فالإسلام وهو دين الأخلاق الإنسانية الرفيعة يفرض على المسلم أن يكون وفياً لكل من يسدي إليه معروفاً، شاكراً له ما قدم ولو كان بسيطاً، كما يحث الإنسان على رد المعروف بمعروف أحسن منه، والمكافأة على الجميل بما هو أفضل، وهذا المبدأ الأخلاقي يحث عليه القرآن الكريم من خلال قول الحق سبحانه: «وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا».
يقول د. نصر فريد واصل عضو هيئة كبار العلماء ومفتي مصر الأسبق: المسلم الحق وفي مخلص لا ينسى ما قدمه له الآخرون من صور المعروف، فهو يعترف دائماً بفضل أصحاب الفضل، ويشكر لهم، ويحرص على أن يرد المعروف بأحسن منه، فإذا ما عجز عن ذلك، فيكفيه تقديم الشكر لهم، وهذا في حد ذاته سلوك أخلاقي حث عليه الإسلام ونماه داخل كل إنسان، أما الجحود فإنه يغضب الله سبحانه وتعالى ويجلب سخط الناس، فالاعتراف بالجميل وتقديم الشكر لمن يستحق الشكر سلوك راق ومهذب، يؤكد سمو نفس من يلتزم به ويحرص عليه.. أما إنكار الجميل وجحود المعروف فهو يعبر عن سوء خلق من يفعله.
لذلك كان اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بفضيلة الشكر والاعتراف بالجميل، وهو عليه الصلاة والسلام القائل في الحديث الصحيح: «من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه».
ومن هنا ينبغي للمسلم أن يحرص على تقديم الشكر لكل من أحسن إليه من الناس، وقبل ذلك عليه أن يكون شاكرا لخالقه على ما أنعم به عليه من نعم كثيرة وخيرات وفيرة، كما يشكر والديه، لأن جحود فضلهما عقوق يجلب لمن يتورط فيه أقسى ألوان العقاب الإلهي.
شكر الخالق على نعمه
وشكر المسلم وامتنانه أولاً لخالقه ورازقه وواهبه الحياة، هو أسمى ألوان الشكر المطلوب منه للخالق عز وجل على نعمه الكثيرة، فهو صاحب الفضل الأكبر على الإنسان، الذي يطالبه القرآن بأن يشكر خالقه أولاً: «...أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد»، فالله سبحانه وتعالى منَّ على الإنسان، وأكرمه بالعقل والكرامة الإنسانية، ووفر له سبل الحياة الكريمة، وشرع ما يحفظ له دينه وعقله وكرامته، وواجب هذا الإنسان أن يشكر الله في كل وقت، وفي كل الأحوال، في السراء والضراء، ومن يفعل ذلك يجد العفو والرحمة والعون من الله.
ومن شكر نعم الله وفضله على الإنسان مد يد العون والمساعدة لكل فقير ومحتاج.. كما أن فضيلة الشكر لا تقتصر على جانب المال، وإنما تشمل سائر الجوانب الأخرى.. فإذا كان الإنسان في صحة وعافية شكر ربه عليها، وساعد الضعفاء بها، وشارك في صنائع المعروف، ومناحي الخير والبر.. وإذا كان في نعيم مادي أدى حقوق هذا النعيم مساعدة للناس، وتواضعاً معهم، منتهجا منهج الحق والعدل، فلا يجور ولا يحيد، ولا يضن بما رزقه الله به على ذوي الحاجات، ولا يستغل هذا الجاه في منفعة شخصية.. وإذا كان على درجة من العلم سعى مخلصا إلى نفع الآخرين بعلمه، وعلم غيره، وهدى الناس وأرشدهم إلى ما فيه صلاح دنياهم وأخراهم.
بر الوالدين
وبعد شكر الله والتعبير عن الامتنان لنعمه، يأتي شكر الوالدين، فهما أصحاب الفضل على الإنسان بعد الله سبحانه، فهما السبب المادي لوجود الإنسان، وهما من ربيا وأنفقا وتعبا وسهرا ولا بد أن يجدا ثمرة ما قدما برا وعطفا وحنانا من أولادهما.. أما الجحود والعقوق هنا فهو أقسى وأبشع صور نكران الجميل.. وما أبشع أن يكون الإنسان ناكرا لجميل من كانا سبباً في وجوده وقدما له كل جميل وكل معروف.
لذلك قرن الله عز وجل في القرآن الكريم الشكر له بالشكر للوالدين في قوله تعالى: «أن اشكر لي ولوالديك» وهذا يوضح لنا- كما يقول المفسرون أن ما يقدمه الوالدان من فضل لأبنائهما، وجهد كبير في تربيتهم، وعناء في توفير مقومات الحياة الكريمة لهو أمر عظيم وجدير بأن يكون قرينا لشكر الله، فالله قد خلق ورزق، والوالدان تعبا وشقيا في العناية والرعاية لأبنائهما، ولا ينبغي أن يكون الجحود والعقوق هو رد الفعل من كثير من الأبناء تجاه آبائهم كما نرى في سلوك بعض الشباب أو كثير منهم، فقد تحمل الآباء والأمهات كل المشاق من أجلهم، وسهروا على راحتهم، وأفنوا حياتهم من أجل توفير مقومات الحياة الكريمة لهم.
لذلك يستنكر د. واصل جحود الأبناء ونكرانهم لجميل آبائهم وأمهاتهم، وهو ما يظهر في واقع الحياة، حيث تتواصل صرخات الآباء والأمهات في كل البلاد العربية من عقوق الأبناء وتمردهم، فهم لا ينكرون فضلهم فقط، بل هم للأسف يسيئون إليهم بأقوال وأفعال وإهمال وعصيان وتمرد يجلب لهم غضب الله وعقابه في الدنيا والآخرة، ونسي هؤلاء الجاحدون أن أبسط صور شكر الوالدين هو البر بهما والإحسان إليهما ورد الجميل لهما بكلمات رقيقة، ورعاية دائمة، وعطف وحنان ورحمة، تكسب كل ابن ذكراً كان أو أنثى حب الآخرين وتقديرهم واحترامهم.
وعدم الاعتراف بفضل الوالدين سلوك لا يعرفه إلا كل إنسان خسيس وعقاب هذا الإنسان عند خالقه رادع، كما أن صورته في عيون الناس جميعا سيئة، لأنه يتنكر لأقرب الناس إليه، وما أقبح سلوك هؤلاء الذين ابتلاهم الله بالخسة في التعامل مع آبائهم وأمهاتهم وأشقائهم وشقيقاتهم ولا يصلون أرحامهم.
وقفة تأمل
ولأهمية شكر الناس والاعتراف بفضلهم فقد ربطه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكر الله، فقال في الحديث الشريف: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله» فهذا الحديث يلفت نظرنا إلى أن الشكر له منزلة كبيرة وأهمية بالغة لدرجة أنه إذا لم يتحقق في علاقات الناس بعضهم مع بعض، فإنه بالتالي لا يتحقق في علاقة الإنسان بخالقه، وهذا الربط بين الموقفين شكر الناس وشكر الله يحتاج منا إلى وقفة نتأمل فيها هذه القيمة المهمة ودورها في حياة الناس وخطورة التخلي عنها، لأن جحود ما يقدمه الآخرون لنا قد يثير الغضب في نفوسهم، ويقودهم هذا الغضب إلى استنكار جحود الجاحدين والرد على نكرانهم للجميل، وكم من مشكلات وجرائم ارتكبت بسبب هذا الجحود في واقع الحياة.
ويقول د. محمود حمدي زقزوق عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ووزير الأوقاف المصري الأسبق: المؤسف أن هناك كثيرين لا يأبهون بهذه القيمة، ولا بغيرها من قيم وأخلاقيات الإسلام وهذا سر فساد العلاقة بين الناس، وإذا أردنا تحسين العلاقات الاجتماعية بين الناس وتقويتها، فإن سبيلنا لتحقيق ذلك هو القيم والأخلاقيات الإسلامية، فبالرحمة والرأفة والحلم والعدل والإحسان تقوى العلاقات بين الناس، وبالشكر الذي هو مقياس الأدب والأخلاق يتضاعف التقدير والاحترام بين الناس ويقبل كل إنسان على تقديم المعروف والإحسان إلى الآخرين دون أن ينتظر منهم شكرا أو اعترافا بالجميل.. فالشكر فضيلة تجلب لصاحبها كثيرا من المنافع، ومزيدا من تقدير الآخرين واحترامهم، وهي لا تكلف الإنسان شيئاً سوى كلمة طيبة، لكن لها أثرها العميق في النفوس.
اغرسوه في أطفالكم
د. صلاح عبد السميع، أستاذ التربية الإسلامية بجامعة حلوان، يؤكد على ضرورة تربية أولادنا منذ نعومة أظفارهم على هذا الخلق الإسلامي الكريم، لأنه وغيره من الأخلاق الإسلامية يكتسب بالتربية السليمة، فالطفل يجب أن يكتسب هذه القيمة الإنسانية الرفيعة على أيدي والديه، فإذا ما ساعده أحد أو قدم له هدية أو معروفاً علمه الآباء كيف يقدم له الشكر وكيف يرد له الجميل، وكيف يكون حضاريا في التعامل معه، وهذا ما حثنا عليه الإسلام في التربية بشكل عام، فالتربية على الفضائل تحمي الصغار من كثير من الرذائل في المستقبل، والإنسان الذي يتصرف بأسلوب غير لائق ويتسبب في مضايقة أو إهانة للآخرين، إذا بادر بالاعتذار حمى نفسه من غضب وانتقام ورد فعل الذين أساء إليهم، وإذا ما قدم الإنسان معروفا لأحد وسمع كلمة طيبة رداً على ما قدمه، فإنه يشعر بالراحة والسعادة ويقبل على تكرار ما فعل مع الإنسان نفسه ومع الآخرين، لكن لو قوبل صاحب المعروف أو الإحسان بالجحود والإهمال من جانب من أحسن إليه، فإنه يتضايق من ذلك، وقد يدفعه ضيقه إلى رد ما قدمه أو الإساءة إلى من سبق وأحسن إليه، فنحن بشر والكلمة الطيبة تؤثر تأثيرا طيبا، والإهمال والجحود يولد الغضب والرغبة في رد الاعتبار.