علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الصوم ليس طقوساً دينية يؤديها المسلم من دون هدف لمجرد تحقيق المطلب الديني، بل هو فريضة هدفها الأسمى تهذيب سلوك الإنسان والارتقاء بأخلاقياته، وتحسين علاقاته بكل من يتعامل معهم، فالصيام الذي يدخل صاحبه الجنة هو الصوم المقبول الخالي من الرياء، فلا يكون الصائم كامل الصوم مقبولاً عند ربه سبحانه وتعالى إلا إذا صام صوماً حقيقياً تاماً، بأن كف جوارحه وشهواته وامتنع عن المفطرات وعن المعاصي، ما ظهر منها وما بطن، وامتنع عن الزور وعن العمل به .
يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه .
والمراد بقول الزور: الكذب . . ولذلك قال العلماء: الذي يكف عن الطعام والشراب فيجوع ويعطش ولكنه لا يكف نفسه عن الغيبة أو الزور أو العمل به ولا يحفظ جوارحه عن الآثام، أو يصوم ويفطر على الحرام، أو على لحوم الناس بالغيبة ونحوها، هذا الإنسان لا يجني من صيامه إلا الجوع والعطش، كما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش .
وفي حديث آخر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان وعرف حدوده، وتحفظ مما ينبغي له أن يتحفظ منه كفر ما قبله .
والصيام بهذا المعنى يكون كاملاً مقبولاً ويتكفل الله سبحانه وتعالى بجزاء الصائمين كما جاء في الحديث كل عمل بن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به .
إن الصيام كما علمنا رسولنا الكريم أمانة يجب على المؤمن أن يؤديها على أكمل وجه وأتمه، وأن يصون صيامه من كل ما يبطله أو ينقص ثوابه، وأن يتحاشى قول الزور والعمل به، وأن يتخلى عن الرذائل ويتحلى بالفضائل ليستحق أن يتكفل الله بجزائه، وأن يثمر صيامه أعظم الثمرات .
يقول الداعية الدكتور أحمد عمر هاشم، أستاذ السنة النبوية، عضو مجمع البحوث الإسلامية: لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الصوم عبادة يجب على الإنسان أن يؤديها طائعاً مختاراً قانعاً بفوائدها ومنافعها العديدة، فالله، سبحانه وتعالى، لم يفرض على عباده ما يضرهم أو يفسد عليهم حياتهم، ولو أمعنا النظر في فرائض الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج لوجدناها تحمل الخير الكثير للإنسان في دنياه وأخراه .
والصوم الذي علمنا رسول الله كيفيته وشرح لنا أخلاقياته عمل إيجابي في حقيقته وروحه، وإن بدا سلبياً في مظهره، إذ هو كف النفس عما تشتهيه بنية التقرب إلى الله تعالى، فهو بهذا عمل نفسي إرادي له ثقله في ميزان الحق والخير والقبول عند الله .
لقد فرض الله الصيام ليتحرر الإنسان من سلطان غرائزه، وينطلق من سجن جسده، ويتغلب على نزعات شهوته ويتحكم في مظاهر حيوانيته، ويتشبه بالملائكة، فليس عجيباً أن ترتقي روح الصائم، ويقترب من الملأ الأعلى، ويقرع أبواب السماء بدعائه فتفتح، ويدعو ربه فيستجيب له، ويناديه فيقول: لبيك عبدي لبيك، وفي هذا المعنى يقول النبي، صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم .
النبي القدوة
الدكتور علي جمعة، مفتي مصر، يحدثنا عن الآداب والأخلاقيات التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودربنا عليها عملياً في رمضان فيقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربط القول بالعمل، وكانت تتجسد في سلوكياته قيم وأخلاقيات الإسلام، حيث كانت سلوكياته متناسقة مع الحكمة من صيام رمضان، فيبتعد عن الخصام والشقاق وقطع صلة الأرحام، ويلزم نفسه الطريق المستقيم الذي ينتهي به إلى إرضاء الله، عز وجل، وكل من يفعل ذلك طائعاً مختاراً يكون جزاؤه عند الله تعالى قبول صيامه والحصول على ثوابه .
لقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلم أن يوجه سلوكه كله في رمضان، وفي غير رمضان إلى فعل الخير والبعد عن الشر . . بمعنى أن تكون أقواله وأعماله كلها تتفق مع ما جاءت به الشريعة الإسلامية من التسامح والتواضع وحب الخير لكل الناس وبذل الجهد والعطاء .
وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فريضة الصوم لها أهدافها العظيمة في حياة المسلم وعليه أن يدرك الحكم والأسرار التي فرضت من أجلها هذه الفريضة، فالصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب وحرمان الإنسان من شهوتي البطن والفرج، فالله سبحانه وتعالى لا يستمتع بتعذيب عباده .
فالصوم فريضة شرعها الله سبحانه ليتحرر الإنسان من سلطان غرائزه، وينطلق من سجن جسده، ويتغلب على نزعات شهوته، ويتحكم في مظاهر حيوانيته، ويتشبه بالملائكة، فليس عجيباً أن ترتقي روح الصائم ويقترب من الملأ الأعلى ويقرع أبواب السماء بدعائه فتفتح ويدعو ربه فيستجيب له ويناديه فيقول: لبيك عبدي لبيك، وفي هذا المعنى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم .
كمال العبودية لله
وفي الصوم كما علمنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم تقوية للإرادة، وتربية على الصبر، فالصائم يجوع، وأمامه شهي الغذاء، ويعطش وبين يديه بارد الماء، ويعف وبجانبه زوجته لا رقيب عليه في ذلك إلا ربه، ولا سلطان إلا ضميره، ولا يسنده إلا إرادته القوية الواعية، يتكرر ذلك نحو خمس عشرة ساعة أو أكثر في كل يوم . فأي مدرسة تقوم بتربية الإرادة الإنسانية وتعليم الصبر الجميل، كمدرسة الصوم التي يفتتحها الإسلام إجبارياً للمسلمين في رمضان، وتطوعاً في غير رمضان؟ ومن أسرار الصيام الاجتماعية التي تعلمناها من توجيهات رسولنا الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، أنه تذكير عملي بجوع الجائعين وبؤس البائسين، تذكير بغير خطبة بليغة ولا لسان فصيح، تذكير يسمعه الصائم من صوت المعدة، ونداء الأمعاء، فالذي نبت في أحضان النعمة ولم يعرف طعم الجوع، ولم يذق مرارة العطش قد يظن أن الناس كلهم مثله، لكن الصوم ينبهه إلى حقيقة مهمة وهي أن كثيرا من الناس يجوعون ويعطشون ولا يجدون ما يتناولونه من طعام أو شراب .
وإلى جانب كل ذلك يصوم المسلم لأن في الصوم تمام التسليم لله وكمال العبودية لرب الناس ملك الناس إله الناس، وهذه الحكمة هي القدر المشترك في كل عباده، والهدف الأسمى من كل فريضة، ولن تكون العبادة عبادة ولا العبد عبداً إلا بها، وما أظهر هذا التسليم والعبودية في الصوم خاصة، فالصائم يجوع ويعطش وأسباب الغذاء والري أمامه ميسرة لولا حب الله والرغبة في رضاه، وإيثار ما عنده، ولهذا نسب الله الصيام إلى نفسه وتولى جزاء الصائمين بنفسه، فقال: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه من أجلي، ويدع شرابه من أجلي، ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي .