جاءت الشريعة الإسلامية بكل ما يحقق العدل بين الناس ويوفر لهم الحماية من جميع أشكال الإجرام والانحراف السلوكي التي عرفتها المجتمعات الإنسانية ولذلك عاش في حمايتها المسلم وغير المسلم، ووفرت الأمن والطمأنينة للجميع . وتعتبر حماية الإسلام الضعفاء من أعلى النماذج في الرقي الحضاري، وقد سبقت القوانين الإسلامية التي تضمن حماية هذه الفئة وتؤكد حقوقها الإنسانية الأساسية كل مواثيق العالم المتحضر في وقتنا الحاضر .

يعد الجنين واحداً من هذه الفئة الضعيفة التي لا تقوى على رد ضرر يحاك لها، ولذا فإن علماء الإسلام أكدوا أن ديننا حرم الإجهاض ووضع الكثير من الضوابط الصارمة التي تمنع العدوان على الجنين في مختلف مراحله العمرية . . وأوضحوا أن الأطباء هم أصحاب الكلمة العليا في تقرير الحالات التي يسمح فيها بالإجهاض للضرورة .

في البداية يوضح الدكتور عبدالله بركات العميد السابق لكلية الدعوة في جامعة الأزهر أن الإسلام أولى الجنين عناية فائقة، واعتبر حياته محترمة مقدسة، حتى إنه أسقط صيام رمضان عن أمه لأيام أخر حتى لا يضر الصيام به .

الأسباب المؤدية للإجهاض

ويوضح الدكتور عبد الله بركات أنه لا يشترط في السبب المؤدي للإجهاض أن يكون من نوع خاص، فيصح أن يكون عملاً ويصح أن يكون قولاً، ويصح أن يكون الفعل ماديًا ويصح أن يكون معنويًا، ومن الأمثلة على الفعل المادي: الضرب، والجرح، والضغط على البطن، وتناول دواء أو مواد تؤدي للإجهاض، وإدخال مواد غريبة في الرحم، أو حَمل حمْل ثقيل، ومن الأمثلة على الأقوال والأفعال المعنوية: التهديد، والإفزاع، والترويع كتخويف الحامل بالضرب أو القتل، والصياح عليها فجأة . .

ويشير الدكتور عبدالله بركات إلى أن من الوقائع المشهورة في هذا الباب أن عمر رضي الله عنه بعث إلى امرأة . فقالت: يا ويلها ما لها ولعمر، فبينما هي في الطريق إذ فزعت فضربها الطلق فألقت ولدًا فصاح صيحتين ثم مات، فاستشار عمر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأشار بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت والِ ومؤدب، وصمت علي رضي الله عنه، فأقبل عليه عمر فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، إن ديته عليك لأنك أفزعتها فألقته، فقال عمر: أقسمت عليك ألا تبرح حتى تقسمها على قومك . . يعني الدية التي سيدفعها عمر .

ويعرض الدكتور عبدالله بركات لأمثلة على الأفعال المعنوية كتجويع المرأة أو صيامها، فلو صامت فأدى الصوم إلى الإجهاض كانت مسؤولة عن الجناية، ومثل ذلك شم ريح ضار بالحامل، مؤكداً أن بعض الفقهاء يرى أن من يشتم امرأة شتمًا مؤلمًا يسأل جنائيًا إذا أدى شتمه إلى إجهاض المرأة .

وعن عقوبة الإجهاض قال الدكتور عبد الله بركات: إذا مات الجنين بسبب الجناية على أمه عمدا أو خطأ ولم تمت أمه، وجب فيه غرة سواء انفصل عن أمه وخرج ميتا، أم مات في بطنها، وسواء أكان ذكراً أم أنثى، فأما إذا خرج حيا، ثم مات، ففيه الدية كاملة، فإن كان ذكراً وجبت مئة بعير، وإن كان أنثى كانت الدية خمسين، مشيراً إلى أن الحياة تعرف بالعطاس أو التنفس أو البكاء أو الصياح أو الحركة، ونحو ذلك، واشترط الشافعي في حالة ما إذا مات في بطن أمه، أن يعلم بأنه قد تخلق وجرى فيه الروح، وفسره بما ظهر فيه صورة الآدمي من يد، وإصبع، أما مالك، فإنه لم يشترط هذا الشرط، وقال: كل ما طرحته المرأة من مضغة، أو علقة، مما يعلم أنه ولد ففيه الغرة، يرجح رأي الشافعي، بأن الأصل براءة الذمة وعدم وجوب الغرة، فإذا لم يعلم تخلقه، فإنه لا يجب شيء .

وعن دور الوسائل الطبية في حسم القضية قال الدكتور عبدالله بركات: نستطيع أن نقول بعد تقدم الوسائل الطبية إن الرأي الذي يجب العمل به هو مسؤولية الجاني إذا تبين بصفة قاطعة أن الانفصال ناشئ عن فعل الجاني، سواء انفصل الجنين في حياة أمه أو بعد وفاتها، وسواء انفصل كله أو بعضه، وهذا الرأي يتفق مع كل المذاهب، لأن الذين يمنعون المسؤولية يمنعونها للشك وعدم التيقن فإذا زال الشك بالوسائل الطبية الحديثة وجبت المسؤولية .

الدية وضوابطها

وعن مقدار الدية يقول الدكتور حامد أبو طالب العميد الأسبق لكلية الشريعة وعضو مجمع البحوث الإسلامية: الغرة خمسمئة درهم، كما قال الشعبي والأحناف، أو مئة شاة، كما في حديث أبي يريدة عند أبي داود، والنسائي، وقيل: خمس من الإبل، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قضى أن دية الجنين غرة: عبد أو وليدة، وروى مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين الذي يقتل في بطن أمه: بغرة: عبد، أو وليدة فقال الذي قضى عليه: كيف أغرم ما لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهل، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن هذا من إخوان الكهان وذهب بعض الفقهاء إلى أن هذه الدية تجب على العاقلة العائلة لأنها جناية خطأ فوجبت على العاقلة، وروي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في الجنين غرة على عاقلة الجاني الذي قام بإجهاض المرأة: وبدأ بزوجها وولدها .

أما لمن تجب؟ فسؤال يجيب عليه الدكتور حامد أبو طالب بقوله: ذهبت المالكية، والشافعية وغيرهم إلى أن دية الجنين تجب لورثته على مواريثهم الشرعية، وحكمها حكم الدية في كونها موروثة، وقيل: هي للأم، لأن الجنين كعضو من أعضائها، فتكون ديته لها خاصة .

وعن وجوب الكفارة قال الدكتور حامد أبو طالب: اتفق العلماء على أن الجنين إذا خرج حيا ثم مات، ففيه الكفارة مع الدية، وهل تجب الكفارة مع الغرة إذا خرج ميتاً أو لا تجب؟ قال الشافعي وغيره: تجب لأن الكفارة عنده تجب في الخطأ والعمد، وقال أبو حنيفة: لا تجب، لأنه غلب عليه حكم العمد، واستحبها مالك، لأنه متردد بين الخطأ والعمد .

حالات الجواز

وعن الحالات التي يجوز فيها إجهاض الجنين يؤكد الدكتور حامد أبو طالب أنه تمكن معرفة الحكم من خلال قرارات المجامع الفقهية ومنها القرار رقم: 71 (4/12): بشأن موضوع إسقاط الجنين المشوه خلقياً، حيث إن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، برابطة العالم الإسلامي، في دورته الثانية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة عام 1990م التي حضرها الفقهاء والأطباء المختصون قرر بالأكثرية أنه إذا كان الحمل قد بلغ مئة وعشرين يوماً، فلا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة: إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم، فعندئذ يجوز إسقاطه، سواء كان مشوهاً أم لا، دفعاً لأعظم الضررين .

وينهي الدكتور حامد أبو طالب كلامه بقوله: قبل مرور مئة وعشرين يوماً على الحمل، إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات وبناء على الفحوص الفنية، بالأجهزة والوسائل المختبرية أن الجنين مشوه تشويهاً خطراً، غير قابل للعلاج، وأنه إذا بقي وولد في موعده، ستكون حياته سيئة، وآلاماً عليه وعلى أهله، فعندئذ يجوز إسقاطه بناء على طلب الوالدين، ولهذا لابد من تواصى الأطباء والوالدين، بتقوى الله عز وجل والتثبت في هذا الأمر، وإدراك أن هذا الضعيف سيتعلق بهما يوم القيامة مطالبا بحقه الذي افتأت عليه فيه أبواه .