منذ أن وجد الرجل والمرأة على ظهر الأرض، وجد الاختلاط بين الجنسين، بمعنى أن أخت قابيل لم تكن تعيش في معزل عن أخيها هابيل، والأخت في ذلك الوقت إذا لم تكن توأمة الأخ، لم تكن تعد من المحارم، ومن ثم فإن الأخ الذي هو من بطن آخر يحق له أن يتزوجها، وفيما بعد ظلت المرأة عموماً تعمل بجانب الرجل في الحقول والمصانع والبيوت .

لكن اختلاط اليوم يختلف عن اختلاط الأمس تماماً، والعلة واضحة تمام الوضوح، لأن الناس في الماضي كانت البراءة تحكمهم، والغرائز لم تكن ملتهبة فيهم مثلما نرى اليوم، حيث إن المغريات على أشدها من كل صوب .

وكانت القيم والمثل العليا تحكم الناس أكثر من يومنا هذا، حيث إن الانفلات سيد الموقف، ولا قيم تذكر سوى عبادة الشهوة العارمة، والتبجح بكل كلمة تحلو لك أن تقولها لتثير في النفس مكامنها .

نعم . . واليوم أصبحت العورة محل مساومات في مزادات علنية إذا أرادوا أن يختاروا ملكات جمال العالم، أو أرادوا أن يروجوا سلعة كسدت سوقها، وفي المقابل لا تتورع أي امرأة أن تعرض الأغلى إذا دفعوا لها الثمن الأغلى، إلا من عصمها الله طبعاً .

إن الاختلاط اليوم أخذ شكلاً إباحياً، ليس الهدف منه العمل بقاعدة: الضرورات تبيح المحظورات بدليل أن الأسواق تعج بآلاف الفتيان والفتيات الذين جاؤوا إلى هذه الأسواق لا لقضاء حاجات ضرورية، بل للمغازلة والمعاكسة وتوزيع أرقام الهواتف على بائعات الهوى .

والاختلاط في قاعات الدرس ومكاتب العمل، إذا كان الهدف منه أخذ العلم، وتبادل الخبرات، فإنه يكون مقبولاً إذا التزم كل منا حدود الاحتشام، ولكن عندما نرى المشروع أصلاً يتحول إلى ما هو غير مشروع أصلاً، فإنه يكون كما يقول الشاعر:

نظرة فابتسامة فسلام

فكلام فموعد فلقاء

وهنا يتغير حكمنا على الاختلاط الذي انحرف عن طريق الصواب إلى طريق الخطأ، وعندئذ يحق لنا العود إلى القاعدة التي تقول: ما أدى إلى الحرام فهو حرام، أو الأصل بقاء ما كان على ما كان .

ألا ترى أن السكين في الأصل آلة تستخدم في أشياء مباحة، ومن ثم يجوز أن تباع في كل مكان ولأي إنسان، ولكن إذا وجدنا أنها تستخدم في قتل الناس، فإن حكمها حكم المسدس الذي لا يباع إلا بترخيص من الدولة .

ثم إذا كان الاختلاط مشروعاً، فهل يعني ذلك أن تخرج المرأة إلى السوق وإلى قاعات الدرس ومكاتب العمل بثياب النوم، وتبدو في كامل زينتها كأنها تزف إلى زوجها ليلة عرسها؟

لا أعتقد أن المنطق السليم يعتبر هذا نوعاً من الحريات الشخصية التي ينبغي لكل منا أن يمارسها، ومعلوم أن المتبرجة عندما تخرج بكامل إغراءاتها تثير غرائز الآخرين من حولها، وعندئذ تكون قد اعتدت على حرية الآخرين، مع العلم أنها مطالبة بأن تحترم حرية الآخرين إذا أرادت من الناس أن يحترموا حريتها.