تؤكد خبيرة العلاقات الاجتماعية، د .عزة كريم، أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن معاناة الزوجات المقهورات لا تتوقف في بلادنا العربية، ولذلك ينبغي تطبيق أحكام الشريعة التي تحمي النساء من حياة الإكراه والعنف والقهر النفسي التي تعاني منها كثير من النساء في بلادنا العربية .
صور الإكراه
وتضيف: مظاهر الإكراه في العلاقات الزوجية كثيرة ومتنوعة في بلادنا العربية، فهي تبدأ بإجبار المرأة على الزواج من رجل لا تريده، وتتطور إلى إكراه هذه المرأة على معاشرة رجل عاشت معه ولم تعد قادرة على استمرار هذه العلاقة، وذلك نتيجة عدم احترام لمشاعر المرأة وعدم تقدير لإنسانيتها وضرب عرض الحائط بإرادتها، ففي الأوساط الشعبية المصرية- على سبيل المثال- الأب أو الأخ هو صاحب قرار عودة المرأة إلى بيت زوجها إذا كانت قد تركته وذهبت لتعيش مع أسرتها، وهو صاحب قرار تطليقها من هذا الزوج لعدم رضاه "هو" عنه حتى، ولو كانت "هي" راغبة في العودة إليه، وهذا القهر النفسي للمرأة يمثل أبشع صور العنف ومصادرة الحقوق التي كفلتها الشريعة الإسلامية للمرأة، قبل أن تكفلها المواثيق الدولية، ولذلك ليس غريباً أن تقرأ كل يوم في صفحات الحوادث والجرائم قصص الفتيات اللائي ينتحرن بسبب محاولات إجبارهن على الزواج من رجال لا يريدوهن . . وقصص قتل الزوجات لأزواج مسيئين يمارسون القهر والإذلال ضد زوجاتهم ويرفضون تطليقهن .
وترى د .عزة كريم في سلوك الأب الذي يفرض على ابنته زوجاً لا تريده عدواناً صارخاً على آدميتها، هذا العدوان يجسد مخالفة شرعية وعقوقاً أبوياً وجحوداً إنسانياً، وتقول: علماء الإسلام يؤكدون كل يوم أنه لا يحق للأب أن يجبر ابنته على العيش مع رجل لا تريده، كما يؤكدون أن الزوج الذي يحتفظ بزوجة كارهة له هو "شبح رجل" مجرد من مشاعر الرجولة، ومع ذلك نرى قهر النساء على علاقات زوجية تسبب لهن ألماً نفسياً وتدفع بعضهن إلى الانتحار .
رسالة إلى الآباء
وهنا تطالب د . عزة باحترام حق البنت في اختيار عريسها الذي تشعر تجاهه بعاطفة، وتقول: يجب احترام مشاعر المرأة التي تورطت في زوج متجبر ومتغطرس ومسيء، ومساعدتها على التخلص منه، فهذا حقها الذي منحته لها شريعتها ولا يجوز حرمانها منه .
وتنصح الخبيرة الاجتماعية كل امرأة تعاني قهر زوجها ولا تعرف كيف تتخلص منه، بالصبر عليه لعل الله يصلح حاله، وتتبدل مواقفه، وتتغير مشاعره، ويستطيع كسب قلب زوجته، وعندما تفشل كل محاولات إصلاحه، على المرأة أن تكافح للتخلص منه بالوسيلة الشرعية التي منحتها إياها شريعة الإسلام، وهي الطلاق بالخلع حيث أباحت لها الشريعة الإسلامية وأعطاها القانون في كثير من الدول العربية هذا الحق .
وتوجه د .عزة رسالة إلى الآباء الذين يصادرون حرية بناتهم في اختيار الزوج المناسب، وتقول لهم: عليكم أن تتخلصوا من هذا السلوك الذي يغضب الله عز وجل وتدركوا أنكم بهذا السلوك تضرون ببناتكم وتعرضون مستقبلهن الاجتماعي والنفسي للضياع، فسعادة الابنة لن تتحقق مع رجل لا تريده، والزواج الذي لا يبنى من البداية على الحب والرغبة الصادقة المتبادلة بين الزوجين لا يمكن أن يستمر ولا أن يكتب له النجاح .
أما الأزواج الذين يحتفظون بزوجات كارهات لهم، فتقول لهم مستشارة الشؤون الاجتماعية: لا داعي للعناد، حيث لا يوجد رجل يحمل خصائص الرجولة ويفرض احترامه على الآخرين، يقبل أن يحتفظ بزوجة كارهة وأن يلحق بها الأذى وينتقم منها . . الرجال أكرم كثيراً من هذا السلوك المشين .
فهم خاطئ للقوامة
العالم الأزهري، د .سعد الهلالي، رئيس قسم الفقه المقارن بجامعة الأزهر، يؤكد من جانبه أن الإسلام يرفض كل صور الإكراه على العلاقة الزوجية، سواء أكان هذا الإكراه قبل أن تبدأ العلاقة أو بعد خوض التجربة، ويقول: الإسلام نظم العلاقة بين الزوجين وجعل الزوج قواماً على الأسرة وأعطاه حق الطلاق، وهذا ليس تمييزاً للرجل ولا تشجيعاً له على التسلط والتجبر على زوجته، كما يفهم بعض الأزواج ممن يتخذون من الولاية الشرعية على الزوجات وسيلة لقهرهن وإجبارهن على حياة زوجية لا يردنها .
ويضيف: القوامة التي منحها الإسلام للرجل لا تعني غير التكليف، وتحمل مسؤولية الأسرة من زوجة وأولاد، وهي لا تعني أبداً تمييز الرجال على النساء، ولا يمكن أن تجعلها شريعة الإسلام وسيلة في أيدي الرجال لقهر نسائهم وإجبارهن على علاقة زوجية لا يتحملن تبعاتها النفسية، ففي حالة حدوث نفور من الزوجة فشلت طرق احتوائه وإعادة الصفاء النفسي والود الاجتماعي بين الزوجين، يصبح الزوج مطالباً شرعاً بعدم الإضرار بزوجته، وتلبية طلبها بالطلاق بعد استنفاد وسائل الإصلاح والوفاق، وفي حالة عناد الزوج وإصراره على استمرار العلاقة الزوجية بالإكراه تمسكاً بزوجته أو رغبة في قهرها وإذلالها وعدم تركها لغيره، هنا تتدخل الشريعة الإسلامية وهي شريعة عدل ورحمة وإنصاف للمرأة من الظلم بكل أشكاله وألوانه . . تتدخل شريعتنا الغراء لتعطي لتلك الزوجة المقهورة حق التخلص من زوجها المتسلط والمسيء بالطلاق خلعا من أجل الحصول على حريتها .
أسمى صور العدالة
وترى أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، د . سعاد صالح، في تخليص الشريعة للمرأة من زوجها الكارهة له والذي يمسكها ضراراً بها، أسمى صور العدالة التي جاءت بها شريعة الإسلام، وتقول: الإسلام منح الرجل حق الطلاق ليس لأنه مميز عن المرأة، بل حرصاً على الاستقرار الأسري وعدم تعريض الأسرة للانهيار والأولاد للضياع عند حدوث أي خلاف بين الزوجين، فقد خلقت المرأة على طباع وسجايا لا توجد غالباً في الرجل، فهي سريعة التأثر والغضب لأتفه الأسباب وتساير عاطفتها في اتخاذ المواقف، فتثور وتنفعل لأتفه الأسباب . وهي - لأنها مخلوق عاطفي- لا تزن الأمور ونتائجها بميزان العقل بقدر ما تزنها بما تدعو إليه العاطفة، وإذا كان الطلاق فيه مصلحة وخير أحياناً، فإنه قد يكون شراً أحياناً كثيرة، إذ به تنهدم الأسرة ويتشتت الأبناء فلهذا كان أمراً يحتاج إلى تريث وتفكير وأناة، وهذه الأمور لا تتفق مع ما هو الشأن في أغلب النساء، فكان من الحكمة ألا تملك المرأة الطلاق حتى لا تتصرف حسب العاطفة وتطلق لأتفه الأسباب .
أما الرجل فهو في أغلب الأحيان يتميز بالعقل والاتزان والتعقل والتريث في الأمور، فملّك الله الرجل الطلاق تحقيقاً للاستقرار وتضييقاً لوقوعه بقدر الإمكان، وهو عليه تبعات مالية من حلول مؤخر الصداق ووجوب نفقة العدة، وغير ذلك مما يجعله يتروى كثيراً ويحكم التفكير قبل الإقدام على الطلاق .
لكن كل هذا لا يعني - كما تقول د . سعاد - الاستبداد بالمرأة وإكراهها على حياة زوجية لا تطيقها، فقد أعطت الشريعة المرأة حق الالتجاء إلى القضاء ليفرق بينها وبين زوجها في الحالات التي لا تستقيم فيها أمور الزوجية، كالتفريق بسبب العيوب والأمراض التي لا يحصل بها مقصود الزواج أو لغير ذلك من الأسباب، وباختصار فإن الطلاق أفضل من حياة تفتقد المودة والرحمة .