جعل الله عز وجل الاستقامة مطلوب المسلم يومياً يدعو بها في الفاتحة على مدار اليوم في كل صلاة بل في كل ركعة: اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ، ووصف ربنا سبحانه وتعالى حال المستقيمين على الطريق عند نهايته فقال وقوله الحق: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، وأوضح لنا مآلهم في الآخرة في قوله: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فالجنة هي ميراث الاستقامة والوصول إليها لا يكون إلا عبر الطريق المستقيم الذي وضع علاماته ومعالمه ومحاذيره القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة .

حلاوة الإيمان

والاستقامة هي القول الجامع الذي لخص به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الإسلام، ففي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: قل آمنتُ بالله ثم استقم .

وأول الاستقامة أن يتذوق الإنسان حلاوة الإيمان، وأن تتمكن جذوره في قلبه، وبعدها يستطيع أن يثبت على الحق، ويواصل المسير، على الاستقامة، وهي من حيث هي منهج لحياة المؤمن تقوم على قاعدة الإيمان بالله: قل آمنت بالله، وهي قاعدة يتغير على أساسها سلوك المؤمن، وتتبدل أهدافه، وتتحدد تطلعاته، وبها يحيا القلب ويولد ولادة جديدة تهيئه لتقبل أحكام الله والامتثال لتشريعاته والسير الحثيث على طريق الاستقامة، وقد رتّب رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستقامة على الإيمان: قل آمنتُ بالله ثم استقم، لأن الاستقامة هي حقيقة الإيمان، وهي العبودية الحقة لله تعالى، والاستعانة به وتوحيده وتنزيهه عز وجل، وأما طريقها فهو الالتزام التام بهذا المنهج من دون إفراط أو تفريط .

والاستقامة طريق السائرين إلى الله وأهم ما يعين المرء في طريق الاستقامة بعد توفيق الله عز وجل أن يتوجه العبد إلى الله بالدعاء والتضرع، فالدعاء هو مخ العبادة، بل هو العبادة، وهو سلاح المؤمنين، وعدة الصالحين، ولا يعجز عنه إلا المخذولون .

الالتزام بنهج النبي

والقرآن إذ يحض المؤمنين على التمسك بالاستقامة يلزمك السير على نهج النبي ومنهجه وسنته فمما يعينك على المضي على الطريق المستقيم أن تحرص كل الحرص على التمسك بالسنة، تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالاستقامة كما تبدأ بالإيمان الصادق بالله عز وجل، فهي تمضي على طريق الاتباع الكامل والاقتداء التام بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تحذر من البدع والمبتدعين، فإن ذلك هو الداء العظيم، والضلال المبين، بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ، وفي رواية: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، وكما جاء في الصحيح، فإن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة .

والاستقامة تعني أول ما تعني مراقبة الله في السر والعلن ومجاهدة النفس، والهوى، والشيطان، وعدم الغفلة عن ذلك، ومحاسبتها في كل وقت وحين، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، وفي الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه قال: يا معشر القراء استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيداً، (وفي رواية: فإن استقمتم فقد سبقتم)، فإن أخذتم يميناً وشمالاً فقد ضللتم ضلالاً بعيداً .

وأوسع أبواب الاستقامة أن يؤدي المؤمن الواجبات: ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبُّ إليَّ مما افترضته عليه، وأن ينتهي عن المحرمات والمكروهات، وأن يكثر من النوافل: لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، وأن يداوم على أعمال الخير: أحب العمل إلى الله أدومه، وقالت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان عمله ديمة .

ومما يعينك على التزام طريق الاستقامة أن تكثر من تلاوة القرآن، وتحاول حفظه، أو حفظ ما تيسر لك منه، وأن تداوم على ورد ثابت منه كل يوم، وأن تكثر من ذكر الله عز وجل: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله، كما وجهنا حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تحرص على سلامة قلبك، وأن تحذر من أمراض القلب التي تفتك به، كالحسد، والرياء، والنفاق، والشك، والحرص، والطمع، والعُجْب، والكِبْر، وطول الأمل، وحب الدنيا، فإنها أخطر أمراض القلب، بل أخطر من أمراضه العضوية، وأن يبقى حالك على التقلب بين الخوف والرجاء، في حال الصحة والشباب يغلب جانب الخوف، وعند المرض ونزول البلاء وعند الاحتضار يغلب جانب الرجاء، وأن تحرص على معاشرة الأخيار، فالطيور على أشكالها تقع كما تعرف، والمرء على دين خليله، كما قال رسولك الكريم، وكما يقول ربك: الأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ، واعلم أن الإكثار من ذكر الموت وتوقعه في كل وقت وحين، والخوف والحذر من سوء الخاتمة، والقناعة بما قسم الله، والرضا به، وتجديد التوبة والإنابة، مع تحقيق شروطها والحرص على أن تكون توبة نصوحاً، كل ذلك يعينك ويحفظك على الاستقامة على الطريق إلى الله .

ثمار الاستقامة

والاستقامة كلها خير وفضلها عظيم في الدنيا والآخرة، فإذا أردت أن تحيا في الدنيا والآخرة بلا خوف ولا حزن، وأن تنال ولاية الله في الدنيا والآخرة، وأن تبشر بالجنة، وتفوز بكل ما تشتهيه النفس، فالاستقامة هي طريقك إلى ذلك كله، وللاستقامة ثمار عديدة لا تنقطع، فهي باب من أبواب الخير، وبركتها لا تقتصر على صاحبها فحسب، بل تشمل كل من حوله، ويفهم هذا من قوله تعالى: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً، وتستمر عناية الله بعباده المستقيمين على طاعته حتى ينتهي بهم مطاف الحياة، وهم ثابتون على كلمة التوحيد، لتكون آخر ما يودعون بها الدنيا .

والاستقامة سبب للأمن في الدنيا والآخرة، وهي سبب لولاية الملائكة للعبد ومحبتها له كما قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، فلا تسل عما تفعله الملائكة للمستقيم على صراط الله، فهي تحفظه وتكلؤه وترعاه قال تعالى: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وهي تحضر مجالسه، وتستغفر له وتدعو له، قال تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وهي عند الموت تطمئنه وترحب به وتسلم عليه وتبشره قال تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .