ربما يرى البعض أنه لا يجوز أن يعتذر الأب لابنه، على الرغم من أنه قد يرغم على الاعتذار في مواقف أخرى لأناس لا يتوقع أن يتحدث معهم فضلاً عن أن يعتذر لهم، إذ نشأنا معتادين أن يعتذر الابن لأبيه حتى وإن أخطأ الأول في حق الثاني، معتقدين أنه بالاعتذار تتبدل المواقف وتهتز هيبة الأب، وفي المقابل، هناك من يرى أن من أصول التربية أن يكون الأب نموذجاً صالحاً وليس متسلطاً لكي لا ينعكس سلوكه على ابنه عندما يكبر ويصبح مسؤولاً أو أباً.

الاعتذار عموماً ثقافة وواجب علينا لمن أخطأنا في حقه، فكيف يراه الآباء والأبناء؟

أماني عصام ولية أمر من الشارقة أكدت أنه أحيانا نستصعب كلمة آسف، رغم أنها بسيطة في معناها، ولكنها عند البعض تمثل الكبرياء وعزة النفس والكرامة، في حين أن الأخطاء في حق الإنسان تستوجب الاعتذار وإن كان ابنك.

وقالت: أتمنى أن تسود ثقافة الاعتذار الأسري بين الأب وابنه، والزوج وزوجته، باعتبارها أحد الأساليب البناءة في التربية.

أما علي محمد إبراهيم معلم رياضيات فقال: ما الذي يمنع أن أعتذر لابني لاسيما في سن المراهقة والمثل المصري يقول إن كبر ابنك خاويه بمعنى أنه يمكنني الاعتذار لأخي إن اختلفنا في شيء حتى وإن لم أخطئ؟ وبحكم أنني الكبير فإني أتوجه له بالاعتذار مباشرة، إذن فابني أولى إذا أخطأت أمامه أن أعتذر له.

وأضاف: ليس شرطاً أن أعتذر عن خطأ ارتكبته في حقه، بل يمكن أن أعتذر له عن لفظة أو سبة خرجت مني أمامه أو فعل خطأ تراجعت عنه، بل يمكن أن أعتذر له عن جرح مشاعره، لاسيما الابن المراهق الذي يؤثر فيه هذا الاعتذار بشكل إيجابي.

أم سعيد - ربة منزل- تتساءل: لماذا نتعالى على أبنائنا، وإذا غلطنا بحقهم لا نعتذر لهم، وكأنهم ليسوا منا، بل ونغضب منهم إن لم يعتذروا؟ وتقول: لا أمانع من أن اعتذر لأبنائي، ومؤخراً ضربت ولدي الصغير، واتضح أنه بريء من فعل ما حاسبته عليه، وعندما عرفت، قبلته واعتذرت له، وكان لذلك بالغ الأثر فيه فبادلني القبل والأحضان.

واعتبرت شفاء مروان معلمة فلسطينية أن هناك ثوابت لا يجوز أن نتراجع عنها ومنها أنه لا يمكن للأب أن يعترف بأخطائه أمام ابنه، بل عليه أن يجد طريقة ما لتصحيح خطئه ليس بينها الاعتراف به وإن اضطر إلى ذلك فيكون بشكل غير مباشر أو بفعل آخر سليم في موقف مشابه حتى وإن اضطر لاصطناعه من أجل تصحيح القدوة والنموذج أمام ابنه. وقالت: لم نر مدرساً يعترف أمام طلابه أن إعرابه أو حله لمسألة الرياضيات كانت خطأ فعندها تقل هيبة المعلم إن لم تنكسر نهائيا ويصبح أمثولة المدرسة. وكذلك الأب إن اعتاد الاعتذار يخشى أن يتحول الابن إلى الادعاء المستمر بأنه مظلوم أو يستخدم البكاء لثني الأب عن قراراته الحاسمة في تربيته وهي المطلوبة في حياتنا.

وعلى الجانب الآخر وقف الأبناء في مواقف متباينة، فمنهم حمد الذي قال: مستحيل أن يفعلها أبي وشاركه في ذلك محمد عودة الذي يرى أن اهتمام أبيه بالاعتذار للآخرين لابد أن يصاحبه اعتذار لأبنائه.

وأضاف: كثيرا ما أرى والدي مهتما بالاعتذار لإخوانه وأخواته على الهاتف ولكنه نادرا ما يعتذر عن أخطائه في حق والدتي أو لي.

أما محمد إسماعيل باحث من الشارقة فاكتفى بقوله: أمي وأبي على رأسي لو أخطأوا في حقي، لا أريد أو أنتظر منهم اعتذاراً.

وشاركه الرأي محمود صالح طبيب بيطري يرى أن علاقة الأب بابنه علاقة تربوية محضة، ومن حق الوالد تأديب ولده، وقال: إذا حدث خطأ من الوالد فهو بالتأكيد بغير قصد فلماذا نلزمه بالاعتذار، حتى وإن أخطأ في طريقة التربية، لا يوجد أب يتعمد إيذاء ابنه، وإن حدث فإن هذه النوعية لن تعتذر مطلقا.

أبو حنان المصري تاجر سيارات سوري يرى أن الاعتذار، سواء من الأب أو الأم، غير معيب أبداً، ولكن العيب أن تمر السنوات والطفل يكبر ونحن نعلمه أن الكبير له الحق في أن يخطئ ولا يعتذر، لأنه كبير.

وقال: للاعتذار أسلوب ووقت وكلمات معينة، فكثير من الآباء يعتذرون وهم يتوقعون أن الابن سيتقبل الاعتذار بكلمة آسف بعد أن تعرض إلى سب أو ضرب والبعض الآخر يغدق بالهدايا والخروج كتعويض، أو قد يكثر من الحديث حول خطئه وندمه فيفسد الولد، باعتقادي أن للاعتذار فنون وان درهم وقاية خير من قنطار علاج.

روحي عبيدات الخبير التربوي والنفسي يرى أنه من الواجب أن يحدث في مجتمعاتنا العربية والمسلمة هذا السلوك الغائب بحكم أن طبيعة تربيتنا أن يكون الأب مصدر التعليمات، وأنه هو المرسل والطرف الآخر يأخذ دور المستقبل.

وقال: من الصعب اعتراف الكبير بالذنب، فكل ما يفعله هو الصواب في مجتمعاتنا، ومن الممكن أن يكون الانفتاح على مجتمعات أخرى، مفيداً في هذا الجانب لتغيير ذلك.

وأضاف: الوالدان يخطئان أحياناً في حق أبنائهما، سواء من ناحية التربية أو اتخاذ قرارات من طرف واحد مثل الطلاق، والأب ينظر حينها فقط لمصلحته، ويتجاهل أن يعتذر لابنه عن خطئه، في حين أن أول من يدفع ثمن هذه الأخطاء الابناء.

وأوضح أن مجتمعاتنا تعدم هذه الوسيلة في التربية نظرا لطبيعة الثقافة، التي تربينا عليها، وقد يأخذ الموضوع نوع من المكابرة، في حين أن الاعتذار آلية واقعية، تنشأ نفسيا لدى الإنسان السوي، وأن من يتجاهله كمن يضع غشاوة على عينيه، أو يلجأ أحيانا لإسقاط خطئه على الآخرين لتفادي الاعتذار ولو بكلمة إن قالها ستكتب في أعماله الصالحة.

التربوية الإماراتية زمزم عبد العزيز النجار ترى أن ثقافة عدم الاعتذار عن الخطأ خاصة بين الأب وابنه ليست عربية، بل هي عند جميع الجنسيات حول العالم.

وقالت: الاختلاف يرتبط بالتعليم لأنك متى ما علمت أن التربية بالقدوة من الأساليب المهمة المؤثرة في الأبناء، ستدرب نفسك على أن تتحلى بهذا السلوك، وقد تلجأ لذلك بالقول أو بالفعل، ومن لا يجد سهولة في الاعتذار بالقول المباشر قد يلجأ له بغير المباشر وقد يستخدم المزاح، وقد يعتذر الأب لابنه بطريق الفعل والتراجع عما صدر منه، قد تبدو هذه العملية صعبة لكن مع التعود سيجد الأب تأثير الاعتذار واضحا وإيجابيا في سلوك أبنائه.

وتختلف د. هنادي ربحي المتخصصة في علم النفس التحليلي مع من سبقها من المتخصصين، مشددة على أنه لابد ألا يعتذر الأب، وأن ثقافة الاعتذار غربية وأن اليهودية والمسيحية تمنعان الأب نهائياً من أن يعتذر، ووافق ذلك الشرع الإسلامي الذي أعطى الأب الحق في استرداد هباته لأبنائه إن أراد ذلك ولثلاث مرات، كما أن له الحق في أن يتبرأ من ابنه إذا أصر على معاندته وعقوقه.

وقالت: هذا شرع والكل يعرف أن الابن يتبع أباه، وليس العكس مهما كان من الأب، وأمر الله الأبناء بمصاحبة الآباء بالمعروف حتى بعد مماتهم.

وترى أنه إذا صرنا نتتبع الغرب في نظرته لهذه الثقافة البعيدة عن التربية سنخرج في المجتمع أطفالاً لا يتورعون عن الحرام بسبب خلل في التربية.

وترفض ربحي أن يعتذر الأب لاسيما بعد وصول الابن لسن 14 سنة، موضحة أنه إذا كان مسموحاً أن يعتذر الأب قبل ذلك فإنه يمنع من ذلك بعد سنوات التأديب السبع التالية من عمر الابن.

ورغم هذا، ترى إمكانية أن تقوم الأم أو صديق الأب بدور الوسيط وذلك في حالات مقاطعة الآباء لأبنائهم لعقوقهم وعدم استماع المراهقين منهم بشكل خاص للنصائح.

ويرد الخبير التربوي عبد الرحمن صقر من رأس الخيمة على ذلك بقوله: مثلما يعق الابن أبويه، قد يعق الوالد ابنه، ويستطيع الأب أن يعتذر من دون الانتقاص من قدره، مثلما للأب حقوق فإن عليه واجبات، والعبرة في ذلك بالوسيلة والأسلوب والموقف الذي يتطلب الاعتذار.

وأضاف: الاعتذار قد يكون بشكل غير مباشر، واللفظي يحصل أحيانا، فعندما يجد الأب انه تسرع وضخم الموضوع بشكل أكبر من اللازم، عليه أن يعتذر.

وقال: أخطئ في حق أبنائي وأقسو عليهم، أعتذر لهم بكل بساطة وهذا لا يفقدني دوري أو يهدم هيبتي، الإنسان بطبعه متسرع في قراراته، ويخطئ ويصيب.

وأوضح صقر أن هناك أنواعاً للاعتذار منها اللفظي، أو بالابتسامة أو المصافحة أو الربت على الكتف أو الخروج مع الابن في نزهة أو هدية أو قبلة على جبينه.

وحذر من المقاطعة للأبناء واصفاً لها بأنها مرحلة متأخرة جدا في سلم العقوبات وينبغي أن تنضبط بالضوابط الشرعية فلا تزيد على 3 أيام.

الموجهة الاجتماعية عائشة الحويدي ترى أنه لا مانع من الاعتذار، مهما كان سن الابن، وانه عند الخطأ ينبغي الاعتذار بلا تفرقة بين أب وابن ولا قائد وجندي ولا مدير أو موظف.

وقالت: من الذوق العام ومن غير المعيب أن أعتذر، حتى تستمر العلاقة كأي علاقة بين أب وابنه ومن الممكن ألا يكون الاعتذار لفظياً مباشراً، بل إن له أشكالا مختلفة، ولكن عدمه غير صحي من الجانب الاجتماعي.

عارف جلفار مدير مركز الأسرة السعيدة أكد أن الأصل هو أن يعتذر الأب لابنه بخلاف السائد في الثقافة العربية، موضحا أنه عندما يحدث خلاف هذا السائد فإن الأب يكبر في نظر ابنه بل ويمنحه نموذجاً تربوياً مهماً.

وأضاف: قبل أسبوعين تحديدا حضرت حوارا بين أب وابنه يسأل فيه الأب ابنه البالغ من العمر 14 عاما عن حدث لم يخبره عنه الابن ربما أخطأ فيه عن غير قصد فيخبره الابن أنه خشي أن يعاقبه الأب بالضرب فسأله الأب منذ متى كان هذا الضرب فيخبر الابن أباه أنه ضربه قبل 4 سنوات وكان الأب ناسيا وعندما تذكر توجه فورا واعتذر لابنه وأحضر له هدية لكي يسامحه الابن عن ضربه له، وتغيرت علاقة كل منهما بالآخر إلى شكل جديد.

وأوضح جلفار أنه في العادة ما ينسى الضارب ضربه للشخص المضروب كما ينسى الظالم ظلمه للمظلوم، وينبغي عند تذكره أن يقدم اعتذاره الفوري عن خطئه في حق من أساء إليه فما البال إذا كان ذلك في حق أقرب الناس إليك وهو ابنك؟

وقال إذا اعتذر المدير لموظفه فإن أثرها سيكون أقوى مما لو حصل الموظف على عدة ترقيات متتابعة أو مجازاة الموظف ماليا.

ويرى أن اعتذار الأب لا يتعارض مع مكانته وهيبته حتى وإن وصل الابن لسن الصداقة وهو 14 سنة.

ولفت إلى أن القصد ليس الاعتذار في حد ذاته، وإنما إصلاح العلاقة وتصحيح الأوضاع الخاطئة التي ساهم فيها الأب، مشيراً إلى أن مثل تلك الوقفة تهز بشكل كبير مشاعر الابن وتجعله يقف لوالده الموقف الواجب.

ماذا لو قابل الابن هذا الموقف ببرود وأصر على عناده؟ يجيب جلفار: يجب عليّ أن أرضي ابني وأريح ضميري.

قصيدة

حسناء محمود طالبة قالت: فعلها والدي مرة مع أخي لأنه غضب منه، وبعد أن هدأ وجد أنه كان عليه ألا يغضب، فما كان منه إلا أن كتب قصيدة، تحمل اعتذاره وأهداها له، وكانت النتيجة فعّالة، إن الأب إذا أخطأ في حق أبنائه ثم اعتذر فإنه بذلك يعلمهم الاعتذار عند الخطأ، وإذا لم يعتذر فإنه يربي فيهم التكبر والتعالي من حيث لا يشعر.

حل وسط

كحل وسط قالت عبير عبد العاطي ولية أمر 3 أطفال وابنة في الوقت نفسه يمكن للوالد أن يحل المشكلة من دون اعتذار، بتقديم هدية أو رحلة لكن أن يأتي بين يدي ولده وهو منكس الرأس ودمعته في محجر العين، فهذا شيء في ظاهره طيب ولكنه لن يفيد في التربية ويعكس تأثراً بمشاهد الأفلام الغربية.

ندم حتى البكاء

محمد حمد ولي أمر يعمل في دبي قال: الخطأ ليس عيباً ولكن الاستمرار فيه هو المشكلة، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ولنكن خير الخطائين.وأضاف: دائما أعتذر لأبنائي لاسيما أكبرهم الذي تربى على عنفي معه، وفي كل مرة أضربه فيها أعود فأضمه وأتأسف له وأطلب منه أن يسامحني وهو بطيب قلب، يبتسم ويسامحني مما يجعلني أندم أكثر وأظل ابكي بيني وبين نفسي، حتى استقام أمري وتوقفت عن ضربه لأتفه الأخطاء التي كان بحكم أنه طفل يفعلها عفوياً.

وأشار إلى أن هذا الأسلوب بدأ ابنه الأكبر يتبعه مع أخيه الأصغر منه فأحيانا يأخذ لعبة تخص أخيه، مما يجعل الأخير يبكي ثم يعود فيردها له من دون توجيه ويقول له آسف.