المعجزة من المفاهيم الشرعية المرتبطة بالنبوة . فكل نبي من الأنبياء الذين أرسلهم الله لهداية البشر، أجرى الخالق على يديه عدداً من المعجزات وخوارق العادات .

والمعجزة وإن كانت خاصة برسل الله فإن تصديق البشر لها مطلوب شرعا، سواء وقت النبوة أو بعد انقطاع النبوة والوحي .

فكيف يتعامل المسلم اليوم مع معجزات الأنبياء؟ وما حدود الإيمان بها؟ وكيف اختلفت المعجزات من رسول إلى رسول، ومن قوم إلى قوم؟ وما الفرق بين المعجزة والعصمة؟ وما الفرق بينها وبين الولاية، التي يقول بها بعض الرجال الصالحين في دنيا الناس، وقد لا يصدقها البعض؟

الفقيه الداعية الدكتور علي جمعة مفتي مصر السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر يوضح المفهوم الشرعي للمعجزة باعتبارها خرقاً لنواميس الكون وخرقا للعادات . . يقول: المعجزة تأييد من الخالق لنبي من أنبياء الله بآية باهرة تعين على تصديق البشر له وتؤكد أنه بوحي السماء موصول .

والمعجزة في الأساس تأتي استجابة لسؤال البشر عن نبوة الرسول . . فقد يسأل البعض: هل هذا نبي؟ فتأتي المعجزة شاهداً على النبوة، ولهذا ففي المعجزة معنى التحدي لمن أنكر أو تشكك في الرسول . ومثل هذا المعنى جاء على ألسنة أنبياء الله وأقوامهم . ومن هذا ما جاء به القرآن على لسان قوم ثمود ونبي الله صالح: قالوا إنما أنت من المسحرين . ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين قال هذه ناقة الله لها شرب ولكم شرب يوم معلوم . ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم .

التكذيب والجدال

وخوارق العادات والنواميس، قد تكون بمعجزة مادية ملموسة، يجريها الله على يد النبي، قد يجريها على الإنسان مثل إحياء الميت في معجزة عيسى عليه السلام: وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله . أو معجزة زكريا عندما بشره الله بالمولود رغم كبره ولنجعله آية للناس .

أو يجريها الله في الكون، حيث فقدت النار خصوصية الإحراق في معجزة إبراهيم عليه السلام عندما قال الخالق: قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم . أو كما أجراها الخالق على يد موسى عندما قال الحق: أن أضرب بعصاك البحر فانفلق .

والمعجزة قد تكون ذاتية في داخل الرسالة والوحي، كما في معجزة القرآن، وقد تكون خارجة عن الرسالة وهدفها مخاطبة المعاصرين لها كمعجزة التطبيب لعيسى عليه السلام أو التغلب على سحرة فرعون في معجزة موسى عليه السلام: فألقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون . فهي معجزات ليست مرتبطة مباشرة برسالة التوراة أو رسالة الإنجيل كما نرى .

والمعجزات على هذا النحو، قد يصدقها الناس وقد يكذبونها، كما أن المعجزة المادية هي حجة دامغة على من يشاهدها ولكنها قد لا تكون حجة دامغة على من لم يشاهدها وقت حدوثها أو بعده بقرون .

وهذا المعنى واضح عندما جاءت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أوضح القرآن أن ناسا ممن سبق قد كذبوا بمعجزات الرسل السابقين . حيث يقول الحق سبحانه: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها . . ويقول: الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، قل قد جاءكم رسل من قبل بالبينات والذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين .

وهكذا أوشك الناس ألا يصدقوا المعجزات الخارقة لنواميس الطبيعة المنظورة، بل أوشكت المعجزات أن تفتح باب الجدل والمراء لدى بعض المجادلين في آيات الله، خاصة من مثل هذه النوعية التي حكى عنها القرآن الكريم فقال: وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا .

معجزات الرسول الخاتم

ولهذا وغيره كانت معجزة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فريدة ومتنوعة، كما كانت معجزة عقلية فكرية إنسانية في الأساس لتقنع كل العقول وكل الناس في كل العصور .

يقول الدكتور علي جمعة في تعدد معجزات النبي: من معجزات الرسول محمد ما كان خرقا لنواميس العادات في الإنسان والحياة، فمن معجزاته نبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام بدعائه، صلى الله عليه وسلم، وكلام الشجر وشهاداته لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة، وحنين جذع الشجرة عندما تركه الرسول، كما أبرأ صلى الله عليه وسلم المرضى وأجاب الله له الدعاء، وعصمه من الفاسدين، وأطلعه الخالق على بعض الغيبيات، فضلا عن معجزة شق الصدر وإخراج علقة هي خطة من الشيطان، كما ورد في بعض الأحاديث، وله قال القرآن: ألم نشرح لك صدرك .

ثم جاءت معجزة المعجزات وهي القرآن الكريم، وهي خصوصية محمدية لرسالة التوحيد، حيث أصبحت المعجزة هي عين الرسالة، وهي معجزة في المنهج، في الحلال والحرام وفهم الإنسان والكون والحياة، وفي عالم الشهادات وفي عالم الغيب، كما أنها معجزة لكل البشر، وفيها معاني التحدي للناس، سواء في عرضه لحقائق الوجود أو في نظمه العقلي واللغوي أو في استلابه لأسماع السامعين أو تجدد إعجازاته في كل عصر، ومع كل قضية . ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء .

إن إعجاز المعجزة هو نفسه إعجاز الرسالة وإعجاز المنهج . هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله .

في دائرة الكفر

* وهل يجوز للمسلم أن ينكر المعجزات؟

- يقول الدكتور علي جمعة: الإيمان بالمعجزة قرين الإيمان بالنبوة، فأنت لا تؤمن بنبوءة زكريا بعيدا عن معجزة الله له ببشارته بيحيى عليه السلام، ولا تؤمن بموسى بعيداً عن معجزته مع السحرة، أو نجاته من الغرق أو معجزته عندما كلمه الله تكليماً من فوق الجبل .

أما إنكار معجزة المعجزات وهو كتاب الله المعجز فهو مما يدخل صاحبه في دائرة الكفر، والأصل في هذا أن المعجزة القرآنية هي وحي الله المعجز لنبيه ليبلغ للناس المنهج، فالإنكار ليس إنكارا للنبوة فقط بل إنكار كذلك للخالق وصدقه عندما بلغ، وإنكار للوحي المبلغ . وقد حاول الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعرف المجادلين بأن جدلهم ليس له، بل جدل في الله ورسالته، يقول الحق: قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا . والقرآن قاطع في هذا حيث يقول: إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقا واعتدنا للكافرين عذابا مهينا، والذين آمنوا بالله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رحيماً .

العبقرية والعصمة والولاية

ويرفض العلماء استخدام كلمات ذات دلالة بعيدا عن مفهوم المعجزة . فالمعجزة مفهوم عقدي يرتبط بالنبوة، فلا يجوز مثلاً أن نشيع لفظ العبقرية عن القرآن بديلاً عن المعجزة، أو نشيع لفظ العبقرية عن رسول الله بديلاً عن النبوة .

إن هذا الوصف قد يكون مقبولا لو قيل في سياق تأكيد جوانب العظمة والإبداع والجلال والجمال في رسول الله وكتاب الله، كما قد يكون مقبولا عندما يجاهر أصحابه بالاعتراف بالنبوة والقرآن كوحي السماء لأهل الأرض على نبي معجز ومعصوم، ولكن لفظ العبقرية غير مقبول عندما يجعله البعض بديلا عن الوحي أو عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم أو يجعله البعض مساوياً في الدلالة لأوصاف البشر أياً كانوا .

ومفهوم المعجزة غير مفهوم العصمة، فالمؤمن يؤمن بعصمة الأنبياء وبلوغهم مستوى الكمال لصلة وحي الله بهم، فهم معصومون من الخطأ في البلاغ عن الله . وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والنبي معصوم من وساوس الشيطان ونزغه . وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله . ومعصوم من فتن الناس والأحداث . والله يعصمك من الناس . إنا كفيناك المستهزئين .

ومن الخطأ أن يخلط البعض بين مفهوم المعجزة على هذا النحو العقدي الإيماني النبوي، ومفهوم الولاية الذي قد يقع في حق بعض الصالحين .

والولاية قد يوصف بها عباد الله من المؤمنين والصالحين في دنيا الناس، والاسم جاء من الاستخدام القرآني في مثل قوله تعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وفي الاستخدام النبوي كما في حديث: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب .

ووقوع بعض الأمور غير المألوفة في حق الأولياء مثلما حدث مع الخضر في خرق السفينة في قصة الكهف . . أو بعض الآثار كما نقل عن بعض الصحابة أو التابعين ومن تبعهم بإحسان، نقول وقوع هذه الكرامات من الأولياء لا يدخل إطلاقا في معنى المعجزات الخاصة بالرسل والأنبياء .

الحق أو الضلال

وواجب المؤمنين كما يؤكد سماحة المفتي السابق أن يحفظوا للمعجزات النبوية قدرها، وأن يدركوا أن المعجزة دليل يخاطب به كل المؤمنين في كل زمان، للتدليل على أن قوانين الكون من صنع رب الكون، وهو القادر على خرق هذه القوانين وتمزيق حجب الغيب .

المسلمون اليوم مطالبون أيضاً بدراسة جوانب الإعجاز في معجزة المعجزات الخالدة، حتى يكشفوا لكل الخلق جوانب الإعجاز القرآني في النفس والبدن، وفي الأسرة والمجتمع وفي القانون والسياسة وفي اللغة وفهم النفس الإنسانية، وفي الأرض والسماء والفضاء والعمران، ويختتم الدكتور علي جمعة حديثه بالقول: أتمنى من بعض المثقفين المجادلين أن يدركوا حدود أفهامهم، وأن يعرفوا دائما أن رب الأسباب فوق كل الأسباب، وأن الله قائم على الكون بقيومته وعلمه وقدرته، وألا يبتعدوا عن الحق الذي هو عين القرآن ومعجزته، لأنه كما قال الخالق: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟