباره، فكان من المخرجين مطروداً ملعوناً منظوراً إلى يوم الدين .
وكان أول ابتلاء آدم بإبليس وسوسته له بالأكل من الشجرة المحرمة فأخرجه مما كان فيه، ولما تبين له تاب إلى ربه فتاب الله عليه وهدى .
كان موقف إبليس من الأمر بالسجود خروجاً عن طاعة الله، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، أي خرج، وليس تمرداً على الله، فلا شيء في كون الله يتمرد عليه، ولكنه عدم طاعة الله بمشيئة الله سبحانه وتعالى التي شاءت أن يمنحه الاختيار والقدرة على الطاعة، والقدرة على المعصية، إنه لم يرفض السجود لغير الله، بل رفض السجود بأمر الله، ورَفْض الأمر معصية وكفر، ولم يكن رفضه سهواً أو خطأ تاب منه وندم عليه، بل كان رفض إباء واستكبار، وتمادى في كفره وعصيانه، وطلب من الله سبحانه وتعالى أن يبقيه حتى تقوم الساعة، وأصر على تماديه عندما سأله المولى عز وجل:
ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟
قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين .
لم يقل: لن أسجد لغيرك، وإن قالها فقد عصى، لأن السجود معناه الخضوع، والخضوع امتثال لأمر، ورفض الأمر ورده ولو بحجة عدم السجود لغير الله فيه عصيان وفسوق عن أمر الله الذي أمر، وأمره واجب التنفيذ .
كراهية مستحكمة
امتلأ إبليس حقداً وحسداً وكراهية وعداء لهذا المخلوق المفضل عليه، وتوضح الآيات التي أوردت ردود إبليس على رب العزة حجم الكراهية والعداء لآدم وذريته من بعده: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً (الإسراء: 62) .
كل توعده ينصب على أنه سيثبت عدم جدارة هذا المخلوق المفضل عليه بالخلافة: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (الحجر39)، وقَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (الأعراف: 16)، وثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (الأعراف: 17)، وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً (النساء: 119) .
كان إبليس في موقفه مع رب العزة في حالة عصيان وفسوق، وكان في موقفه مع آدم وذريته في حالة عداء مستحكم ومحاولات دائبة ومستمرة ولحوحة منه لإثبات عدم أفضلية الإنسان عليه، وعدم صلاحيته للخلافة، وعدم جدارته لما حباه الله به من تكريم وتفضيل .
شجرة الاختبار
أسكن الله آدم وزوجه الجنة، وأبيحت لهما كل ثمارها، الجنة لكم، وكل ما فيها لكم، ولكم أن تأكلوا من ثمرها، كل ثمرها، وأن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى، لكما أن تأكلا منها رغداً حيث شئتما، المباحات كثيرة، وهي كل ما في الجنة من أشجار، وثمار، وكل ما فيها من معانٍ وأفكار، والمحرمات: شجرة واحدة، هي شجرة الاختبار، شجرة الظلم، أن يظلم الإنسان نفسه: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (البقرة: 35) .
وربما كانت تلك الشجرة على ما جاء في الظلال ترمز للمحظور الذي لا بد منه في حياة الأرض، فبغير محظور لا تنبت الإرادة، ولا يتميز الإنسان المريد من الحيوان المسوق، ولا يمتحن صبر الإنسان على الوفاء بالعهد والتقيد بالشرط، فالإرادة هي مفرق الطريق، والذين يستمتعون بلا إرادة هم من عالم البهيمة، ولو بدوا في شكل الآدميين .
نسي آدم عهده، وضعف أمام الغواية، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (الأعراف: 20)، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (الأعراف: 21)، وعصى آدم ربه فغوى: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عدو مبين (الأعراف: 22) . . ثم عاد وتاب قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (القصص: 16)، واستغفرت حواء مع استغفار زوجها: قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (الأعراف:23)، وتبين لهما، وظهر لذريتهما من بعدهما أن الشيطان للإنسان عدو مبين .
ثبت للإنسان من التجربة الأولى له مع إبليس أن وسوسة الشيطان فيها غواية الإنسان وإخراجه من الجنة وإدخاله النار، وظهر من التجربة أيضاً أن الإنسان مفطور على الخير، وتأكد منها كذلك أن الشيطان منظور لإغواء الإنسان، وأن سقوط الإنسان في حبائل الشيطان هو إسقاط للباس التقوى، كأن الإنسان يتعرى من فطرته، ويخجل من نكثه بعهده، وإسقاطه الميثاق الذي أخذه ربه عليه .
إصرار على المعصية
تاب آدم وندم على ما فعل وأظهر ندمه، فتاب الله عليه، ونهض آدم من عثرته، بما ركب في فطرته، وأدركته رحمة ربه التي تدركه دائما عندما يثوب إليها ويلوذ بها فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة: 37) .
ولكن إبليس لم يتب، ولم يبد الندم، بل أبدى الاستكبار والحسد وأصر على معصيته، لم يطرده الله من رحمته فور امتناعه عن تنفيذ الأمر بالسجود لآدم بل سأله: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (الحجر: 32)، وكانت هذه فرصة إبليس إن أرادها فرصة للندم والتوبة والسجود والله الواحد القهار يسأله: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (الأعراف: 12)، ولكن الملعون قطع على نفسه خطوط الرجعة والتوبة، وأعلن إعلاناً صريحاً واضحاً عزمه على المضي إلى النهاية في طريق المعصية، بالرغم من علمه بمصيره المترتب على اختياره .
وما طلب النظرة إلى يوم البعث إلا إصرار على المعصية والاستمرار فيها إلى يوم يبعثون، وكذلك إعلانه وتأكيده العزم على محاولة إضلال الناس .
تحدد مصير إبليس بعلمه وموافقته واختياره وبقبوله هذا المصير ورضائه به، لم يطلب الرحمة، ولا المغفرة، ولم يبد ندماً، وإنما أصر واستكبر فاستحق اللعن، اختار المعصية وهو يعلم جزاءه عليها، وأصر عليها عندما سئل عن سبب امتناعه، فأقر بأن المانع من ذاته وباختياره استعلاء واستكباراً على آدم وذريته، وأبدى إصراره على الاستمرار في المعصية، وطلب النظرة لتستمر معصيته إلى يوم الدين . . ولتستمر محاولات الإفساد والفسق والكفر والشرك، بل ويقسم بعزة الله عز وجل أنه سيعمل على غواية الناس طوال مدة الإمهال إلى يوم البعث .
ويقول الإمام ابن عاشور في التحرير والتنوير: إن الله عز وجل هو الذي خلق العناصر، ورتبها درجات، وفضل بعضها على بعض، وجعل درجة النار أفضل من درجة الطين، هو سبحانه الذي سن ذلك بمشيئته، ولا ضرورة تلزم إرادة الله أن يجعل أفضل الموجودات التي خلقها أفضلها عنصراً، فليس على الله من ضرورة في فعله وخلقه، فمشيئته مطلقة، وهو سبحانه فعال لما يريد.