الإسلام دين لا يعرف الجمود ولا يعترف بالتقليد ويحث أتباعه دائماً على الابتكار والتجديد لصناعة حياة طيبة كلها رخاء وازدهار . وينظر الإسلام إلى التجديد والتطوير والابتكار والإبداع على أنه سنة من سنن الحياة لا يجوز للمسلمين أن يخالفوها أو يهملوها، فهم ليسوا خارج نطاق الكون الذي خلقه الله، وجعل التغيير فيه هو قانون الوجود .
الإسلام بطبيعته دين يتماشى مع سنن الحياة، ولا يصادم الفطرة الإنسانية، ومن هنا يشجع الإسلام التجديد المستمر لحركة الحياة والمجتمع من أجل الوصول إلى الأفضل في جميع مجالات الحياة .
وقد جاءت الدعوة إلى التجديد واضحة وصريحة في قول رسول الله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها . ونظرا لأن الإسلام في تعاليمه دين للحياة بكل أبعادها فإن التجديد المقصود في الحديث النبوي هو أيضا تجديد للحياة بكل جوانبها المختلفة .
والتجديد الذي يتبناه الإسلام ويدعو إليه كما يقول د .محمد الشحات الجندي أستاذ الشريعة الإسلامية، الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية المصري ليس أمراً عشوائياً، ولا ينطلق من فراغ، وإنما هو تجديد يتوقف على فهم الواقع من أجل الكشف عما فيه من سلبيات للانطلاق من ذلك الفهم إلى تصحيح الأوضاع وتمهيد الطريق لإثراء الحياة بالمزيد من الإبداع الذي يضيف جديداً إلى دنيا الناس في جميع المجالات، الأمر الذي من شأنه أن يصلح لهم دينهم ودنياهم على السواء .
مواجهة متطلبات الحياة
ونظراً لأن الإسلام لا يقر الجمود الديني ومساحة الأحكام المتغيرة فيه أضعاف الثوابت فقد حث الإسلام على التجديد الفقهي والتجديد الفكري الإسلامي واعتبر ذلك نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه التجديد .
يقول المفكر الإسلامي د . محمود حمدي زقزوق: ما دام الدين للحياة بكل أبعادها فإن مهمة الفقه هي مواجهة متطلبات الحياة المتجددة، وما دامت المسائل الفقهية غير قطعية فهي قابلة بحكم الشرع للتجديد والتغيير، وهذا التغيير الذي يطرأ على الأحكام الفقهية، التي هي محل اجتهاد شيء طبيعي يتماشى مع روح تعاليم الإسلام التي تتسم بالتيسير ورفع الحرج، وفضلاً عن ذلك فإن هناك مسائل جديدة لم يعرفها علماء الفقه الإسلامي السابقون تتطلب اجتهاداً جديداً وبحثاً عميقاً لاستنباط الحكم الشرعي الذي ينطبق عليها، مثل: نقل الأعضاء، والاستنساخ، وأطفال الأنابيب والكثير من صور المعاملات المالية الحديثة، وغيرها من الأمور التي لا تقع تحت الحصر، وبخاصة بعد ثورة المعلومات والاتصالات، وانتشار استخدام الإنترنت على نطاق واسع، ومدى شرعية وحجية استعمال هذه الوسيلة الحديثة في وقوع الزواج والطلاق والوصية وغير ذلك من المعاملات الحديثة .
كما أن الفقه الإسلامي مطالب بالبحث عن حلول لمشكلات الأقليات المسلمة في الخارج، وما تواجهه من حرج وعنت في كثير من الأمور الحياتية في مجتمعات أصبحت تنظر إلى الإسلام نظرة سلبية، وأحياناً معادية لكل ما هو إسلامي .
ويضيف: هناك تغييرات بالغة الأهمية حدثت في حياة الإنسان، ومطلوب من الفقه الإسلامي أن يلاحق كل هذه التطورات الجديدة ويستنبط الأحكام الشرعية التي تجعل المسلم مواكباً لعصره غير منعزل عما يحيط به من تطورات .
فالدعوة إلى تجديد الفقه إذاً ليست تخلياً عن الدين ولا خروجاً على أحكامه المعلومة من الدين بالضرورة، وإنما تعني إعادة النظر في الموروث الفقهي البشري من ناحية، ومن ناحية أخرى البحث عن الحلول الإسلامية لما جد ويجد مستقبلاً من مسائل جديدة .
إن هناك كثيراً من الأمور في حياة المسلمين في حاجة ماسة إلى إعادة نظر، وإعادة ترتيب للأوضاع، والأمر يتطلب من أجل ذلك الاهتمام بفروع جديدة للفقه الإسلامي من بينها على سبيل المثال فقه الواقع، وفقه الأولويات، وفقه الأقليات المسلمة، وهذا كله في حاجة إلى اجتهادات جديدة ومرونة فكرية وسعة في الأفق وفهم صحيح للواقع .
جددوا إيمانكم
د . علي جمعة مفتي مصر يؤكد أن التجديد والتطوير والتحديث مطلب إسلامي في كل العصور والأزمان وليس في هذا العصر فحسب . . ويقول: لقد جاءت الشريعة الإسلامية بمدح التجديد وبيان أهميته بل إن نصوص الشرع الشريف نفسها تؤكد ذلك المعنى فتارة يحدثنا الشرع الشريف عن التجديد باعتباره أمراً واجب التنفيذ، ويحث عليه المسلمين وذلك في مقام الإيمان، فالإيمان نفسه يبلى ويخلق ويحتاج إلى أن يجدد في قلوب الموحدين وذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: جددوا إيمانكم، قيل يا رسول الله: وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله . وتارة يحدثنا الشرع عن التجديد في الدين على أنه نعمة يمنّ الله بها على هذه الأمة الخاتمة، ومن هذا قول النبي: إن الله يبعث إلى هذه الأمة . . . .
لذلك فإن علماء الأمة يمتدحون التجديد ويرون أنه أمر ديني ونعمة من نعم الله علينا، والتجديد لم يكن قط موضع اتهام وريب في العصور السابقة، لذلك ظل تجديد الخطاب الديني موجوداً وحاضراً في الغالب طوال تاريخ الإسلام، كل زمن حسب مقتضياته وأدواته، وطبقاً لظروفه وأحواله، وذلك ما جعل هذا الدين صالحاً لكل زمان ومكان، حتى أظلنا العصر الحاضر فصارت لمصطلح التجديد دلالات سلبية عند كثير من الملتزمين التراثيين لما شاع عندهم من أن التجديد معناه التفلت من تكاليف الشرع كلها أو بعضها، أو الأخذ بالشاذ من الأقوال ومخالفة ما استقر عليه العلماء المخلصون، أو أن المراد من التجديد هو الانتقاء من النصوص الشرعية، ما يتفق والأهواء والمصالح الشخصية، أو أن التجديد يشمل الثوابت والمتغيرات، وقد شاعت عند العامة من المتدينين تلك السمعة السيئة عن التجديد وأهله ودعاته ولذا واجه علماء الإسلام المخلصون في دعوتهم للتجديد أشد الصعوبات في بيان ما يقصدونه من كلمة التجديد .
مبدأ الاجتهاد
ويقول الدكتور محمد عبدالغني شامة أستاذ الثقافة الإسلامية في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر: حين أقر الإسلام مبدأ الاجتهاد فإن ذلك جاء انطلاقاً من حقيقة أن الحياة متجددة ومتطورة باستمرار، والاجتهاد هو الآلية المشروعة التي تساعد المسلم على تطوير حياته ومجتمعه والمشاركة بفاعلية في بناء السلام، والاستقرار في نفسه وفي مجتمعه وفي العالم بصفة عامة .
وإقرار مبدأ الاجتهاد يعني رفض التقليد الأعمى، ويعني ضرورة إعمال العقل الإنساني، الذي هو أجل نعمة أنعم الله بها على الإنسان، ويعني كذلك رفض الدعوة إلى إغلاق باب الاجتهاد، الذي فتح باب الاجتهاد هو الرسول عليه الصلاة والسلام الذي جاء بالشريعة من عند الله، وليس من حق أحد أن يغلق هذا الباب إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
والفقه الإسلامي بلا اجتهاد يعني الحكم بالجمود والانغلاق على العقلية الإسلامية والحكم عليها بالتخلف الأبدي، وهذا كله ضد طبيعة الإسلام الذي هو دعوة إلى التقدم والارتقاء في جميع ميادين الحياة .
والاجتهاد يعني الاعتماد على الفكر في استنباط الأحكام الشرعية، وقد نما الاجتهاد في رعاية القرآن الكريم والسنة النبوية، وامتدت سماحة الإسلام إلى إفساح الطريق أمام العقل في مجال الأحكام الشرعية التي لم ترد فيها نصوص قاطعة، فأباح له الاعتماد على نفسه وشجعه على ذلك ودفعه إليه دفعاً، وتقررت في ذلك قاعدة إسلامية تقول: إن المجتهد إذا اجتهد فاخطأ فله أجر واحد، وإذا اجتهد وأصاب فله أجران .
وقد كان لمبدأ الاجتهاد أثره العظيم في إثراء الدراسات الفقهية لدى المسلمين وإيجاد الحلول السريعة للمسائل التي لم يكن لها نظير في العهد الأول للإسلام، وقد نشأت عنه مذاهب الفقه الإسلامي المعروفة التي لا يزال العالم الإسلامي يسير على تعاليمها حتى اليوم، وأدى الاجتهاد إلى ظهور علم فلسفي جديد هو علم أصول الفقه الذي يعد بمثابة فلسفة للتشريع الإسلامي، وكان أول من ابتكر هذا العلم الإمام الشافعي في كتابه الرسالة .