في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجه الشباب في العالم العربي اليوم يكاد حلم الزواج يتوارى ويوشك أن يتحول إلى سراب تلهث وراءه الفتاة بعد فوات الأوان . . وبخاصة بعد أن ارتفعت نسبة العنوسة بصورة مخيفة تهدد أمن واستقرار المجتمعات سواء على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي أو حتى على المستوى الأمني حيث أصبح الزواج مشكلة تعجز أمام حلها المعادلات الحسابية لتشكل في النهاية ظاهرة أو كابوسا يهدد ملايين الفتيات في العالم العربي .
تعتبر أرقام وإحصاءات الزواج والطلاق في الدول العربية كفيلة بإبراز حجم المشكلة ومدى المخاوف والهواجس التي تفرض نفسها بقوة، فالإحصاءات الخاصة بعدد العوانس مخيفة، ففي مصر وحدها وصل العدد إلى 9 ملايين عانس وفي الأردن 71 ألفا والكويت نحو 70 ألفا والإمارات 175 ألفا إلى جانب أرقام فلكية أخرى في باقي الدول .
ومما لا شك فيه أن هناك أسبابا عديدة تقف وراء ارتفاع وتفشي هذه الظاهرة . . صحيح أن بعض هذه الأسباب قد يختلف من مجتمع لآخر وبين دولة وأخرى، لكن الغالب الأعم من هذه الأسباب يظل قاسما مشتركا بين مختلف المجتمعات العربية في أغلب الأحيان .
السؤال هو: كيف نواجه شبح العنوسة في عالمنا العربي خاصة أنها في تزايد مستمر؟ وما الأسباب التي أدت إلى تنامي هذه الظاهرة؟ وما الحلول المقترحة لمواجهتها؟
يقول الدكتور محمد نبيل غنايم أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة: لقد خلق الله سبحانه وتعالى الزوجين الذكر والأنثى وشرع الزواج ليلتقي الزوجان ويكونا الأسرة التي هي نواة المجتمع . . وشرع الله تعالى الصداق وهو المهر للمرأة فقال تعالى: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة (النساء: 4) حيث جعل الشارع الحكيم المهر أثراً من آثار العقد الصحيح وجعل هذا المهر حقاً للزوجات على أزواجهن كما نصت الآية الكريمة . . إلا أننا نرى في هذه الأيام عزوف كثير من الشباب عن الزواج بسبب المغالاة في المهور فبدأت تظهر في المجتمعات العربية ظاهرة العنوسة بسبب المشكلات الاقتصادية في معظم الدول العربية .
تعنت أولياء الأمور
ويضيف د . غنايم: إن شبح العنوسة المنتشر والمتزايد منذ سنوات في جميع البلاد العربية والإسلامية ضد منهج الإسلام وتشريعه، ذلك أن التشريع الإسلامي دعا إلى التيسير والتعاون على البر والتقوى ولكن أولياء الأمور غالوا في المهور وتعسفوا في استخدام حقوقهم في الولاية وجروا البنات بهذه التصرفات إلى العنوسة وارتكاب المخالفات الشرعية، فهم مسؤولون عن ذلك بالدرجة الأولى ثم تأتي بعد ذلك مشكلة البطالة التي جعلت الشباب عاجزا عن الزواج، فضلا عن ضرورات الحياة من طعام وكساء وسكن وزواج . . ثم هناك بعد ذلك مشكلات التربية والتعليم التي أبعدت التربية الإسلامية التي كانت تسهم في إعفاف الشباب والفتيات مما جعلهم بدون التربية يقعون في المخالفات الشرعية والأخطاء الأخلاقية ويستغنون بذلك عن الزواج . . ثم هناك أيضا أجهزة الإعلام وشبكة الإنترنت التي تبث على مدار الأربع والعشرين ساعة أفلاما إباحية جعلت عزائم الشباب تفتر عن طلب الزواج أو يستغنون بها عن الزواج أو يقعون بسببها في المخالفات الشرعية والأخلاقية .
لذا لابد من مراجعة كل هذه الأمور حتى نتخلص من مشكلة العنوسة أو نعالجها ولابد من تيسير أمر الزواج والتعاون على التوفيق بين البنين والبنات بأقل ما يمكن كما لابد من إتاحة فرص العمل في شتى المجالات وأمام جميع القادرين على بذل الجهد والعرق للاستفادة من طاقتهم وإعانتهم على الزواج ثم لابد من عودة التربية الدينية الكاملة إلى مناهج التعليم والمعاهد العليا والجامعات لتسهم في إعفاف الشباب والفتيات بالإضافة إلى وجود رقابة كاملة على أجهزة الإعلام والإنترنت وتقديم وجبات دسمة ومتتابعة في الدين والأخلاق .
المشكلة الرئيسية
يقول الدكتور محمد داود أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس: إن المشكلة الرئيسية التي تؤدي لعنوسة الفتيات والشباب هي غلاء المهور رغم أن المهر أو الصداق حق مالي للمرأة على الرجل الذي يتزوجها بعقد زواج صحيح وليس لأبيها ولا لأقرب الناس إليها أن يأخذ شيئا من مهرها إلا بإذنها ورضاها قال تعالى: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة (النساء: 4) . . أي آتوا النساء مهورهن عطاء مفروضا . . والمهر يطيب نفس المرأة وهو دليل على الحب والصدق والرغبة في التعاون والمشاركة في الحياة الزوجية ولكن لم يضع الشرع حدا لأقل المهر وأكثره والمعيار في ذلك قدرة كل رجل واستطاعته، فيجوز للرجل أن يجعل مهر زوجته قنطارا من ذهب . . ولعل هذا ما أشارت إليه الآية الكريمة على وجه الإباحة قال تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (النساء: 20) .
ويضيف: إن الإسلام رغب في تيسير المهور واعتبر أكثر النساء يمنا وبركة أقلهن مهرا، فلا يحسن بالمرأة أو وليها أن يفرض على الراغب في الزواج مهرا كبيرا يعجز عن أدائه وقد أرشد الشرع الحنيف إلى التيسير في المهور ليرغب الشباب في الزواج، فإن النكاح من مقاصد الدين وأهمها تعظيما لما فيه من إحصان الفرج وتكثير النسل وبناء الأسرة التي هي اللبنة الأولى في المجتمع وورد الأمر بالنكاح في كثير من الأحاديث ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج (متفق عليه) وقوله صلى الله عليه وسلم: تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة . . (رواه أحمد) .
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على تيسير الزواج وعدم المغالاة في المهر ففي مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة .
وكان هديه صلى الله عليه وسلم في تزوجه وتزويجه وهدي صحابته رضي الله عنهم تيسير النكاح وتقليل مؤونته ففي البخاري عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: تزوج ولو بخاتم من حديد، وفي النسائي عن ابن عباس أن عليا رضي الله عنه قال: تزوجت فاطمة رضي الله عنها فقلت: يا رسول الله أين بي؟ . . قال: أعطها شيئا . . قلت: ما عندي من شيء . . قال: فأين درعك الحطمية؟ . . قلت: هي عندي . . قال: فأعطها إياها .
ويؤكد د . داود أن في المغالاة في المهور مفاسد ومضار عظيمة منها انتشار العنوسة بين الجنسين ولا يخفى ما في ذلك من نذير شؤم وفساد على المجتمع حيث يتجه الشباب من الجنسين لقضاء شهواتهم بطرق غير مشروعة مضرة بهم وبمجتمعهم وأمتهم كما أن المغالاة في المهور تؤدي إلى تعطيل زواج الشباب وهذا يؤدي إلى انحلال الأخلاق وانتشار الفساد في المجتمع .
ولحرص النبي صلى الله عليه وسلم على تخفيف المهور زوج رجلا بما يحفظه من القرآن، فقد جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني وهبت نفسي لك . فقامت قياما طويلا فقال رجل: يا رسول الله زوجني بها إن لم يكن لك بها حاجة . . فقال صلى الله عليه وسلم: هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ . فقال: ما عندي إلا إزاري هذا . . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك فالتمس شيئا . . فقال: ما أجد شيئا . . فقال: التمس ولو خاتما من حديد . . فالتمس فلم يجد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل معك من القرآن شيء؟ . . قال: نعم سورة كذا وسورة كذا . . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد زوجتكما بما معك من القرآن .
ومن النساء من رضيت بإسلام زوجها مهرا، فعن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة خطب أم سليم رضي الله عنها فقالت: والله ما مثلك يرد ولكنك كافر وأنا مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك فإن تسلم فذلك مهري ولا أسألك غيره . . فأسلم فكان ذلك مهرها .
ويرى د . داود أن الحل يكمن في التوعية الشاملة بكل أشكالها للشاب والفتاة والأسرة من خلال عقد الندوات ووسائل الإعلام ودور المساجد بالإضافة إلى عدم المغالاة في المهور وتقديم التسهيلات للشباب المقبلين على الزواج وكذلك إعطاء حرية الاختيار للجنسين ووضع القوانين لمنع الزواج من أجنبيات تحقيقاً للعدل والمساواة بين الجنسين .
شروط تعسفية
ويقول الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الأوقاف المصرية الأسبق: إن السبب الأول في ظاهرة العنوسة هو غلاء المهور وما يترتب عليه من تقديم شبكة بمبالغ طائلة وإقامة حفل خطوبة أو زفاف للأسرتين في ناد كبير أو فندق خمسة نجوم . . ثم اشتراط أهل العروس قضاء شهر العسل في مكان ما . . وشقة كبيرة المساحة وتأثيثها بأفخم الأثاث وكل ذلك يثقل كاهل العريس فيهرب من الميدان . . وبناء عليه قد تتم الخطبة وعندما يفاجأ بهذه المطالب يولي مدبرا ويتوقف حال البنت لأنها تم فسخ خطوبتها .
الأمر الثاني أن الزواج العرفي أصبح منتشرا بين السيدات المطلقات والأرامل والفتيات اللاتي فاتهن القطار وبنات الجامعات والمدارس لأنه أصبح سهلا جدا حيث لا يكلف الشاب أية أعباء مالية .
لقد حبب الإسلام في تيسير الزواج وحذر الناس من تعطيله بوضع العقبات أمام الشباب المقدمين عليه لما يترتب على ذلك من الفساد كما نبه أولياء أمور البنات أن يتخيروا لبناتهم الشباب الصالح وأن يسارعوا بتزويجه إذا أتاهم خاطبا دون النظر إلى كثرة المال وغلاء المهور لأن أهم ما في الزواج والذي يجب أن يطلبه الأب هو الدين والخلق قبل كل شيء .
ويؤكد أن الإسلام أمر بالمسارعة بتزويج البنات، وجاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم: ثلاث لا يؤخرن: الصلاة إذا حضرت، والدين إذا حل، والأيم إذا حضر كفؤها . . فإذا حضر الكفء فلا ينبغي للأب أن يعوق زواج ابنته حتى يقبض شيئاً أكثر، وكأنها سلعة يساوم عليها، وكلما عقدنا سبيل الزواج وأكثرنا من المعوقات والعقبات يسرنا سبل الحرام وسهلنا انتشار الفساد وأغوينا الشباب بأن يسيروا مع الشيطان وأن يتركوا طريق العفة والحلال .
والحل كما يرى الشيخ عبيد يكمن في صمام الأمن وهو الوازع الديني ويقظة الضمير، فلقد أصبح الدين عند بعض الناس اسما وليس وراءه أي تكليف شرعي ولا يحجبه عن ارتكاب ما يشاء من معاص الأمر الذي يجعلنا نطالب المسؤولين في كل المجتمعات العربية بأن يناقشوا قضية العنوسة بأبعادها الاجتماعية والدينية والنفسية والخروج إلى المجتمعات بتوصيات لابد أن يكون لها نفاذ في الكيان الاجتماعي لنحافظ على الأسر ونضع العلاج الناجع لحل المشكلة .
ظاهرة عالمية
وتقول الدكتورة عزة كريم أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية بالقاهرة: إنصافا للفتاة العربية فإن ظاهرة العنوسة ليست قاصرة على المجتمعات العربية وحدها وإنما هي ظاهرة عالمية، غير أن الغرب الذي يعاني أيضا من ظاهرة العنوسة لا يشعر بحدتها مثل المجتمعات العربية نظرا لأن الزنا عندهم ليس محرما، بل تظل المرأة تعاشر الرجل معاشرة الأزواج سنوات طويلة وقد تنجب سفاحاً، وفي النهاية قد يقرران الزواج أو الانفصال . . بكل بساطة .
أما في بلادنا العربية فإن ارتفاع المهور والمغالاة فيها هو أحد أهم القواسم المشتركة لارتفاع ظاهرة العنوسة فضلا عن التشدد في تحديد مواصفات عش الزوجية والأثاث والتي تفوق قدرة ودخول أغلب الشباب العرب مما يراكم الديون على العريس لسنوات طوال ثمنا للشقة وتأثيثها وللهدايا التي يتوجب عليه تقديمها للعروس من حلي ومجوهرات . . وفي المقابل يدافع أهالي الفتيات عن أنفسهم بأن جميع الأجهزة والأشياء التي كانت تعد سابقا من الكماليات أصبحت اليوم أساسيات وضرورة من ضروريات الزواج التي لا يمكن الاستغناء عنها حتى وإن كان أغلب الناس غير قادرين على توفيرها .
وهكذا أصبح المجتمع العربي يتخبط بين عاداته وتقاليده وبين مفاهيم الحضارة، ومن ثم تحولت مشكلة العنوسة وفقا لهذا الاتجاه إلى مشكلة مادية بحتة نتيجة التغييرات الحادة التي طرأت على تفكير أغلب الناس ونظام الحياة بشكل عام بحيث لم تعد الفتاة نفسها اليوم تحلم بالفارس الذي يحملها على الحصان الأبيض ولم تعد تهتم بقوة شخصية الرجل وإنما أصبح جل اهتمامها منصبا على قدرته على توفير الحياة الكريمة .
وتضيف د . عزة ان البطالة تلعب دورا مكملا فانحسار الوظائف وفرص العمل أمام الشباب أصبح هاجسا يؤرق كل طالب عمل وحتى لو حصل الشاب على فرصة عمل تدر عليه دخلا ثابتا فإنه لا يمكنه من تحمل أعباء الزواج كما يتعذر عليه العثور على مسكن ليتزوج فيه وهكذا يمتنع عن الزواج ما دام غير قادر ماديا .
وتشير إلى أن هناك عوامل أخرى كثيرة ومتعددة تقف وراء ظاهرة العنوسة وأحدها العامل الثقافي، فخروج الفتاة للتعليم الجامعي والعمل واحتكاكها بالشباب ورؤيتها لأنماط مختلفة منهم جعلها مترددة في الاختيار مما أدى إلى عدم الإقدام على الزواج بشكل جدي وبخاصة بعد أن ظنت أغلب الفتيات أنهن يستطعن الحصول على عريس الأحلام مما يؤدي في نهاية المطاف إلى ضياع الوقت وتجاوز الفتاة سن الزواج .
القيم الوافدة
كما يجسد تأثر العديد من الفتيات بالقيم الغربية الوافدة أحد أسباب تفشي ظاهرة العنوسة مثل عدم التزامهن بالاحتشام في ملابسهن ومجاراة الغرب في سلوكهن والاختلاط بين الجنسين في الأماكن العامة والعمل والأسواق وانتشار ظاهرة ما يسمى بالصداقة بين الجنسين والسفور الفاحش المنتشر بين الإناث لأنه غالبا ما ينفر الشباب من الزواج ذلك أن المجتمع يحترم الفتاة المحترمة والشاب عندما يفكر في الزواج فلن يفكر إلا فيمن تحمل اسمه فيما بعد وتستحق هذا الاسم .
وتلعب العادات الاجتماعية البالية دورا بارزا بين أسباب تفشي ظاهرة العنوسة في مجتمعاتنا العربية بزعم الحفاظ على الأنساب وتقويتها وتدعيمها وعلى رأسها ألا تتزوج القبلية من الحضري ولا الشريفة من غير الأشراف ولا تتزوج العربية من أجنبي . . إلى جانب قيام أولياء الأمور بحجز الفتاة إلى ابن عمها أو ابن خالها بحجة أنه أولى بها حتى وإن لم يكن يحمل المؤهلات التي تجعله مناسبا للفتاة . . ومن بين هذه العادات أيضا إصرار الأب أو الأم على ألا تتزوج الفتاة الصغيرة قبل الكبيرة أو أن ابنتهما مازالت صغيرة على الزواج ولم تكمل بعد تعليمها الجامعي .
إن هذه الظاهرة تستدعي علاجاً فوريا قبل فوات الأوان فلا بد من مقاربة شمولية للموضوع، مع ضرورة استحضار البعد الديني في المسألة، فنحن أمة دينها الإسلام الذي يصرف العلاقة بين الجنسين داخل مؤسسة الزواج والذي يحث على التكاثر وينوه بمن يهب جزءا من حياته لتربية أولاده باعتبارهم مستقبل الأمة وكفالة والديه باعتبارهما الأصل .