يتناسى الذين يتحدثون عن موت الشعر في جملة ما يتناسونه أن المنظومة التخييلية التي يتحدد بوساطتها الشعر، لا يقتصر وجودها على هذا الفن وحده، بل هي موجودة في قلب النثر نفسه، بل وفي قلب اللغة برمتها . صحيح أن الشعر، بحسب بابلو نيرودا في الفيلم السينمائي الشهير ساعي البريد، يعتمد أكثر من فنون القول الأخرى على الاستعارة، ولكن اللغة في الأساس، وحتى تلك التي نستخدمها في حياتنا اليومية، تكتظ بأشكال مختلفة من الاستعارات والكنايات والتوريات . لكن الشيوع والتداول الدائم على ألسنة الجماعة هما ما يكسبان الاستعارات المستخدمة مألوفيتها بحيث تبدو كلاماً عادياً وخالياً من أي لمسة بيانية أو بديعية، ولعل عبارة شائعة من نوع لا يشق له غبار التي تبدو الآن من سقط القول، متوافرة كانت لدى استخداماتها المبكرة قبل مئات الأعوام، عبارة جديدة وطازجة وغنية بدلالاتها المجازية والمشهدية .

ولعلنا لا نحتاج إلى جهد كبير لكي نتيقن مرة أخرى من أن اللغة اليومية التي نستخدمها هي ثمرة الزواج الشرعي بين الواقعي والمجازي، وبين الحسي والتأويلي بدءاً من الأوصاف والنعوت المتداولة، ووصولاً إلى الحكم والأمثال وما سوى ذلك، وسواء كان المستخدم للتعابير مثقفاً أو أمياً أو متوسط الثقافة، فهو لا ينتبه بأي حال إلى أن ما يمنعه من ملاحظة السمة المجازية لأقواله وتعبيراته هو الألفة اليومية القائمة بينه وبين اللغة بحيث يبدو الدال مطابقاً لمدلوله الأصلي حتى ولو كان الواقع خلاف ذلك . يكفي أن نستعيد في هذا السياق بعض العبارات المتداولة لكي نتأكد من هذا الزعم، فالناس يصفون فلاناً بأن يده طويلة ليس لأنها طويلة بالفعل بل دلالة على السرقة والاختلاس وهو ما يقع تحت باب الكناية . وكذلك الأمر في عبارة نفسه خضراء التي تدل على الشهوة وحب الحياة والتي تقع في الوقت نفسه ضمن نطاق الاستعارة . وكذلك عبارة قلبه أبيض للدلالة على نقاء السريرة وحائطه واطئ للدلالة على الضعف والاستكانة .

في كتابهما اللافت الاستعارات التي نحيا بها يشير المؤلفان جورج لايكوف ومارك جونسن إلى كون الاستعارة تمثل بالنسبة إلى الناس العاديين أمراً مرتبطاً بالخيال الشعري من دون سواه، أو بالزخرف البلاغي البعيد عن الحاجات الفعلية واليومية للسواد الأعظم من البشر، إضافة إلى ذلك يشير المؤلفان إلى أن الكثيرين يعتقدون أن الاستعارة هي مجرد خاصية تتعلق بالألفاظ لا بالتفكير والأنشطة الحياتية . إلا أن المؤلفين يثبتان على امتداد الكتاب أن الاستعارة تتعدى كونها ترفاً جمالياً أو نشاطاً بلاغياً محضاً لتصبح حاجة أولية حاضرة في كل مجالات العيش ومتصلة بالنسق التصوري العادي الذي يحكم التعبير والسلوك الإنسانيين .

ولكي يثبت المؤلفان فرضيتهما يقدمان العديد من الأدلة والقرائن المنتزعة من كلام الناس اليومي التي تؤكد الطبيعة الاستعارية لمعظم أحاديثنا الشفوية أو نصوصنا المكتوبة، فالتعابير التي تستخدم لتوصيف الجدال الكلامي بين طرفين متباينين في الرأي والموقف هي معظمها، بحسب المؤلفين، منتزعة من القاموس الحربي بما يحوّل السجال إلى نوع من المبارزة أو الحرب الرمزية . ويستعرض الكاتبان بعض الجمل المستخدمة من مثل لا يمكن أن ندافع عن ادعاءاتك ولقد هدمت حجته ولقد هاجم كل نقاط القوة في استدلالي وإذا اتخذت هذه الاستراتيجية ستنهار تماماً، لكي يخلصا إلى تأكيد الطبيعة الاستعارية للكلمات كما للمفاهيم . لا بل يذهب المؤلفان أبعد من ذلك معتبرين أن النسق الاستعاري الغربي يعبر عن نظام القيم السائدة في عالم اليوم بحيث يتم توظيف كل شيء وحتى الزمن نفسه في خدمة الربح وتحصيل المال، لذلك فإن النسق الاستعاري الراهن يتعامل مع الزمن بوصفه أداة للربح أو الخسارة الماديين، كقول بعضهم: لقد نفد رصيدي الزمني أو أنت لا تشغل وقتك أو كلفني إصلاح العجلة ساعة كاملة أو لقد ربحت ساعتين من الوقت، وغير ذلك من الاستعارات التي لا ننتبه إلى وجودها في الأصل . ولعل هذا الربط بين الزمن والمال يمثله خير تمثيل قول أحد الشعراء الناقمين على حياة الموظفين الرتيبة: إذا ما أطل الشهر أبغي زواله/ لكي أتقاضى راتبي آخر الشهرِ/ كأني أبيع العمر فيما أناله/ فيا بئس عيش بعتُ من أجله عمري .