أوجبت الشريعة نفقة الصغير على أبيه لضمان رعايته وسلامته وذلك في قوله تعالى (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف). وجعلت النفقة رغم وجوبها على الآباء قربى إلى الله، ووسيلة من وسائل الترقي عنده بل سبق فضلها في الأجر أجر النفقة في سبيل الله. فعن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على فرسه في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله)، كما جعلت الكدح والعمل لتوفير النفقة للأبناء سبباً في تكفير الذنوب.. (إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها إلا الهم في طلب الرزق).

ويقول صلى الله عليه وسلم لمن سألته عن مقدار ما تأخذ من زوجها الشحيح دون علمه: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). وهو بيان لمقدار النفقة. فهي إذن تدور مع القدرة والكفاية وجوداً وعدما. وللفقهاء أقوال عديدة حول وقت انتهاء إلزام الأب بالنفقة على ولده وهي بإجمال جاءت على النحو الآتي:

بالنسبة إلى الفتاة يلتزم الأب بالإنفاق عليها حتى تتزوج فإن تزوجت سقطت نفقتها وإن طلقت أو توفي عنها زوجها التزم الأب بالإنفاق عليها ثانية.

بالنسبة إلى الفتى، فإن البلوغ مع القدرة على الكسب مدعاة لإنهاء نفقة الوالد على ولده وهذا يعني تعليمه وتدريبه على ما يستغني به عن النفقة. أما إسقاط النفقة عنه بمجرد القدرة على الكسب فغير مسلم به لأنه يؤدي إلى التخلي عنه في وقت لم يزل في حاجة إلى الرعاية وليس على الأم شيء من نفقه الولد ما دام الولد موجوداً قادراً على الكسب.

أن تتحمل الأم من نفقة الولد بقدر ما لها من ميراث بمعنى أنه لو توفي الأب وترك ولداً لم تكفه نفقته من ميراثه وجب على الأم أن تنفق عليه بقدر ميراثها وذلك لقوله تعالى (وعلى الوارث مثل ذلك) فكل ما وجب على المورث أثناء حياته يتحمله الوارث بعد مماته وهذه الآية الكريمة تنبئ عن غاية الإعجاز من حيث عدالة التوزيع فتملك الميراث لا يعني أن ينفض الوارث يديه من المسؤولية عمن كان تحت رعاية المورّث، ولم يتمكن من تربيته، بل عليه أن يساهم في دفع حاجته وفي ذلك قمة التراحم وتتمة الشكر والامتنان وإسداء بعض الجميل.

وإن كان الأب معسراً فعلى الأم الموسرة أن تنفق على ولدها وتُؤمر بذلك ثم ترجع على الأب عند يساره وإن بقي إعساره فليس لها شيء.

وإذا نظرنا إلى المبادئ العامة في سائر المواثيق الدولية لوجدنا أنها لا تخرج في إطارها العام عن بعض ما تضمنته المبادئ الشرعية لحماية الطفولة منذ أربعة عشر قرناً والتي تميزت عنها بمصداقية التطبيق.

فلو نادت المبادئ العالمية بحق جميع الأطفال في التمتع بالحقوق دون تمييز (حماية الطفولة 1959) فقد نصت الشريعة الإسلامية على ذلك بالتوجيه القرآني والنبوي. يقول تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ويقول أيضاً إنما المؤمنون إخوة.

أما عن حق الطفل في الأمن الاجتماعي والغذائي والتعليم والرعاية الصحية فسنجد أن هذه الحقوق من أهم المبادئ التي نصت عليها المواثيق الدولية، وقد كفلتها الشريعة الإسلامية أيضاً. بل كان لها من الضوابط ما يفوق ما عداها من التنظيمات الوضعية، فقد حظيت بأولوية التطبيق قبل التنصيص، وهذا بعض سر إعجاز النظام الإسلامي.

فالحكم الشرعي بعموميته يتناوله الفقهاء بالتحليل ويذهب كل منهم مذهبه في فهم النص فنجد صوراً تطبيقية تحليلية تقع ما بين شقي السعة والاحتياط.

ونجد أنماطا شتى للأوامر الشرعية تبدأ من منطقة الأداء الإلزامي كما في الزكاة وصلة الرحم. والأداء على وجه الاستحباب من منطقة الإحسان. كما في البر والنفقات والصدقات، ويصاحب هذه وتلك توجيهات نبوية من قول أو فعل. زد على ذلك صور التطبيق النموذجية في (الزمن الفاضل) زمن الخلفاء الراشدين. كل ذلك أفرز نظاماً دقيقاً راقياً لم يشهده العالم قديمه وحديثه، وجعل على رأسه عقولاً مفكرة ورعة مؤيدة بنفحات إلهية. تنأى بنفسها عن الزعامة والريادة والثناء. فجاء عملها خالصاً لوجهه الكريم. ودليلنا على ذلك أنها وضعت الضوابط العلمية للتعامل حتى مع الحيوان.

ثم تأتى التوجيهات النبوية لتعليم وتثقيف الأبناء ويُؤْثر عن الإمام علي بن أبي طالب مقولته الشهيرة: علموا أولادكم على غير شاكلتكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم. ومن الأمور التي تدعو إلى جدية التأمل أن مبادئ الشريعة تمنح الذكور والإناث فرصاً متساوية في التعليم. بينما يحرم المسلمون في العصور المتأخرة الإناث في هذا الحق. وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة وهو أيضاً يوضح ذلك بالسنة الفعلية فيدعو الشفاء بنت عبدالله العدوية أن تعلم زوجه حفصة بنت عمر بن الخطاب القراءة، والكتابة تأهيلاً لها لمهمة حفظ كتاب الله وصيانته.