عبادة الاستغفار، أن يسأل العبد ربّه مغفرة ذنوبه، وأن يسأله الستر على عثراته، والتجاوز عن آثامه وعدم المؤاخذة بها، وهي دواء لكل ذنب، وعلاج لكل آثار الخطايا، وإذا أردت تكفير السيئات وزيادة الحسنات ورفع الدرجات فعليك بالاستغفار، فهو الطريق إلى تبييض صفحة المسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن تسرّه صحيفته يوم القيامة فليكثر فيها من الاستغفار)، وعند ابن ماجه بسند صحيح وعند النسائي بسند صحيح أيضاً عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً).
الاستغفار، هو منهج الأنبياء الأخيار، ومسلك الرسل الأبرار، عملوا به وأمروا به أقوامهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحثنا على أن نستغفر ربنا ونكثر من الاستغفار، وكان يقول: (يا أيها الناس استغفروا ربكم وتوبوا إليه فإني أستغفر الله وأتوب إليه في كل يوم مئة مرة أو أكثر من مئة مرة).
وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مئة مرة: رب اغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التواب الرحيم).
أقل الناس وزراً
وكثيرة هي المرويات والأحاديث الشريفة التي تحضنا على الاستغفار، منها - على سبيل المثال - ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «إني كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني به، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإنه حدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون)».
المستغفرون هم أقل الناس وزراً يوم القيامة وأقلهم حملاً وأكثرهم حسنات، ومهما كثرت صحائفنا بالذنب، فأمامنا أبواب مفتوحة في كل ساعة من نهار وفي كل ساعة من ليل نلتمس فيها باباً ربانياً مفتوحاً على المغفرة، وعفواً مضموناً إذا ما أخلصنا النية والتوبة، قال تعالى: (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً).
وبهذا كانت وصية لقمان لابنه: «يا بني عوّد لسانك الاستغفار فإن لله ساعات لا يردّ فيها سائلاً»، وقال الحسن: «أكثروا من الاستغفار في بيوتكم وعلى موائدكم، وفي أسواقكم ومجالسكم وأينما كنتم فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة».
مع كل استغفار يغيظ المسلم الشيطان، ويواجه غواية اللعين بهذه المنحة الإلهية التي خص الله بها عباده المؤمنين، وقد بشرنا بها الهادي الأمين فيما رواه سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول إبليس لله (عز وجل) بعزتك وجلالك لا أبرح أغويهم ما رأيت الأرواح فيهم، فيقول الحق جل وعلا: (فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني).
بشارة النبي
استغفر الله ولا تيأس من رحمته، حتى ولو كثرت ذنوبك وتعددت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة)، وهذه بشارة نبينا الكريم التي رواها البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن عبداً أصاب ذنباً (وربما قال أذنب ذنباً) فقال رب أذنبت (وربما قال أصبت) فاغفر لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً، أو أذنب ذنباً فقال رب أذنبت أو أصبت آخر فاغفره، فقال علم عبدي أن له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنباً (وربما قال أصاب ذنباً) قال رب أصبت (أو قال أذنبت) آخر فاغفره لي فقال: علم عبدي أن له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي (ثلاثاً) فليعمل ما شاء).
الاستغفار سبب للأمان من عقوبة الله وعذابه: ما دام العبد مواظباً على الاستغفار وملازماً له، قال الله تعالى: (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون).
وقد جعل الله سبحانه وتعالى للناس أمنين كما جاء في الحديث عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (... كان فيهم أمانان: نبي الله والاستغفار قال: فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار)، فأما الأمان الأول الذي هو النبي فقد زال بوفاته، وأما الاستغفار فهو باق إلى قيام الساعة.
ثمار الاستغفار
والاستغفار مجلبة للخير فهو سبب لنزول الغيث وتكثير الزرع وتوفر المياه، وهو جالب للنسل ونماء في الرزق، قال تعالى في سورة نوح: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً).
وأثر الاستغفار على القلب الذي تكالبت عليه الشبهات، وغشيته الشهوات، وتزينت فيه المحرمات وواجهته الفتن العظيمة، هو أثر مضمون بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: (إن العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء؛ فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زاد زادت حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}.
والاستغفار عبادة تحقق لنا راحة البال وتشرح صدورنا، وتسكن نفوسنا، وتزرع الطمأنينة في قلوبنا يقول عز من قائل: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير).
فوائد الاستغفار كثيرة لا تعد، وقد عرف العلماء للاستغفار العديد من الفوائد والثمرات والفضائل، وذلك أخذاً من كتاب الله وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن بين أهم فضائل وثمرات الاستغفار العديدة أنه فرج من كل كرب، ومخرج من كل ضيق لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب).
صيغ كثيرة
وإذا أردت ما هو فوق ذلك كله وأبقى فإن التقوى والاستغفار يضمنان لك ما تريد، قال تعالى: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد، الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار، الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار). وللاستغفار صيغ كثيرة وردت منها أدعية الأنبياء والمرسلين، وعلمنا منها رسولنا الكريم الكثير، فاستغفروا ربكم بما تطيقون وما تحفظون وبكل ما تقدرون عليه من صدق وإقبال على الله، وكان صلى الله عليه وسلم ينوع في طلب المغفرة، ويعدد الذنوب بأنواعها، فيقول: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدّي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير).
وقد دلنا رسولنا الكريم على دعاء إذا قاله العبد موقنا به فمات من يومه قبل أن يمسي كان من أهل الجنة، وإذا قاله في الليل حين يمسي موقنا به، فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة، وهذا الدعاء هو: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، وأبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) وهذا الاستغفار لقب بسيد الاستغفار.