اخترعت الرأسمالية الأمريكية ثقافة الاستهلاك وحب التميز والتعالي على الناس عن طريق الإفراط في تكلفة الإعلانات والدعاية لشتى الأفكار والمنتجات الاستهلاكية على حساب المستهلك، ثم قدمت تسهيلات الشراء بالتقسيط عن طريق البنوك حتى يشتري الجميع كل شيء، ويكونوا تحت رحمة الأقساط، ويدوروا في فلك الرؤية الاستهلاكية للمجتمع.

وتقوم البنوك الغربية بتقديم ضمانات للإقراض، وليس أموالا نقدية للمؤسسات والأفراد، بحجم مالي اكبر بكثير من حجم الأموال التي تمتلكها هذه البنوك (وهذا غير مقبول إسلاميا)، وبناء على ذلك يتم تقدير الأصول مثل العقارات بقيمة اكبر من الحقيقة فإذا حدث اي هبوط في الأسعار وتراجع في السوق (طبيعي ومتوقع تكراره مرارا) يتجه الجميع للبيع وبالتالي الإفلاس.

ومن ناحية أخرى لايمكن للجميع دفع الأقساط لأصحاب الحقوق ويأتي دور الضامن وهو البنوك التي لا تستطيع الوفاء النقدي الفعلي بكل هذه القروض.

هذا هو ما حدث بالضبط في الأزمة المالية الحالية التي تجتاح العالم، حيث وقعت الكارثة بانهيار البنوك والأسهم في جميع البورصات العالمية المرتبطة اقتصاديا، ويستحيل حدوث ذلك في الاقتصاد الاسلامى.

فلسفة الإسلام المالية

إن للإسلام له في الأموال والثروات فلسفة فريدة ومتميزة. فالملكية الحقيقية في الأموال هي لله. والناس كل الناس مستخلفون فيها ولهم ملكية مجازية اجتماعية، ملكية الوكلاء والنواب المحكومة ببنود عقد وعهد الاستخلاف - أي شريعة الإسلام - ولذلك وقفت فلسفة الإسلام في الأموال والثروات موقفا وسطا بين الليبرالية المتوحشة التي تطلق العنان لحرية التملك والتصرف في الأموال، وبين الشمولية التي تقهر فطرة الإنسان في الحيازة والاستثمار.

ولقد تحدث الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت رحمه الله عن ثمرات هذه الفلسفة المالية فقال:

فائدة المال يجب أن تعم المجتمع كله لتقضى به حاجته.. ولقد أضاف الله سبحانه وتعالى المال تارة إلى نفسه تنويها بشأنه وجعل المالكين له مستخلفين في حفظه وتنميته وإنفاقه بما رسم لهم في ذلك آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه (الحديد 7)، وآتوهم من مال الله الذي آتاكم (النور 33)، وأضافه أخرى إلى الجماعة وجعله كله بتلك الإضافة ملكا لها ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل (البقرة 188)، ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما (النساء 5). وأرشد بذلك إلى أن الاعتداء عليها أو التصرف السيئ فيها هو اعتداء أو تصرف سيئ واقع على الجميع.

من الأمة وإليها

وإذا كان المال مال الله، والناس جميعا عباد الله، والدنيا التي يعملون فيها ويعمرونها بمال الله، هي لله، كان من الضروري أن يكون المال - وإن ربط باسم شخص معين - لجميع عباد الله، يحافظ عليه الجميع وينتفع به الجميع، وقد أرشد إلى ذلك قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا (البقرة 29).

إذن المال كله ملك للأمة، تحفظه اليد المستخلفة فيه وتنميه، ثم تنتفع به. فهو منها كلها، وهو إليها كلها، وما اليد المعطية واليد الآخذة إلا يدان لشخصية واحدة كلتاهما تعمل لخدمة تلك الشخصية، لا خادم منها ولا مخدوم، وإنما هما خادمان لشخصية واحدة هي شخصية المجتمع الذي لا قوام له ولا بقاء إلا بتكافل هاتين اليدين على خيره وبقائه.

وبهذا يظهر معنى الوسطية التي حل بها الإسلام المشكلة المالية. تلكم المشكلة التي ظل بها العالم في أمسه وحاضره، يتردد بين طرفي الإفراط في الطغيان المالي والتفريط في إلغاء الملكية الفردية، وبذلك تقطعت أواصر الرحم الإنساني وسخر الأغنياء الفقراء وثار الفقراء على الأغنياء ونشبت الحروب المدمرة وأفلست دعاوى المدعين الذين يخدمون أنفسهم في واقع الأمر، ويتظاهرون بخدمة المجتمع الإنساني، وما ربك بغافل عما يفعلون.

هكذا كتب الشيخ شلتوت عن فلسفة الإسلام المتميزة في الثروات والأموال فلسفة الاستخلاف والوسطية التي تجعل الملكية الحقيقية في الثروات والأموال لله سبحانه وتعالى، فهو خالقها وواهبها ومودعها في الطبيعة وسخرها للأنام جميعا. والناس فيها مستخلفون، لهم فيها ملكية اجتماعية، بها يحوزون ويستثمرون ويستمتعون في إطار بنود عقد وعهد الاستخلاف، والتكافل الاجتماعي يجعل الأمة جسدا واحدا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء، في ظل دين رحيم يجعل وجود جائع واحد مستوجبا براءة ذمة الله ورسوله من الذين منعوا عن هذا الجائع حقه المقرر في الثروات والأموال.. هذا التكافل الذي عبر عنه الشيخ شلتوت عندما صوره في صورة فنية.. فالمال من الأمة وإليها وما اليد المعطية واليد الآخذة إلا يدان لشخصية واحدة كلتاهما لخدمة تلك الشخصية.. شخصية المجتمع.

شهادة منصفة

والذي يحدث الآن من أزمة مالية طاحنة طالت جميع بلدان العالم تنبأ به مفكرو الغرب المنصفون. ففي كتابه (نحو اقتصاد حركي ديناميكي) يقول مؤلفه سير روي هارود: إن النظام الحر لايمكنه البقاء إذا ما استمرت فئة من أصحاب رؤوس الأموال تجلس خاملة وتقوم بإقراض النقود عن طريق البنوك وتحصل على دخل يسمى الفائدة دون أن تتعرض لمخاطرة أو تبذل جهدا مبدعا، إنها تعيش على جهد المقترضين الذين يخاطرون ويبدعون ولابد من تخليص المجتمع من شرورها بتحريم سعر الفائدة نهائيا وعندها سيضطر الممولون إلى استثمار أموالهم بطرق إنتاجية مفيدة.

وعندما وقع الكساد الأعظم في عام 1929 كاد النظام الرأسمالي يتهاوى إلى الأبد تحت وطأة البطالة العامة واستيقظ الفكر الاقتصادي المنصف بعد أن برز للعيان كيف أن البنوك والمضاربات في سوق الأوراق المالية مثلت الدور الأكبر في المأساة وكان من نتيجة تلك الهزة خروج اللورد جون كينز الذي أصبح فيما بعد عميد الاقتصاديين المعاصرين على التعاليم الكلاسيكية وإعلان توبته عن تلك التعاليم وشن هجوما عنيفا عليها خصوصا على نظرية الفائدة، إذ بينما يرى الكلاسيكيون أن سعر الفائدة هو العامل الحاسم في تحديد الادخار فكلما ارتفع سعر الفائدة زادت المدخرات راح كينز يستخف بآرائهم ويقول إن سعر الفائدة لا علاقة له بالادخار، فالادخار يعتمد أولا على مستوى الدخل وعلى العادات والتقاليد والأعراف السائدة في المجتمع وإن حوافز الادخار مستقلة عن سعر الفائدة إلى أن قال (إن السياسة النقدية يجب أن تتجه دوما إلى تخفيض سعر الفائدة وان المجتمع النامي بصورة مثالية سيصل إلى حالة تصبح فيها الفائدة صفرا).

الاقتصادي الأمريكي الدكتور هنري سيمونز قال معلقا على الأزمة نفسها وما تبعها من أزمات طاحنة (لسنا نبالغ إذا قلنا إن اكبر عامل في الأزمات الاقتصادية المتعاقبة هو النشاط المصرفي التجاري بما يعمد إليه من إسراف خبيث أو تقتير مذموم في تهيئة وسائل التداول النقدي ولاشك في أن البنوك بآفة الاحتكار سوف تصاب بأزمات اشد وأقسى ومن ثم كان على الدول أن تتدخل في الأمر لتستعيد في حكمة ومسؤولية وظيفتها في ضبط أداة التداول).

بين الماضي والحاضر

أما مجلة نيوزويك الأمريكية فكتبت منذ أيام تحت عنوان أوجه التشابه بين مرحلة الكساد الأعظم عام ،1929 وأزمة الائتمان الحالية، انه على العكس مما حدث في العام ،1929 فإن الحكومة أضحت الآن أحد المكونات الرئيسية في الاقتصاد. فقد سارع المسؤولون إلى التدخل، ولو بتثاقل، لاحتواء الأزمة. وبالرغم من وجود أوجه تشابه بين ذلك الماضي المشؤوم، والحاضر الحزين، فإن ثمة تمايزاً كبيراً.

فالآن، كما حدث في السابق، اقترض الأمريكيون بكثافة، قبل الأزمة، في عشرينات القرن الماضي، لشراء السيارات وأجهزة الراديو والمستلزمات المنزلية، وفي العقد الماضي اقترض هؤلاء لشراء المنازل أو مقابل أثمان بيوتهم المتضخمة.

والآن كما هو في السابق أخذت الأزمة الناس على حين غرة، وانتشرت كالطاعون لتعم العالم كافة. لكن على العكس مما حدث آنذاك، فإن الحكومة الفيدرالية أصبحت الآن طرفا في الاقتصاد (20% مقابل 3% عام 1929)، إلى جانب أن إنفاقها على الخدمات الاجتماعية والدفاع والطرق، يوفر مزيدا من الاستقرار. وعلى العكس أيضا مما حدث في فترة الكساد الأكبر فقد هرع المسؤولون الاتحاديون إلى التحرك بسرعة، وإن كانت بخطوات متثاقلة، في محاولة لاحتواء ما يمكن احتواؤه من الأزمة. وعلى العكس من الكساد الذي سبق الحرب العالمية الثانية، فإن الكساد لم يؤد إلى آليات تصحيحية ذاتية للسوق ولا إلى سياسات حكومية لقد وجه اللوم إلى الأجواء غير المستقرة للرأسمالية، فقد سيطرت عقلية الإفراط في الاقتراض والتمادي في الاستثمار والمضاربة على الدورات الاقتصادية.

إلغاء الربا

وها هي الرأسمالية تلحق بغريمتها الشيوعية في أقل من عقدين، بعد أن خرّب النظامان الاقتصاد العالمي ونشرا الفقر والجوع والظلم في أنحاء العالم.

لم يكن ممكنا أن يستمر نظام هلامي قائم على المضاربة، غير مرتكز على أصول إنتاجية حقيقية، وعموده الفقري الربا، الذي حذرنا الله تعالى منه بأقوى تحذير (فأذنوا بحرب من الله ورسوله).

لقد أخذتهم العزة بالإثم، وتكبروا على شرع الله. فكلما اجتهد العلماء وخبراء الاقتصاد في بحث أفضل السبل لإنقاذ الاقتصاد العالمي وجدوا أن الحل الأمثل هو تخفيض فوائد البنوك لتصل إلى الصفر (أي إلغاء الربا) وتثبيت الضرائب عند نسبة 5.2% (وهي قيمة الزكاة- كما شرعها الله تعالى). فترفض توصيات العلماء ليس فقط لأنها تتطابق مع الشرع الإسلامي الذي يناصبونه العداء، ولكن أيضا لأن تطبيق النظام المالي الإسلامي يعني احترام خمسة مبادئ تتصادم كليا مع الحضارة الغربية المادية وهي؛ تحريم الربا، وتحريم بيع الغرر والميسر، وتحريم التعامل في الأمور المحرمة شرعاً (الخمر والزنا)، وتقاسم الربح والخسارة، وتحريم التورق إلا بشروط. وليس هناك من شك في أنهم يعرفون جيدا ما ورد في القرآن الكريم بشأن الربا، وعلى علم تام بالتحذير الإلهي (... فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله)، وهذا ما يحدث حاليا ليكون الجزاء من جنس العمل.. إنها معجزة.

وبالطبع فليست المعجزة في أن ينتصر الإسلام في ظل تفوق المسلمين وتقدمهم وسيادتهم على من عداهم. ولكنها تكون معجزة، وأكثر من معجزة، عندما ينتصر الإسلام في وقت تخلف فيه المسلمون، وتفرقوا، وتقطعت أوصالهم، واحتلت ديارهم، ولم يعد لهم وزن بين الأمم الأخرى.

إن أعداء الإسلام لا ينظرون إلينا نظرة سطحية؛ فهم يدركون أن الإسلام كدين، وكعقيدة وشريعة، يشكل بديلا قويا وجاهزا لحضارتهم الآخذة في الأفول، ويفهمون أن الإسلام قادر على الأخذ بيد المسلمين وعلى انتشالهم من حالة الضياع الحالية.