تتزايد صعوبة توثيق أواصر العلاقة بين الأهل والأبناء في عصرنا الذي يزداد سرعة يوماً بعد يوم، فغابت بعض العادات والتقاليد التي كانت عنواناً يلتف حوله أفراد العائلة مثل، مائدة الطعام التي كانت في الماضي فرصة للالتقاء وتعزيز صلة الرحم . اليوم، نادراً ما نشاهد عائلات تجتمع بأبنائها على مائدة واحدة، التي يعتبرها خبراء علم الاجتماع والأسرة من أولويات الحياة العائلية، نظراً لما لها من فوائد اجتماعية وصحية، وجسدية، ونفسية، على أفرادها، ولاسيما في مرحلة الطفولة . حيث قال باحثون أمريكيون من جامعة مينيسوتا إن اجتماع أفراد العائلة لتناول وجبات الطعام بشكل منتظم خلال أيام الأسبوع، من شأنه أن يحسن العادات الغذائية عند الأبناء المراهقين، في السطور التالية نقرأ الأسباب التي غيرت قيمة المائدة في بيوتنا .
يقول سيد شريف علوان، موظف في مؤسسة الواحة العقارية بدبي: إن الاجتماع على مائدة الطعام سبب للبركة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه، كما أنها فرصة للأبناء والآباء للتعرف إلى بعضهم بعضاً، حيث إن الطفل أو المراهق عندما يعيش مع والديه في جلسة ويتحدث على سجيته وطبيعته، يكتشف الوالدان الكثير من جوانب شخصيته وبالمثل هو يكتشف جوانب من شخصية والديه .والاجتماع حول المائدة فرصة تزيل الكثير من الأنانية التي يمكن أن يتربى عليها الأطفال، فعندما تكون هناك فاكهة قد يعمد الابن إلى أن يتركها لوالده، أي أن هناك قيما جماعية يمكن أن يتعلمها من خلال هذا الجو الجماعي الذي يعيشه على مائدة الطعام .
ويؤكد، معتز الرئيسي، مبرمج تقنيات بالشارقة أن الرغبة في الاجتماع مع العائلة حول مائدة الطعام أمر عائلي مفروغ منه بالنسبة إلى أسرته، ولكن هذه الضرورة يعيقها بعض الأحيان ظروف عمله وغيابه الطويل عن المنزل، مشيراً إلى أنه يحاول تعويض هذا الغياب في أيام العطل الأسبوعية أو أوقات الفراغ للخروج مع أبنائه لتناول العشاء في مطعم، ولكنه لا يشعر بذات الإحساس الذي ينتابه عند التحلق حول مائدة المنزل .
ويقول وائل الأشقر، مدير مركز مبيعات في الشارقة: التأخر عن البيت من أهم المعوقات التي تمنع الآباء من الاجتماع بأبنائهم حول مائدة واحدة، ففي الأغلب أعود من عملي بعد الساعة 6 مساء، ومن غير المعقول أن أترك أبنائي وزوجتي ينتظرونني كي نجلس معاً ولا سيما أن أبنائي جميعهم في المدارس الابتدائية ويحتاجون لتناول الغداء في وقت مبكر .
يزن الوراق، طالب جامعي في عجمان يقول: الاجتماع الأسبوعي للأسرة حول مائدة الغداء أحد الموروثات الاجتماعية عن الأجداد ويحرص عليها كل أفراد العائلة من دون أي تململ، وأسعد اللحظات نقضيها في هذه الأجواء الأسرية حيث يلقي الجميع فرصة للاستماع إلى الآخر أو التخطيط لرحلة جماعية، كما أن حضور شباب العائلة فرصة جيدة لزيادة الألفة والترابط بين الأجيال . ويوضح أنهم في كل أسبوع يجتمعون في بيت أحد الإخوة أو الأخوات من دون تحضير أو تمييز .
وترى كنانة هنائي، ربة منزل، أن الوجبات السريعة أثرت في عادة اجتماع العائلة، وتقول: الأبناء أو الزوج عندما يعودون للمنزل ولا يكون الغداء جاهزاً يبدأ الكل بالتذمر والضيق، ويخرج كل واحد وجبة سريعة من البراد أو يطلبها على الفور من المطعم المجاور للمنزل، وعندما تتجهز المائدة يكون الكل شبع، فأجلس وحدي على المائدة . والسرعة التي انصبغت بها مختلف أوجه حياتنا من أكثر الأشياء التي أفقدت أسرنا متعة التواصل والاجتماع، فقبل عدة سنوات لم يكن أحد من أبنائي يفوت فرصة اللقاء على الغداء .
سالي أحمد، طالبة في جامعة عجمان، تقول: لا يمكن أن أفرط في الأوقات التي تجمعني بإخوتي حول مائدة الغداء، وبالنسبة إلي تناول الطعام حول مائدة واحدة يتعدى كونه يوفر نظاماً اجتماعياً أو غذائياً للأسرة، فهو أيضاً دليل على أن أفراد العائلة متحابون ويحتاجون إلى بعضهم بعضاً .
ويقول وسام محمد، موظف في دبي: بالرغم من أنني أعمل في دبي وأسكن في الشارقة، أحرص على الوجود في المنزل أثناء الغداء، قمت من أجل ذلك بتقسيم وقت عملي لفترتين ليتوفر لي الوقت الكافي للذهاب والعودة للعمل . وبالرغم من تقديري لأهمية الالتفاف حول مائدة واحدة، إلا أن أبنائي ليس لديهم الرغبة نفسها، ففي الصباح أخرج مبكراً ولا التقي بهم أثناء وجبة الإفطار وفي وقت الغداء أعود للمنزل بينما بعضهم لا يزال في الجامعة وفي المساء يفضلون قضاء وقت العشاء خارجاً مع أصدقائهم، وهذه الفوضوية أفقدت الأسرة الكثير من التواصل والتقدير والاحترام .
يقول راشد الشحي، رب أسرة له 4 أبناء و7 أحفاد: إن الاجتماع على مائدة الطعام بات صورة من الماضي الذي أسهم التطور الاجتماعي والاقتصادي في بتر ملامحها من منازلنا، وحتى العائلات التي ما زالت تحرص على هذه العادة الحميدة لم يعد بمقدورها الاجتماع بأفرادها إلا يومي الخميس والجمعة .
وأضاف الشحي أن العائلة كانت في السابق تجتمع على المائدة على صحن كبير واحد، وكان الأب أو الجد هو من يقطع ويوزع الأكل واللحم على أبنائه . وعن الفوائد التي تحصدها العائلة من الجلوس حول مائدة واحدة قال: كان الأبناء خصوصاً الأطفال دائماً يتلقون التعليمات والنصائح على مائدة الطعام وهي فرصة حرم مها جيل اليوم .
ويرجع الاختصاصي والمرشد النفسي خالد بالحيف، قلة اجتماع العائلة على مائدة الطعام إلى تفاوت أوقات الخروج من الدوام، وإقامة الشاب في سكن بعيد عن الأهل والعائلة، أو تأخر تحضير الأكل في الأوقات المخصصة له إذا كانت الأم عاملة . ويقول: عندما يجرد تناول الطعام من معانيه الرمزية والعائلية فإن الإنسان يخضع لاضطرابات غذائية مثل البوليميا، يزيد خطورتها الشعور بالوحدة وغياب المرجع الأبوي في العائلة خصوصاً عند العاملين، فالوجبة العائلية بمعنى التكوين النفسي تطمئن المراهق والطفل وتترك انطباعاً جيداً عند كل منهما بأن والديه حاضران وانهما مرجع لهما وإن كانا لا يمضيان الكثير من الوقت معهما . ويضيف: الجلوس إلى المائدة العائلية يرمز إلى أكثر من ملء المعدة، وهو يتيح المجال للحوار وملء الفراغ العاطفي، فكثيراً ما يبعث الأبناء أثناء الجلوس إلى مائدة الطعام مع ذويهم برسائل مبطنة وإن كانت تظهر على شكل مزاح، كما أن الجلوس مع الوالدين إلى مائدة الطعام يعلم الأبناء آداب السلوك، مثل الإنصات إلى الآخر أثناء تحدثه وتناول الطعام بشكل لبق . ويؤكد أن التفاف الأسرة حول مائدة واحدة هو تقليد عائلي بامتياز وله أثر إيجابي في تطور اللغة عند الطفل، وتقوية الروابط العائلية .