تتابع الجماهير العربية باهتمام بالغ ما تقوم به الأجهزة الرقابية والسلطات القضائية في بعض البلاد العربية التي تخلصت من أنظمتها السياسية الفاسدة من تحفظ على الأموال ومصادرة ما يثبت السطو عليه من أموال وممتلكات الدولة وما تم جمعه باستغلال السلطة والتحايل على القوانين، وغير ذلك من صور الفساد المالي التي تم الكشف عنها . والأسئلة التي تفرض نفسها هنا هي: ما موقف الشريعة الإسلامية من مصادرة الأموال؟ وهل يجوز نزع الملكية؟ وما الضوابط التي جاءت بها لمنع الظلم ومنح الإنسان الحق في الاحتفاظ بأمواله الحلال؟ هذه التساؤلات طرحناها على عدد من علماء الشريعة الإسلامية وجاءت إجاباتهم واضحة وحاسمة على النحو التالي:
في البداية يؤكد د .محمد كمال إمام أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية أن الإسلام جعل للمال حرمة كحرمة النفس والعرض وجرم كل سلوك فيه عدوان على أموال وممتلكات الآخرين، فلا يجوز للإنسان أن يعتدي على مال غيره سواء أكان هذا الغير فردا أو جماعة أو شركة أو كان مالاً عاماً . وكفل الإسلام لكل إنسان حقه في التملك بالطرق الشرعية والتمتع بحقوق الملكية بما لا يضر به أو بغيره من الأفراد أو المجتمع، فالملكية حق فطري حافظ عليه الإسلام، قل المال أو كثر .
أموال اليتامى والنساء
ويضيف: الإسلام يتشدد في جمع المال ويحرم كل وسيلة غير مشروعة للحصول عليه أو اكتسابه، فإذا تم التملك بشروطه وضوابطه الشرعية فإنه يقف إلى جوار المالك ليحمي ملكيته من أن يعتدى عليها أو على جزء منها بالقوة أو بالحيلة، وينذر بعذاب الدنيا والآخرة كل من يعتدي على هذه الملكية، وخاصة إذا كانت ملكية إنسان ضعيف لا حول له ولا قوة وهذا سر ما نراه من عناية القرآن بملكية اليتامى والنساء، ففي شأن أموال اليتامى نجد الوصية بها: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ومعنى قوله: بالتي هي أحسن أي بالطريقة التي هي أحسن الطرق لحفظ المال واستثماره وكأن الله البر الرحيم لم يرض من عباده أن يسلكوا مجرد الطريقة الحسنة لصيانة مال اليتيم وتنميته بل أن يسلكوا الطريقة التي هي أحسن وذلك لقطع الأطماع عن مال هذا الصغير الذي فقد الأب الذي يحنو عليه ويرعى شؤونه .
أما عناية الإسلام بملكية النساء، فقد أكدها القرآن خشية عدوان الرجال عليها، كما كان الحال في الجاهلية العربية، وكما كان الحال عند كثير من الأمم، واستمر بعضه في العصر الحديث، يقول الله تعالى في سورة النساء: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً فلم يبح للرجال من صداق النساء، إلا ما طبن به نفسا، فهن صاحبات الحق فيه، وقال سبحانه وتعالى: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً .
احترام الملكية الخاصة
واحتراماً للملكية الخاصة أوجب الإسلام على الإنسان أن يحمي ملكه الحلال، ولو أدى ذلك إلى إراقة دماء الظالم أو الغاصب، فمع أن حرمة الدم أعظم في نظر الشريعة من حرمة المال، إلا أننا نجدها تبيح القتال لحماية المال، لأن أمن المجتمع واستقراره رهن باحترام النظام الذي يقوم عليه، والملكية الخاصة جزء من النظام الإسلامي الذي شرعه الله للناس ورضيه أبناء المجتمع، والتعدي على هذه الملكية بالقوة والقهر يزلزل كيان المجتمع كله، ويهدد نظامه بالانهيار، وروابطه بالانحلال والمتعدي على ملك غيره قد أهدر دم نفسه، حيث تجاوز حدود الله وتعدى على سلطان الشرع، وقد جاء في الحديث الصحيح: من قتل دون ماله فهو شهيد، وقد روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك . قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله . قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد . قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار .
لا حماية لحرام
وهنا يتدخل د .محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر ليؤكد أن الإسلام لا يمنح الحماية والحصانة للمال إلا إذا كان مصدره حلالاً، فالأموال التي جمعت من مصادر تجارة محرمة لا حصانة لها والأموال التي نهبت من قوت الشعب ينبغي أن تعود إليه .
ويضيف: الملكية التي يمنحها الإسلام حق الحماية، ويكلف المجتمع والأفراد بالدفاع عنها هي الملكية التي جاءت من طريق حلال، أما الملكية التي آلت عن طريق حرام، فليس لها حصانة في شريعة الإسلام .
ويؤكد د .عثمان على ضرورة تحري الدقة واتخاذ جميع الاحتياطات قبل إصدار حكم بمصادرة مال شخص وعدم الجري وراء اتهامات عشوائية أو تحريات غير دقيقة ويقول: الظلم في مصادرة الأموال من أفحش أنواع الظلم، وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك .
ومن هنا يرفض الإسلام مصادرة المال الحلال ويدين تأميم الأموال التي آلت إلى صاحبها بطرق مشروعة، وتقرر الأحكام الشرعية عدم جواز مصادرة أموال شخص إلا بحكم قضائي مبني على أسباب شرعية، كأن يجمع الرجل ثروة من حرام خبيث كالمخدرات والاختلاس والرشاوى والبغاء وغسيل الأموال أو استغلال النفوذ، فالمال الحرام لا حصانة له في الإسلام، والأحكام الشرعية هنا حاسمة وواضحة، فلو كان مصدر هذا المال شخص رد إليه، وإذا كان مصدره الدولة رد إلى خزينة الدولة، وإذا لم يكن له صاحب صرف هذا المال الحرام في مصالح المسلمين العامة كالمدارس والمستشفيات والجمعيات الخيرية وغير ذلك . والإسلام يقر مبدأ من أين لك هذا ويشدد على ضرورة محاسبة هؤلاء الذين جمعوا الملايين والمليارات من أعمال ضارة بالمجتمع وتجارات محرمة .
متى تجوز المصادرة؟
ويقول الدكتور يوسف إبراهيم أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر: الملكية الخاصة مصونة، ولها حرمتها وواجب الدولة أن تقوم بحمايتها، لكن إذا تعارض حقان: حق خاص، وحق عام، مثل أن تحتاج الدولة إلى شق ترعة أو بناء مدرسة أو توسعة طريق أو إقامة مستشفى فيمكن للدولة حينئذ أن تنزع ملكية هذه الأرض من أصحابها مقابل تعويض عادل ينظمه القانون، لأن من أصول الشريعة أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة .
وقد طبق ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في بناء المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، فقد ثبت في صحيح الحديث أن مكان المسجد كان لغلامين يتيمين فساومهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله فأبى حتى ابتاعه منهما واتخذه مسجداً .
وكذلك فعل الخلفاء الراشدون في توسعة المسجد الحرام والمسجد النبوي، حيث كانوا ينزعون الملكية المجاورة ويعوضون أصحابها التعويض المناسب .