من هنا كان خلق «الإيثار» أجمل ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، حيث كان نموذجاً مشرفاً ومثالاً نادراً في التضحية من أجل الآخرين.. ومنه عليه الصلاة والسلام، ومن صحابته الكرام انتقل هذا الخلق الكريم إلى الأتباع ليضرب به المثل والقدوة حيث لا يتمتع به إلا أصحاب النفوس الكريمة.
جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة، رضي الله عنه: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم - أي نزل ضيفاً عليه - فبعث إلى نسائه واحدة تلو الأخرى، فقلن جميعاً: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يضيف ضيف رسول الله؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: «أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك -أي أطفئيه-، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها، فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين- أي جائعين من دون طعام - فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الرسول: عجب الله من صنيعكما بضيفكما، فأنزل الله: «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه، فأولئك هم المفلحون»، وجاء في بعض الروايات أن الذي استضاف ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أبو طلحة رضي الله عنه.
فوق الفطرة الإنسانية
يقول د. شوقي علام مفتي مصر: لا نندهش من أن يكون سلوك الكرم والجود والإيثار في أرقى صوره هو مثار عجب رب العزة سبحانه وتعالى، كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم لهذا الصحابي الجليل الذي أنزل الله فيه قرآناً عن أعلى خلق يمكن أن يتمتع به بشر، وذلك لأن هذه الفضيلة سمو فوق الفطرة الإنسانية المحبة لإيثار نفسها دوماً على الآخرين.. ذلك أن النفس البشرية جبلت على حب الخير لنفسها، والاستزادة منه قدر الطاقة.. لكن هذا الحب، وتلك الأثرة، يسمو فوقها أناس نور الله بصائرهم، وأضاء أفئدتهم على اختلاف درجاتهم، فيكون الإيثار الذي علمه لنا وربانا عليه رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
وسلوك المسلم في هذا المقام - كما يقول د. علام - درجات ومراتب: فبعض الناس لا يستزيد من خير ليس له فيه حق فهو بذلك (عادل)، وبعضهم يعطي غيره من بعض ما له فيه حق، وهو بذلك في مرحلة (الجود)، والبعض يسمو فوق بشريته ويؤثر غيره على حقه هو، وهو بذلك (من المفلحين) كما حكى القرآن الكريم، وبين النبي الأمين صلى الله عليه وسلم، وهذا الخلق الرفيع يمد صاحبه بروحانية عالية.
تدريب شاق
ويؤكد مفتي مصر أن هناك علاقة وثيقة بين الإيثار والسعي في مصالح الناس وقضاء حوائجهم، ويقول: الإيثار هو دافع الأفراد للسعي في مصالح الناس وقضاء حوائجهم، وهو خلق من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، كان يربي عليه أصحابه تربية عملية، ويدربهم تدريباً شاقاً على نفوسهم؛ لأن مثل هذه الأخلاق التي تنازع النفس الإنسانية حاجاتها تحتاج إلى تدريب يصعب تحمله إلا من أصحاب العزائم القوية.
يقول الصحابي الجليل أبو هريرة: «والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي.
قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (الحق)، ومضى، فتبعته، فدخل فأستأذن، فأذن لي، فدخل فوجد لبناً في قدح، فقال: (من أين هذا اللبن)؟ قالوا: أهداه لك فلان، أو فلانة.
قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (الحق إلى أهل الصفة، فادعهم لي).. وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال، ولا على أحد، إذا أتته صدقه بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن فبأهل الصفة؟ كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟
ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بد، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قلت: لبيك يا رسول الله قال: خذ فأعطهم قال أبو هريرة: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل، فيشرب حتى يروى، ثم يرد على القدح، فيشرب حتى يروى، ثم يرد على القدح، حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي القوم كلهم.
فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (بقيت أنا وأنت) قلت: صدقت يا رسول الله، فقال: «اقعد فاشرب فقعدت فشربت، فقال: اشرب فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً، قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة».. هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.. كان مثالاً نادراً في إيثار الآخرين على نفسه.
لو استجاب رسول الله لكلام أبو هريرة وتناولا معاً ما ساقه الله إليهما وتأثر الرسول بكلام شخص يعاني الجوع والعطش وهو صحابي جليل (أبو هريرة) «وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها» لو استجاب الرسول الكريم لكلام أبو هريرة ما كان هناك درس عظيم لكل نفس إنسانية تريد لنفسها ولا تؤثر غيرها، لكن المعلم والمربي صلى الله عليه وسلم دربه على الإيثار، وجعله آخر الشاربين قبله صلوات ربي وسلامه عليه، بل وعلمه كيف يسير في حوائج الناس، يسير إلى أهل الصفة ويخبرهم أن النبي يريدهم، وهو متعب شارف على الهلكة من الجوع، لكنه يربيه على هذا الخلق الرفيع الذي يدفعه لتفضيل غيره على نفسه.
أسرة واحدة
إن خلق «الإيثار» الذي غرسه في نفوسنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كفيل بالقضاء على معظم السوءات الأخلاقية التي نعانيها اليوم ويجلب لصاحبه رضا الله عز وجل ورضا وقبول واستحسان الناس.
والرسول صلى الله عليه وسلم بنشر خلق الإيثار يتدرج في بناء شخصية المسلم في صيانة الحرمات والاعتراف بحقوق الآخرين، من الاعتزاز بالنفس من دون تكبر أو تجبر.. إلى أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه.. ثم من هذه المرتبة التي تجسد سماحة الإنسان وخيريته إلى أن يؤثر أخاه على نفسه.. وعندئذ ترتقي شخصية الإنسان- كما يقول العالم الأزهري د. أحمد عمر هاشم - إلى مرتبة من السمو الروحي والأخلاقي، حيث يشعر بعظمة الإسلام في كل كيانه، فيرى الوجود من حوله كأنه أسرة واحدة، يظللها الدين بسماحته ويسره وفي النهاية تسمو روح الإيثار وتنتشر بين الناس ويكون المجتمع الإسلامي بلا فرقة ولا حقد ولا بغضاء، ومما لا شك فيه أن تفضيل الإنسان لغيره على نفسه هو قمة السمو، والرسول هنا يغرس في نفس المسلم قيمة البذل والتضحية من أجل الآخرين، ومن هذه القيمة تأتي قيمة الإيثار والتي هي أرقى وأسمى من البذل والتضحية والفداء، فيحارب الإنسان بها كل مظاهر الأنانية ويملأ الحياة بذلاً وتعاوناً وإحساناً.. وإيثار الإنسان قد يكون بماله حيث يقدم لإخوانه كل ما يحتاجون إليه.
ثقافة الأنانية
يقول مفتي مصر: نحن في أمس الحاجة إلى خلق «الإيثار» على مستويات عديدة.. على مستوى العمل العام، وعلى مستوى التنافس الحزبي والوظيفي، نحن في حاجة لنؤثر غيرنا على أنفسنا، وفي حاجة ماسة لنؤثر مصالح الوطن على مصالحنا الشخصية التي لن نستفيد منها شيئاً إذا تعثر الوطن وتعطلت حركته للأمام أو لحقت به الأضرار الاقتصادية أو الأمنية أو الاجتماعية.
في مجال التجارة نحن في أمس الحاجة إلى أن نؤثر مصالح الفقراء على مصالحنا فلا نبالغ في الأرباح ولا نزيد في أسعار السلع الغذائية من دون حاجة إلى ذلك، فقد نكسب الآلاف أو الملايين على حساب الفقراء ومحدودي الدخل فيأتي طوفان الاحتجاجات من معاناة الناس فيحرق الأخضر واليابس ويلحق بنا جميعاً الأذى فلا تنفعنا أموال ولا تفيدنا ملايين، وقد يدخل أصحاب هذه الملايين أو المليارات السجون فلا يستفيدون شيئاً.
نحن في أمس الحاجة إلى خلق «الإيثار» بعد أن أصبحت الأنانية ثقافة عامة، فمعظم الناس الآن لا يتحركون إلا من أجل مصالحهم الشخصية حتى بين الأخوة والأقارب والأزواج والزوجات والآباء والأبناء تسيطر الأنانية، ويبحث كل فرد عن مصلحته الشخصية من دون النظر إلى مصالح الآخرين.
نحن في حاجة إلى محاربة رذيلة «الأنانية» وسيطرتها على نفوس وسلوك كثير من الناس حتى بين الرجل وزوجته والأخ وأشقائه والأب وأبنائه، وهذه كارثة اجتماعية ينبغي أن تواجه بأساليب ووسائل علمية، خاصة أن السلوك الأناني القبيح يتزايد يوماً بعد يوم في ظل الأزمات الاقتصادية والمشكلات الناتجة عن البطالة والفقر في عالمنا الإسلامي.
خطورة الشح
وفي النهاية يحذر د. شوقي علام من تجاهل أو إهمال هذا الخلق النبوي الكريم ويقول: لو فقدت «الإيثار» والقدرة على حب السعي في مصالح الناس فاعلم أنك قد فقدت القلب الرحيم الذي يربي الإسلام أتباعه عليه، واعلم أن الشح قد تملك منك، والشح خلق ذميم لا يرضاه الإسلام لأتباعه مطلقا، واستمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم».
نعم.. الشح والأثرة وتفضيل النفس ومصالحها الشخصية وملذاتها وشهواتها على من دونها من الأفراد والأوطان هو بداية الطريق إلى سفك الدماء واستحلال الحرمات، ففي سبيل تحقيق الشحيح لمصالحه والحصول على شهواته يمكن أن يفعل أي شيء.. يقتل.. يسرق.. يستحل الأعراض.. حيث أعماه بخله وشهواته عن رؤية طريق الحق.