الفقيه الأزهري د .سعد الدين هلالي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر يعرفنا بموقف الشريعة الإسلامية من الاستدانة عن طريق القروض البنكية أو الشخصية بين الأفراد فيقول: الاستدانة هي طلب الدين أو طلب أخذ مال يترتب عليه شغل الذمة به، والدين خطر في ذاته، حتى إنه ليحول دون براءة الشهيد، كما ورد في الحديث الصحيح، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين"، كما يحول دون شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم . فقد رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة على ميت عليه دين، وقال لمن دعاه للصلاة عليه "صلوا على صاحبكم"، وعندما قال له أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعليّ دينه قام الرسول وصلى عليه .
ضوابط شرعية
ويضيف د .هلالي: لذلك وضعت الشريعة الإسلامية جملة من الضوابط لمن يظن الفرج في الدين، وذلك تأمينا للمتداينين "المدين والدائن" من خطر الدين ومغبته أهمها:
- أن يكون التوجه إلى الاستدانة على سبيل الاستثناء وليس على سبيل الاعتياد، لأن العادة محكمة كما نص على ذلك الفقهاء من جملة قواعدهم وما تقتضيه العادات هو إشباع الحوائج بالكسب المشروع والسعي المشكور، قال تعالى: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله"، وقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" .
- أن يكون التوجه إلى الاستدانة عند الحاجة وليس في حال السعة لمجرد إمكانها، لأن الاستدانة نوع مسألة والمسألة لا تجوز إلا لأصحاب الحوائج، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتاً" .
- أن يتم توثيق الدين منعاً من النزاع في المستقبل، وهذا التوثيق على سبيل الاستحباب عند الجمهور وعلى سبيل الوجوب عند بعض الفقهاء، استدلالاً بعموم قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل" .
- أن يكون المدين كريما في الوفاء، ويكون الكرم بعدم المماطلة، كما يكون بالإحسان في القضاء، قال تعالى "وأداء إليه بإحسان"، وجاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "مطل الغني ظلم"، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلف من رجل بكراً (الفتي من الإبل) فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة . فأمر أبا رافع بأن يقضي الرجل بكره . فرجع أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً بعيراً رباعياً (ما بلغ ست سنين ودخل في السابعة حين طلعت رباعيته)، فقال صلى الله عليه وسلم "أعطه إياه إن خير الناس أحسنهم قضاء"، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، خلافاً لما ذهب إليه بعض المالكية ورواية للحنابلة، كون الزيادة من الربا أو شبهة الربا .
وإذا التزم المدين بهذه الضوابط ثم عجز عن الوفاء حتى مات فقد كفله النبي صلى الله عليه وسلم فقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى وعليه دين فيسأل "هل ترك لدينه من قضاء" فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا قال "صلوا على صاحبكم"، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعليّ قضاؤه" .
الشراء بالأجل
ومن أبرز صور الاستدانة التي شاعت في معاملات المسلمين منذ حقبة من الزمن "الشراء بالأجل"، لكن لا يزال البعض يشكك في مشروعية هذا البيع ويحذر الناس منه . . فما موقف الشريعة الإسلامية من هذا اللون من التعامل بين الناس؟
يقول د .هلالي: البيع بالتقسيط هو مبادلة السلعة أو الخدمة الحالة بثمن مؤجل كله أو بعضه على حصص معلومة تؤدى في أوقات معينة، وهو قريب من بيع النسيئة الذي تكلم عنه الفقهاء السابقون، وفيه يتفق المتعاقدان على تأجيل الوفاء بالثمن كله مدة معلومة .
وقد ظهر البيع بالأجل أو كما يطلق عليه في بعض البلدان العربية ب"التقسيط" بهذا الشكل المنظم والشائع في أوائل القرن التاسع عشر، ولقي تشجيعاً من الحكومات المختلفة التي رأت فيه وسيلة لرواج منتجات المؤسسات الصناعية والسلع التجارية حتى تدخلت بإصدار القوانين المنظمة له بهدف حماية المتعاملين به، وفي العقود الثلاثة الأخيرة انتشر هذا النمط من البيع والشراء انتشاراً واسعا في مشارق الأرض ومغاربها، بخاصة في السلع المصنعة والأجهزة المعمرة، كالسيارات والأدوات الكهربائية والأثاث وغيرها، بل وانتشرت ظاهرة التعامل بالتقسيط في السياحة وفي أداء فريضتي الحج والعمرة . وقد قيل إن السبب في ذلك يرجع إلى قلة السيولة النقدية مع كثرة المعروض من السلع والخدمات .
فائدة مزدوجة
ويرى بعض الفقهاء والاقتصاديين أن البيع والشراء بهذا الأسلوب يحقق فائدة مزدوجة، فهو يفيد البائع بزيادة مبيعاته مع ضمان دخل دوري له، كما أنه يفيد المشتري في الحصول على السلعة التي يحتاج إليها من دون أن يغرم ثمنها الكامل في الحال وقد لا يتوافر معه هذا الثمن .
وقد ثار الخلاف الفقهي كما يقول د .هلالي حول مدى مشروعية البيع بالتقسيط بسبب ارتفاع الثمن فيه عن البيع الحال غالباً، فهل زيادة الثمن جائزة نظير الأجل المشروط، عملاً بعموم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون عند شروطهم"، أم أن الأجل لا يجوز الاستيعاض عنه بالمال قياساً على الربا في الديون؟
والواقع أن هناك اتجاهين للفقهاء في هذه المسألة:
الأول: يرى تحريم البيع بالتقسيط إذا زاد ثمن السلعة بسبب تأجيل الثمن كله أو بعضه، فالبيع بالتقسيط عندهم يتضمن معنى الربا؛ لأن الثمن غالباً يكون مرتفعاً نظير الأجل، والأجل ليس بمال فلا يجوز الاستيعاض عنه وإلا كان ربا . كما أن البيع بالتقسيط معاملة سيئة السمعة؛ لأنها تقوم على استغلال حاجة المشتري وعدم قدرته على الوفاء بالثمن النقدي .
الثاني: يرى مشروعية البيع بالتقسيط، حتى لو زاد ثمن السلعة بسبب تأجيل الثمن كله أو بعضه . وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم، وقال به فقهاء المذاهب الأربعة، وهو ما انتهى إليه قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي .
ويساند د . هلالي مع العديد من علماء الشريعة القول بمشروعية بيع التقسيط الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء لقوة أدلتهم، ولأن الحاجة داعية إليه، وقد جاءت الشريعة برفع الحرج وتيسير حوائج الناس . لكن هناك تحذيراً من جموع العلماء والاقتصاديين من الإسراف في التعامل بالتقسيط، لما يكتنفه من مخاطر جسيمة للمتعاملين به بيعاً وشراء، حتى يمكن القول إن التوسع فيه من باب اللعب بالنار التي تحرق من لا يتيقظ لها، فقد يفرح المشتري بالسلعة ويستخف بقيمة القسط فيغرق في الديون وكم امتلأت السجون بالعاجزين عن الوفاء بالعقود كما قد يفرح البائع بتصريف سلعته ثم يصطدم بعملائه العاجزين عن الوفاء فيضيع رأسماله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الدين النصيحة" .
بلا استغلال
أستاذ الاقتصاد ومدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، د .يوسف إبراهيم، يحدثنا عن المزيد من الضوابط الشرعية التي ينبغي أن تحكم البيع بالأجل، فيقول: البيع إلى أجل، هو بيع النسيئة، وهو مباح شرعاً عند الحاجة إليه وفق ضوابط وقواعد شرعية تمنع استغلال البائع للمشتري .
ويقول: الفرق الجوهري بين البيع المنجز والبيع بالتقسيط أن جزءاً من الثمن من البيع بالتقسيط أو كل الثمن، يكون ديناً على المشتري يلتزم بالوفاء به عند حلول موعد الأقساط . وإذا كان هذا البيع يعقب مديونية، فينبغي أن ننظر إليه من زاوية موقف الإسلام من الدين . فالإسلام لا يحبذ الاستدانة، والمسلم لا يلجأ إلى الدين إلا مضطراً . ولسد حاجة ضرورية . وعليه أن يبيت النية على السداد بقدر ما يستطيع، "فمن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله" .
ويقف د .يوسف إبراهيم في هذا البيع عند نقطتين ربما تتلازمان مع البيع بالتقسيط . . فما الموقف من المبالغة في الشراء بالتقسيط، الذي تترتب عليه ديون كثيرة؟ وماذا عن مطل المدين، ومحاولة التهرب من أداء ما عليه، وبذل المحاولات في سبيل التخلص من الدين بغير الوفاء؟
إنهما نقطتان على جانب كبير من الأهمية في حياة الناس .
وسيلة تيسير
ويضيف: البيع بالتقسيط من البيوع الجائزة التي تيسر لكثير من الناس الحصول على بعض ما يريدون، ولا يستطيعون الحصول عليه بإمكاناتهم الآنية، فيستعينون بإمكانات مستقبلية، لكن لا يجوز المبالغة في الشراء بهذا الأسلوب، لأن هذا يجعل الشخص المبالغ فيه واقعاً تحت طائلة المديونية معظم فترات حياته، فما يكاد ينتهي من الوفاء بما عليه من ثمن ما اشترى بالتقسيط، حتى يعاود شراء شيء آخر بهذا الأسلوب . والشركات الكبرى تشجع على هذا وتروج له بمختلف الأساليب التي تغري المحتاجين إلى هذه السلع، التي يتطلعون إلى اقتنائها لكنهم لا يملكون القدرة على دفع ثمنها حالاً، فتأتي أساليب الإغراء التي تقدمها هذه الشركات، فتخلق لدى هذا الشخص حاجة إلى هذه السلع، لم يكن يفكر فيها، لو لم تكن معروضة بهذا الأسلوب، الذي لا يكلفه إلا الحصول على هذه السلع من دون مقدمات وبآجال طويلة . وشبيه بهذا الأسلوب أيضاً الإغراءات التي تقدمها البنوك للحصول على قروض منها بضمان المرتب، فيقدم الناس على الحصول على هذه القروض وإنفاقها في شراء سلع وخدمات ربما لم يكونوا يفكرون فيها لو لم تتيسر أمامهم سبل القرض . ففي الحالتين تم خلق حاجة لدى المستهلكين، وعملوا على سدها بالاقتراض من البنك أو الاستدانة من الشركة التي باعت لهم بالتقسيط .
وهذا النوع من البيع، الذي يعقب المديونية، ينبغي أن نطبق عليه آداب التداين في الإسلام، وأهمها في هذا الخصوص أن تكون الاستدانة لسد حاجة ضرورية، أما زن كانت لسد حاجة كمالية، يمكن الاستغناء عنها من دون أن تشق الحياة وتصعب على المرء، فلا ينبغي له أن يمارس أسلوب الشراء بالتقسيط من الشركات التي تبيع بهذا الأسلوب، وعليه أن يتعالى عن تملك السلعة الترفيهية، طالما أنه لا يملك القدرة على شرائها اليوم، فإن كان له قدرة على دفع القسط فليدخر هذا القسط فترة من الزمن يتجمع لديه خلالها ثمن شراء السلعة بالنقد . وعندها سيشتريها ربما بنصف السعر الذي كان سيحصل عليها به بنظام التقسيط، وربما بأقل من نصف السعر، وفي هذه الحالة تزداد رفاهيته بقدر ما وفر من الفرق بين الثمن الحال والثمن المقسط .