الطريق إلى الجنة ليس مملوءاً بالأشواك كما يتوهم بعض اليائسين من رحمة الله . بل هو مفروش بالورد كما يؤكد العلماء الواصلون، كثير من الأعمال البسيطة تقربنا من جنة الخلد وكثير من السلوكيات الخاطئة تحرمنا من رضا الله وعفوه وجنته، ولذلك واجبنا أن نعلم كل ما يباعد بيننا وبين الجنة، وكل ما يحقق لنا رضا الله وعفوه ويجلب لنا رحمته .
في البداية يوضح لنا العلماء لماذا كانت الدار الآخرة وما فيها من جنة ونار؟ ولماذا كانت الجنة وكانت النار وما حكم الإسلام في من ينكر وجود الجنة والنار؟
يقول الدكتور عبدالمعطي بيومي العميد الأسبق لكلية أصول الدين بالأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية: الإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وثواب وعقاب ركن من أركان الدين وجزء من عقيدة المسلم لا يجوز التخلي عنه أو التشكيك فيه، وقد قال العلماء إن المسلم لا يكون صحيح الإسلام إلا إذا آمن إيماناً راسخاً بأن هذه الحياة بما فيها ومن فيها ستنتهي في الوقت الذي يريده الله وستعقبها حياة أخرى فيها نعيم لمن آمن واتقى وعمل عملاً صالحاً أو فيها شقاء لمن عصى وجحد وارتكب الذنوب واقترف الآثام . . وهذه الحياة الآخرة هي الدائمة والباقية كما أخبرنا خالقنا سبحانه في قوله عز وجل: وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون .
دار الحياة الدائمة
ومعنى الآية الكريمة أن هذه الحياة وما فيها من مسرات وأحزان تشبه في سرعة انقضائها وزوال متعها وشهواتها الأشياء التي يلهو بها الأطفال وقتاً ثم ينفضون عنها . . أما الدار الآخرة فهي دار الحياة الباقية الدائمة التي لا يعقبها موت ولا يعتريها فناء ولا انتهاء، فالمقصود بلفظ الحيوان في الآية الكريمة: الحياة الحقة التي لا زوال معها ولا انتهاء .
ولذا فإن من واجب المسلم كما يقول د .بيومي أن يؤمن إيماناً راسخاً بوجود الجنة والنار باعتبارهما أداتي جزاء وكل من ينكرهما يعرض نفسه للعقاب الإلهي ويكون مصيره مصير الذين أنكروا يوم القيامة والذين توعدهم الخالق عز وجل بقوله: ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون . قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون . أي أن حال المنكرين لليوم الآخر عندما يقفون للحساب سيكون صعبا للغاية ومخزيا لهم حيث سيسألهم خالقهم: أليس هذا الذي تشاهدونه حقاً؟ وهنا لا يملكون إلا أن يجيبوا بقولهم: بلى يا ربنا هذا هو الحق بعينه . . وهنا يحكم الله فيهم بحكمه العادل فيقول: انغمسوا في العذاب بسبب إنكاركم هذا اليوم العصيب وما فيه من ثواب وعقاب .
مبدآ الثواب والعقاب
العالم الكبير الدكتور محمد المسير، رحمه الله، كان قد سئل عن الأسباب التي من أجلها خلق الله الجنة والنار فقال: الجنة والنار دارا جزاء وعقاب ورد بشأنهما الكثير من النصوص القرآنية والنبوية الصحيحة، ولذلك لا يجوز لمسلم أن يشكك أو ينكر أن الله عز وجل قد أعد لعباده الصالحين دار جزاء وأعد لعباده العاصين دار عقاب، لأن التشكيك في ذلك يخرج بالإنسان عن دائرة الإيمان . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث القدسي: يقول الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ذخرا بله ما أطلعكم الله عليه، ثم قرأ صلوات الله وسلامه عليه: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون .
ويوضح الدكتور المسير أن عدالة السماء تفرض مبدأي الثواب والعقاب حتى تستقيم حياة الناس ويقول: لقد جاءت الرسالات الإلهية تدعو الناس إلى الحق والطريق المستقيم، جاءت لترغبهم في عمل الخير وترهبهم وتخوفهم من فعل الشر، جاءت لترغبهم في الجنة ونعيمها وترهبهم من النار وعذابها، وجاء الأنبياء مبشرين ومنذرين، وتلك طبيعة الحياة البشرية في الدنيا والآخرة، فلكي تستقيم النفس البشرية لابد من جزاء، ثواباً كان هذا الجزاء أو عقاباً .
والثواب وحده يجعل الناس تتراخى وتتساهل وتفرط، والعقاب وحده يجعل النفس تتشاءم وتقنط من رحمة الله وتيأس، ولهذا وصف الله تعالى المؤمن بقوله: يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه .
ويقول الدكتور المسير: النصوص القرآنية الصريحة والأحاديث النبوية الصحيحة تخبرنا أن الله عز وجل أعد الجنة ونعيمها لعباده الطائعين لتكون خير جزاء لهم في الآخرة، ونعيم الجنة فوق الوصف ولا يحيط به العقل، ولهذه الجنة أوصاف وأسماء جاءت في القرآن والسنة قد نسمع عنها في هذه الدنيا ونلمسها ولكن الحقائق والمسميات في الآخرة غير ما تعارف عليه البشر . . فالله سبحانه وتعالى يقول: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون، وجاء في الحديث الصحيح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام .
نواميس الجنة
ويضيف الدكتور المسير: الحياة في الجنة لها نواميس أخرى غير المتعارف عليها في الحياة الدنيا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبولون ولكن طعامهم ذلك جشاء كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد كما تلهمون النفس . . وفي حديث آخر صحيح يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ينادي منادٍ إن لكم فيها أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدا: فذلك قوله عز وجل: ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون .
وكل هذا النعيم الذي نعلمه من النصوص الشرعية لا يساوي شيئاً بجوار ما لا نعلم من هذا النعيم، فإن ربنا سبحانه وتعالى يقول في حديثه القدسي: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فهناك وفقاً لهذا الحديث القدسي ألوان وأشكال من النعيم وأصناف من الخيرات لم ترها عين من قبل ولم تسمع بها أذن ولا تخيلها إنسان ولا طرأت على بال أحد أبداً وهذا ما يجعلنا نخشع وندرك عظيم قدرة الله، وجميل صنعه، وكريم فضله، وسابغ رحمته وواسع عطائه، ومصداق ذلك كله من كتاب الله عز وجل: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون . . وقد وردت هذه الآية الكريمة عقب وصف المؤمنين بأوصاف صالحات حيث يتلون كتاب الله بقلوبهم وألسنتهم وأعمالهم، ويتواضعون في سلوكهم، ويتخففون من منامهم، ويناجون ربهم في ليلهم، وينفقون من مال الله على خلق الله . . يقول الحق سبحانه وتعالى: إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون .
ويوضح الدكتور المسير أن الخالق عز وجل وضع حوافز كثيرة لأهل الجنة من أجل ترغيب المسلمين في كل ما يقربهم منها، فالله سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث النبوي الشريف يحتفي بأهل الجنة حيث يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم عن صهيب رضي الله عنه: إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟! قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، وفي رواية: ثم تلا هذه الآية: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة .