ورد اسم الله القوي واسمه المتين في القرآن الكريم، وجاء اسمه القوي تسع مرات، منها مرتان بصيغة قوي شديد العقاب، كما في قوله تعالى: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب) (الأنفال: 52)، وجاء في المواضع السبعة الأخرى مقترنا باسمه تعالى العزيز كما في قوله تعالى: (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز) (الشورى: 19)، وكما في قوله: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) (الحج: 40)، وكذلك في قوله تعالى: (ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز) (الحج: 74)، وقوله تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) (الأحزاب: 25)، وقوله تعالى: (ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب) (غافر: 22)، وقوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز) (الحديد: 25).
أما اسم الله المتين فقد ورد في القرآن مرة واحدة مقترنا باسمه تعالى الرزاق ذي القوة، وذلك في قوله تعالى: (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) (الذاريات: 58).
القدرة المطلقة
سمى الله نفسه القوي، والقوة لغة نقيض الضعف والوهن والعجز، وهي الاستعداد الذاتي والقدرة على الفعل، وعدم العجز عن القيام به، وليس من أحد غيره عز وجل يمكن أن يوصف بالقوة والقدرة، هو سبحانه صاحب القدرة المطلقة، هو الغالب، وهو صاحب القضاء الذي لا يرد، وهو القوي في بطشه، وهو القادر على إتمام فعله، له عز وجل مطلق المشيئة والأمر في مملكته، بيده جميع نواصي المخلوقات، لا يتحرك منها متحرك، ولا يتصرف متصرف إلا بحوله وقوته وإذنه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا به هو القوي وهو المتين.
أمره جل شأنه غالب، كتب الغلبة لنفسه ورسله فقال تعالى: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) (المجادلة: 21)، ينصر أولياءه، على قلة عدتهم وعددهم على أعدائهم الذين فاقوهم بكثرة العدد والعدة، قال تعالى: (فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز) (هود: 66)، وهو عز وجل ينصر من نصره، ويخذل من خذله: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) (الحج: 40).
والقرآن الكريم يحكي عن أولئك الذين غرهم ما في أيديهم من قوة فلم تنفعهم قوتهم أمام قوته عز وجل، ولم تغن عنهم من قوة الله العزيز، وانظر إلى قوله تعالى في قوم عاد: (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون) (فصلت: 15)، وانظر إلى قوله تعالى فيمن ظلم نفسه وغرته دنياه وهو يحاور صاحبه إذ اغتر بما في يده من أسباب القوة والمنعة والغنى: (ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا، وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا)، ثم انظر إلى قول العبد الصالح له: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا).
ولكن الظالمين تخدعهم مظاهر القوة التي بأيديهم حتى يروا العذاب: (ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب) (البقرة: 165).
وكما قال صلى الله عليه وسلم: (لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة).
الركون إلى قوة الله
وفي الصحيح أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال علمني كلاما أقوله، قال: (قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا سبحان الله رب العالمين لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم قال: فهؤلاء لربي فما لي؟ قال: قل اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني).
وكان صلى الله عليه وسلم يتعبد الله بحوله وقوته كما في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الألباني عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجود القرآن بالليل يقول في السجدة مرارا: (سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته).
وروى البخاري من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته).
وروى أبو داود عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أكل طعاما ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر).
والمؤمن يركن إلى قوة الله، ويقوى بتعبده له باسمه القوي، وقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان).
دعاء الثبات في الأمر
المتين لغة هو الثابت في قوته الشديد في عزمه وتماسكه، والواسع في كماله وعظمته، وسمى الله نفسه المتين، فهو سبحانه القوي الشديد، الواسع، الكبير، المحيط، لا تنقطع قوته ولا تتأثر قدرته، وهو القوي الشديد المتناهي في القوة والقدرة، لا تتناقص قوته، ولا تضعف قدرته، ولا يلحقه في أفعاله مشقة ولا كلفة ولا تعب ولا نصب ولا لغوب: (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب) (ق: 38)، وهو بالغ القدرة، شديد القوة المتين: (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) (الذاريات: 58)، ووصف ذي القوة بالمتين يعني الكمال في قوته بحيث لا يعارض ولا يدانى كما في معارج النور شرح الأسماء.
وهو سبحانه القوي الشديد القدير المحيط المتناهي في القوة والقدرة، وقد كان نبي الله موسى عليه السلام يستمطر قدرة ربه وقوته على فرعون وملئه، كما جاء في قوله تعالى: (وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم). وقوة الله المتين تقوي ضعف كل مؤمن وتنصر عباده الصالحين وتعينهم وتقويهم، وكان صلى الله عليه وسلم يعلمنا دعاء الثبات في الأمر كما ورد في الحديث الذي رواه الترمذي عن حديث شداد بن أوس رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نقول: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك لسانا صادقا، وقلبا سليما، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأسألك من خير ما تعلم، وأستغفرك مما تعلم، إنك أنت علام الغيوب).
وحظ المؤمن الذي يتعبد الله باسمه المتين هو الثبات على إيمانه وعقيدته، وأن يشحن دائما يقينه بأن توحيد العبودية لله هو سبيل سعادته، فلا يحيد أبدا عن شرع الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مهما لقي من البلاء، ومهما تبدلت أحواله بين السراء والضراء، وهذه حال المؤمن التي تعجب منها نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم وقال إنها كلها خير، كما ورد في الحديث الذي يرويه مسلم عن صهيب الرومي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له).
والمسلم الذي يتعبد الله باسمه المتين يصدق في تمسكه بحبل الله المتين، ويصدق في السير على النهج القويم الذي رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث الشريف وصف دين الإسلام بأنه دين متين في إشارة إلى أنه ينبغي على المسلم أن يكون لينا وسطا في دعوته للآخرين، كما ورد في الحديث الذي رواه أحمد عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق).*