التسامح والصفح والإحسان من الفضائل الأخلاقية التي يبدو أنها غائبة عن علاقات الأقارب . . فبعض الناس يعيش حياته كلها في خصومة مع محارمه، والبعض الآخر لا ينسى الإساءة التي وقعت عليه منذ سنوات، والبعض الثالث يقاطع ويبغض لأتفه الأسباب، بل إننا نجد مع الأسف الشديد بعض الأقارب قلوبهم أشد قسوة على ذويهم، حتى لو كانوا من الآباء أو الأبناء أو إخوة الرحم والنسب والقربى . من وجهة النظر الشرعية والأخلاقية: كيف نبتعد عن خلق الهجر والمقاطعة؟ وكيف تحارب النفس الإنسانية بعض شهوات الغل والشره وبُغض الآخر؟ وكيف نغرس في سلوكياتنا أخلاق التسامح وقبول الاعتذار والصبر على مكاره الأقارب؟

الدكتورة كوثر المسلمي، أستاذة الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، ترصد برؤية اجتماعية كثيرا من مظاهر الهجر بين الأقارب لأتفه الأسباب، فتقول: كثيراً ما شاهدت مسلماً لا يكلم شقيقه بسبب لعب الأطفال، أو زوجة لا تتحدث مع زوجها لأنه لم يقدم لها هدية عيد الميلاد، أو شقيقتين متقاطعتين بسبب غيرة البنات ومظاهر اللبس والجمال!

والأسوأ من هذا هو ما ألاحظه من قسوة قلوب بعض ذوي الأرحام، وطول فترة الهجر والمقاطعة أو الكبر والتعالي عند محاولة الإصلاح، والأكثر سوءا هو أن يتحول هذا التقاطع إلى دافع لتدبير المكائد والإساءة إلى عرض وسمعة الأقارب .

المعالجة الإيمانية

وتضيف: الإسلام في سياق حرصه على صلة الأرحام، عمل على إغلاق باب الخصومة بالمعالجة الإيمانية لمسبباتها النفسية والاجتماعية، فالهجر والتقاطع حرام بين الأقارب، لأنه يوغر الصدور، ويزيد المشاكل الاجتماعية، ويفقد الإنسان أفضل ما فيه، وهو الإنسانية والود والتعاون، لهذا حذرنا الإسلام من التقاطع وأوجب على كل مؤمن أن يسارع إلى استرضاء قريبه لو حدثت بينهما أي خصومة، فالصلة من التقوى التي يسألنا الله عليها يوم القيامة ماذا نحن فاعلون بها؟ يقول الحق: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا .

وعند حدوث بعض التقاطع حرم الإسلام استمراره وأمر بوجوب الصلة وتجاوز التشاحن وأسبابه .

فالأمر القرآني العام: فأصلحوا ذات بينكم واتقوا الله لعلكم ترحمون .

وقاوم الإسلام العناد بين الأقارب عند الخلاف، أو كما يقول بعض الناس: أنا سوف أفعل فيه كذا وكذا مثلما فعل هو كذا وكذا . ولهذا قال عليه السلام: ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها، (رواه البخاري)، وفي الحديث أيضاً: الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله .

وتدعو الدكتورة كوثر إلى البدء الفوري في صلة الرحم عند حدوث التقاطع، إذ على الأقارب أن يقاوموا شهوات النفس والوقوع صرعى الهوى والجري وراء شهوات الأنانية والكبر .

ولأجل هذا جعل الإسلام البدء بالصلح أو السعي فيه أفضل من الصوم والصلاة والصدقة، ففي حديث الترمذي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول إنها تحلق الشعر ولكن تحلق الدين . ومن هنا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن هجر المسلم أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام . فما بالنا لو كانا قريبين؟

ذو الوجهين

وتحذر الدكتورة كوثر المسلمي في معرض القيام بالصلح الواجب بين الأقارب من صنفين من البشر، الأول تجده سيئ النية يقول لهذا كلاماً ويقول للآخر كلاماً آخر، ومثل هذه النوعية تشعل الأمر ناراً بين الأرحام، ولهذا لا يجوز للأقارب إدخال مثل هذه النوعية في محاولة الإصلاح . وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء بأنهم شر الناس، فقال: تجدون شر الناس، ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه، ومن كان ذا لسانين في الدنيا فإن الله يجعل له لسانين من نار يوم القيامة (رواه البخاري ومسلم ومالك) .

الصنف الآخر الخطر، هم بعض الأقارب أنفسهم عندما يتمنعون عن الصلح، وتقسو قلوبهم على الأهل، ولا يقبلون اعتذار من جاء يعتذر . وهو سلوك مكروه، حذرنا الإسلام من ممارسته مع كل خلق الله، فما بالنا لو كان المعتذر هنا هو الزوج أو الابن أو العم؟! وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: . . . ومن أتاه أخوه متنصلاً أي معتذراً فليقل ذلك محقاً كان أو مبطلاً، فإن لم يفعل لم يرد على الحوض . وفي رواية الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال: أفلا أنبئكم بشرٍ من ذلك؟ قالوا: بلى يا رسول الله . قال الرسول: الذين لا يقبلون عثرة ولا يقبلون معذرة ولا يغفرون ذنباً .

كظم الغيظ

ويقرر الدكتور عبدالله بركات، أستاذ الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر، حقيقة مؤسفة، وهي أن بعض الناس يكون أشد عناداً وبغاء مع أقاربه، كما أنه يكون أكثر طواعية لنوازع الشيطان الذي يحرض المؤمن على الخصومة مع ذوي المحارم .

والعلاج الإيماني لخصومة الأقارب علاج شامل يقضي على شرور النفس الإنسانية ومكائد العلاقات الاجتماعية كما يدفع المجتمع والناس إلى الإحسان ومقاومة الهوى والغرور .

ومن جوانب هذا العلاج تربية الإسلام النفس الإنسانية على فضيلة الإحسان وكتم الغيظ والمبادأة بالخير للأقارب والأباعد . ولهذا خاطب الله تعالى الإنسان بقوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإن رحمة الله قريب من المحسنين، ووقولوا للناس حسناً، ووأحسن كما أحسن الله إليك .

أيضاً يربي الإيمان في الإنسان عدم الغضب والانفعال، وهذا الانفعال كم هدم بيوتا وقطع أرحاما وربى أحقادا في النفوس والرؤوس . ولهذا وصف الله المؤمنين المحسنين بقوله: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين . وفي الحديث جاء صحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: مرني بعمل وأقلل . فقال عليه السلام: لا تغضب، لا تغضب .

وعلى القريب عندما يرغب في إصلاح ذوي رحمه، أن يبتعد عن الجدل والمراء، إذ هو بوابة للخصومة . ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ما ضل قوم بعد هدي إلا أوتوا الجدل .

وعلى الأقارب بالذات أن يبتعدوا عن كشف العورات، أو تعيير القريب بما يرى أنه عيب فيه، وهو خلق مذموم حيث يتاح للأقارب بحكم الصلة معرفة بعض الأسرار التي تكشفت لديهم قبل الشقاق!

وفي الحديث: عليك بتقوى الله وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء تعلمه فيه، يكن وباله عليه، وأجره لك ولا تسبن شيئا بعده . كما على القريب ألا ينشر سر قريبه بمجرد أن يحدث خلاف بينهما . وأن يكون لين الجانب، إذ إن القسوة في الخلاف أو الشدة في الخصومة من علامات النفاق التي حذرنا منها رسول الله . كما اعتبرها سمة من سمات بغض الله للإنسان كما في الحديث: إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم .

سبل تحديد المشاعر

ويدعو الدكتور عبدالله بركات المسلم إلى التغلب على وساوس الشيطان الذي يريد تقطيع أرحام المسلمين، وأن يسلك كل السبل الموصلة إلى تجديد المشاعر بين الأقارب مثل الجلوس معا والسلام وحديث الذكريات بين أيدي الآباء والأجداد .

وقد أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بعض هذه السبل، ومن ذلك مجرد السلام باليد واللسان، حيث قال عليه السلام صلوا أرحامكم ولو بالسلام .

وأيضاً بالمصافحة والابتسامة الحانية، حيث قال عليه الصلاة والسلام: تصافحوا يذهب الغل، وكذا تبادل الزيارات والهدايا، وفي الحديث: تهادوا تحابوا تذهب الشحناء، وفي الحديث أيضاً: لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه حسن، تبسمك في وجه أخيك صدقة .

إن الصفح والتسامي والتناسي ينبغي أن يتعامل بها المسلم مع من يعتقد أن له عنده مظلمة، وقد أجمل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الخلق عندما قال: ألا أنبئكم بما يشرف الله به البنيان ويرفع الدرجات؟ قالوا: نعم . قال عليه الصلاة والسلام: تحلم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك .