تميزت المجتمعات الإسلامية برعاية الآباء والأمهات ووضعتهم في مكانة اجتماعية عالية وأحاطتهم بالتوقير والاحترام واعتبرتهم مصدر التوجيه والخبرة على ضوء تعاليم الإسلام التي حثت على حسن رعاية الوالدين والإحسان إليهما فكان الاهتمام بهما سلوكاً دينياً محموداً . إلا أنه نتيجة لقلة الوعي الديني وتغير ظروف الحياة العصرية ضعفت العلاقات العائلية وتغيرت سلوكيات الكثير من الأبناء وأصبح كل منهم يلهث وراء لقمة عيشه ولا يجد وقتاً ليرعى والديه فأهملهما وزج بهما في دار المسنين بل قد يصل به الأمر للحجر عليهما طمعاً في مالهما ليفتقد الناس في هذا العصر مظاهر بر الوالدين حيث أصبح العقوق هو الظاهرة الاجتماعية السائدة .
#187;الخليج#171; ناقشت هذه الظاهرة مع عدد من العلماء لمعرفة أسبابها والحلول المناسبة للحد منها حتى يعود مجتمعنا الإسلامي كسابق عهده من التكافل والترابط والتراحم .
يقول الدكتور عبدالغفار هلال الأستاذ بجامعة الأزهر إن عقوق الوالدين لا يعد كبيرة فقط ولكنه من أكبر الكبائر والله تعالى يقول: #187;وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً#171; . . فمجرد إظهار التأفف يندرج تحت العقوق فما بالك بالنهر أو الإهمال وكلمة #187;عندك#171; في الآية المقصود بها معك وفي رعايتك وفي بيتك وليس في دور المسنين أو أن يترك المسن يعيش بمفرده وينشغل الأولاد عنه بعد أن أفنى عمره في رعايتهم وتربيتهم كما أن الله سبحانه يأمرنا بمصاحبتهما بالمعروف إذا كانا مشركين بالله فما بالنا إذا كانا مسلمين مؤمنين حيث يقول الله عز وجل #187;وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً#171; .
إن ضعف الوازع الديني هو ما جعلنا نتخلى عن آبائنا وأمهاتنا بصورة يندى لها الجبين فلا يجدان من يرعاهما في كبرهما حيث يتركهما أبناؤهما وحيدين أو يزجون بهما في دور المسنين رغم أن من وصل رحمه وصله الله ومن قطعها قطعه والله تعالى يقول في الحديث القدسي #187;إني خلقت الرحم وشققت لها اسمًا من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته#171; وهو ما يوجب على الأبناء التسابق لنيل رضا الله عن طريق نيل رضا الوالدين . . ولعل لنا عبرة في قصة الرجل الذي احتضر ولم يستطع أن ينطق الشهادتين فلما أُخبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بذلك قال: #187;آتوني بأمه#171; فلما جاءت قال: #187;أكنت تأخذين عليه شيئاً؟#171; . . قالت: لا، ولكنه كان يقدم زوجته عليَّ . . فقال لها #187;سامحيه#171; . فقالت: لا . فقال #187;آتوني بنار لنحرقه#171; حينئذ قالت: لا لقد سامحته وعندئذ نطق الشهادتين . . كما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: #187;ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه ومدمن الخمر والمنان عطاءه، وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والديوث ورجلة النساء#171; والديوث هو الذي يقر أهله على الفاحشة مع علمه بهم، ورجلة النساء المتشبهة بالرجال .
فروض عينية
د . أحمد كريمة الأستاذ بجامعة الأزهر يؤكد أن الإسلام جاء ليضع القيم الاجتماعية على أسس راسخة تمثلت في إرساء الحقوق والواجبات وتكريم من لهم على الإنسان ولاية مثل الوالدين لأنهم سبب وجوده في هذه الحياة ومن هنا فإن الشريعة الإسلامية الغراء وضعت الوالدين في مكانة عالية وجعلت لرعايتهما جزاءً كبيراً فجاءت الكثير من التوصيات القرآنية والنبوية التي توضح أن إعطاء الوالدين حقوقهما وواجباتهما يعد بمثابة الفروض العينية على الإنسان فنجد قول الله تعالى #187;واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا#171; وهنا نجد دلالة الاقتران بين عبادة الله الواحد الأحد وبين بر الوالدين والإحسان إليهما . . كما نجد الوصايا التي أوصانا بها الله تعالى في كتابه الحكيم في قوله سبحانه #187;قل تعالوا أتلُ ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا#171; . . أما السنة النبوية الشريفة فتحتوي على الكثير مما يبين فضل الوالدين وأحدها عندما جاء رجل يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم: #187;من أحق الناس بصحبتي يا رسول الله؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أبوك#171; ثم تأتي قمة التكريم عندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: #187;الجنة تحت أقدام الأمهات#171; فلم يجعلها النبي في هذا الحديث الشريف تحت أقدام نبي أو ولي أو عالم ولكن اختص بها الأم . . وما أروع قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: #187;عجباً لمن أدرك والديه ولم يدخل الجنة#171; وفي هذا دلالة كبيرة على مكانة وفضل الوالدين .
الجزاء من جنس العمل
ويشير الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق إلى أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم جعل رعاية الوالدين الكبيرين مقدمة وسابقة على الجهاد في سبيل الله وذلك عندما جاء رجل إلى الرسول الكريم يستأذنه في الجهاد فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: #187;ألك والدان؟#171; قال نعم، فقال #187;ففيهما جاهد#171; . . وقد عدّ الله سبحانه وتعالى أن بر الوالدين والإحسان إليهما من أعظم القربات إليه عز وجل، فواجب المسلم أن يبر والديه فينعم برضائهما حتى يكرمه الله بالذرية الصالحة فقد أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم أن الجزاء من جنس العمل فقال #187;بروا آباءكم يبركم أبناؤكم#171; أي كما يكون تعامل الإنسان مع والديه في كبرهما سيكون تعامل أولاده معه . . بل إن الإسلام حث على رعاية الأبوين الكبيرين حتى لو لم يكونا مسلمين ومثل ذلك السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قدمت عليها أمها وهي مشركة وقالت: إن أمي قدمت وهي راغبة فهل أصلها؟ فرد الرسول الكريم: #187;نعم صلي أمك#171; .
ويوضح لنا عدد من الآيات القرآنية أن بر الوالدين يأتي بعد عبادة الله عز وجل مثل قوله جل شأنه #187;ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير#171; فالإسلام فرض على المسلم أن يرعى أبويه المسنين وأباح للوالدين أن يأخذا من مال أولادهما، فعلى الأبناء أن يسعوا على رعاية الآباء بكل ما يملكون من معاملة حسنة ومال .
ويضيف الشيخ عاشور: إن أقسى ما يؤلم أحد الوالدين أن تمتهن كرامته في كبره عند أرذل العمر على يد أولاده وأقاربه وساعتها يشعر بأنه لا قيمة لحياته أو رأيه فيفضل الموت على العيش ذليلاً . ويؤكد أن هناك جانباً آخر من القضية هو تقصير هؤلاء الآباء أنفسهم في تربية أبنائهم حتى تسببوا في أن يعقوهم، فيصبح هنا الأمر معكوساً حيث نجد أن الأب يعق ابنه قبل أن يعقه، بإساءة التربية وزرع حب المصالح الدنيوية في قلبه وتعليتها على كل شيء وإبعاده عن القيم الدينية وعدم الالتزام الأخلاقي فنجد أن الابن عندما يكبر وتتعارض مصالحه مع مصالح والديه يقدم مصلحته كما علمه أبواه .
المشهد الغائب
وتقول الدكتورة آمنة نصير الأستاذة بجامعة الأزهر: إن ظاهرة عقوق الأبناء في الآونة الأخيرة أصبحت ظاهرة مؤلمة نظراً لما يتعرض له الوالدان من جحود من أقرب الناس إليهما فبعد أن كنا نرى في الماضي الجد والجدة يعيشان وسط الأسرة ويقوم الأب والأم والأحفاد على خدمتهما وتقبيل أيديهما غاب هذا المشهد عن حياتنا المعاصرة ليحل محله الإهمال والجحودف وعندما تأخذهم الرحمة بعجائزهم يودعونهم دور المسنين التي يلتزم بعضها بالعطف عليهم وتأدية دورها الإنساني كما هو مفترض بينما يلتفت البعض الآخر للمكاسب المادية فقط . . ولذا قلت البركة وحل التفكك الأسري والانهيار الأخلاقي في المجتمع نتيجة لعدم وجود القدوة والمثل الأعلى . وتضيف: إن العلاقة بين الأبناء والآباء يجب أن تكون قائمة على الإحسان وهذا يتضح من قول الله تعالى #187;إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى#171; ولقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما حق الوالدين على ولدهما؟ فقال: #187;هما جنتك ونارك#171; وهذا توجيه من نبي الرحمة يوضح أن رعاية الأبوين تعد طريقاً للجنة . . فوجود المسن داخل الأسرة مع أولاده وأحفاده يشعره بالراحة النفسية وأن حياته لها معنى إلى جانب أن ذلك يشكل قدوة ومثلاً أعلى في التضحية والوفاء والبر ورد الجميل عما قدمه في مسيرة حياته .
واجب شرعي
الشيخ فؤاد عبدالعظيم وكيل وزارة الأوقاف يؤكد أن الإسلام جعل رعاية الآباء والأمهات والأجداد والجدات واجباً شرعياً يعاقب عليه الإنسان في الدنيا والآخرة إذا لم يفعل ويثب عليه في حالة الإحسان إليهم . . ولقد نهى الله عز وجل عن قطع الأرحام في قوله تعالى #187;فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم#171; . .وقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلة الأرحام لأنها تطيل العمر وتوسع الرزق وتؤلف المحبة بين الأهل والأقارب حيث قال صلى الله عليه وسلم #187;من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه#171; .
ويدعو الشيخ فؤاد الآباء لتوريث الصفات الحميدة لأبنائهم بالتأسي بالسنة النبوية المطهرة التي تحفل بالكثير من الأحاديث التي تحث على صلة الأرحام فنجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على المبادرة بصلة الأرحام فقال #187; . . وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام . .#171; كما قال صلى الله عليه وسلم: #187;ليس الواصل بالمكافئ إنما الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها#171; .
ونرى في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم #187;كل الذنوب يؤخر الله منها ما يشاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة الدنيا#171; إن العقاب يبدأ من الدنيا حيث نجد أن البركة تنزع من حياة العاق ويمضي عمره من دون نتيجة لأن الله لا يبارك له في وقته ويعامله أولاده كما كان يتعامل مع والديه والتاريخ يسطر لنا الكثير من الأحداث لأشخاص عقوا والديهم بالقول والفعل فوقع عليهم الفعل ذاته من أبنائهم كما أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم #187;إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له#171; يبين لنا أن الدعاء للوالدين والاستغفار لهما بعد وفاتهما يعد من الطاعات المحمودة فما بالنا وهما على قيد الحياة؟
مشكلة مخجلة
د . عزة كريم أستاذة علم الاجتماع في مركز البحوث والدراسات الاجتماعية تلفت إلى أن التكافل كان أمراً دينياً يقي المجتمع من عادات كثيرة تصيبه هذه الأيام إلا أن نمط الحياة المدنية الحديثة وانهيار نموذج بيت العائلة والإعلام الذي يؤكد هذا المعنى كل ذلك أسهم في إيجاد مشكلة عقوق الأبناء فأصبحنا نرى حالات كثيرة لا مأوى ولا نصير ولا سند لها سوى دور المسنين حيث يطرد الأبناء العاقون آباءهم دون وازع من دين أو ضمير وهؤلاء ينبغي أن نتصدى لهم بحزم فعلى المسن ألا يضعف في مواجهة هؤلاء العاقين بل ينبغي عليه أن يتماسك ويعيد ترتيب أوراقه وألا يترك مكانه كي لا يشعر بالعجز أو الندم مدى حياته الباقية .
وترجع د .عزة سبب المشكلة إلى الأب والأم اللذين لا يريدان لابنتهما إلا مسكناً خاصاً لها ولا يحضانها على حسن مصاحبة حميها أو حماتها بالإضافة إلى أن ضعف الوازع الديني وسيادة النمط المادي ساهمتا في وجود النزعة الأنانية التي تجعل كل إنسان لا يفكر إلا في نفسه مما أدى إلى انتشار هذه المشكلة المخجلة .