من أبرز الشبهات التي يثيرها خصوم الإسلام الزعم كذباً وحقداً أن تعاليم الإسلام وأحكامه لا تتضمن نظريات أو مبادئ اقتصادية تلبي الاحتياجات الحياتية للناس، وتضمن حقوقهم في شتى مجالات الحياة.
والحقيقة أن مصادر الإسلام الصحيحة وفي مقدمتها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة تضمنت قواعد وأحكاماً ومبادئ اقتصادية غير مسبوقة، تسعى إلى توفير حياة إنسانية كريمة لجميع أبناء المجتمع من دون أي تفرقة بسبب الدين أو اللون أو الجنس، أو غيرها. وتستهدف تعزيز علاقات التعاون والتكافل والتواصي بالبر والعدل والإحسان بين الناس جميعاً.
ومبادئ الاقتصاد الإسلامي وأحكامه تهدف إلى تحقيق التوازن الاقتصادي، وإذابة الفروق بين الطبقات، وتقريبها من بعضها بعضاً.
يؤكد الدكتور نصر فريد واصل مفتى مصر الأسبق أن المال والإنسان وجهان لعملة واحدة في نظر الإسلام، ولا غنى لأحدهما عن الآخر بأي حال، لأن الحياة الدنيا مع الإنسان لا يتحقق لها وجود ومظهر سليم في الواقع العملي إلا بكلياتها الضرورية الخمس، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
ضوابط الإنفاق
ويضيف: «يتحقق الاقتصاد ونظامه الشرعي في الإسلام بالإنفاق المالي في كل الوجوه المشروعة للإنتاج والاستهلاك معاً، طبقاً للمعايير والضوابط الشرعية الخاصة بكل من الإنفاق والاستهلاك الشرعي المؤيد بالنصوص الشرعية الكثيرة، ومنها قوله تعالى: «وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا»... (سورة الفرقان: 67)، وقوله تعالى: «وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا»... (سورة الإسراء: 29) وتنظم الشريعة الإسلامية الأحكام العملية للنظام الاقتصادي الإسلامي، وذلك من خلال نصوصها التشريعية المدونة في الكتاب والسنة».
ويجزم الدكتور واصل بأن النظام الاقتصادي الإسلامي يحقق المساواة في المعاملات المالية والاقتصادية بين الناس جميعاً في كل زمان وفي كل مكان في إطار تحقيق وتطبيق شريعة الإسلام والالتزام بها عقيدة وعملاً بالنسبة للجميع.
ويقول: «لا يقصد بالمساواة في شؤون الاقتصاد أن يكون الناس سواسية كأسنان المشط فيما يملكون، وفيما ينعمون به من متع الحياة المادية، لأن هذا المعنى لم يتحقق في أي عصر، ولا في أي مجتمع، ولا يمكن أن يتحقق في مستقبل النوع الإنساني، إذ يستحيل تصوره من الناحية العقلية.
فما دام الناس لم يخلقوا على غرار واحد، بل فطروا مختلفين في مواهبهم وكفاياتهم وقدراتهم الجسمية والعقلية، وفيما يستطيع أن يحققه كل منهم لنفسه ولغيره من منفعة، فإنه لا يتصور أن تتحقق بينهم المساواة الاقتصادية بالمعنى السابق.
ويقصد بالمساواة في شؤون الاقتصاد أن يكون هناك من النظم ما يحقق تكافؤ الفرص بين الناس في النواحي الاقتصادية، وتذلل لكل فرد سبل الحصول على المال، ويعطى كل مجتهد جزاء اجتهاده من ثمرات الحياة الدنيا.
الملكية الفردية
ويلفت الدكتور واصل إلى أن الإسلام يقر الملكية الفردية، ويذلل أمام الفرد سبل التملك والحصول على المال، ويفسح المجال أمام المنافسة الشريفة، والعمل على التفوق، وبذلك يحقق تكافؤ الفرص بين الناس في هذه الميادين.
ويحيط الإسلام الملكية الفردية بسياج قوي من الحماية، كما تدل على ذلك الحدود والعقوبات الدنيوية والأخروية التي يقرها لمختلف أنواع الاعتداء على الملكية، كالسرقة وقطع الطريق والغصب ونقل حدود الأرض، فيقرر الإسلام عقوبة قطع اليد في السرقة، قال تعالى: «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»... (المائدة: 38).
ويوضح أنه في سبيل حماية الملكية الفردية يجيز الإسلام للمالك أن يدافع عن ملكه بكل وسائل الدفاع حتى لو ألجأه ذلك إلى قتل المعتدي، وفي هذه الحالة، لا قصاص عليه، وإذا قتل هو يموت شهيداً، وفي هذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «من قتل دون ماله فهو شهيد»... (رواه مسلم والترمذي).
حماية حقوق العامل
ولما كان الإنتاج لا يتوقف على رأس المال المُمثل في الملكية فحسب، بل يتوقف كذلك على العمل الإنساني، ولما كان فقراء الناس لا يملكون إلا قواهم الجسمية والعقلية، وليس لهم من رؤوس الأموال إلا ما يستطيعون بذله من مجهود، فقد أحاط الإسلام حقوق العامل بحماية لا تقل في قوتها عن حمايته للملكية ورأس المال، وخصوصاً حقه في ملكية أجره، فهو يدعو إلى الوفاء به، وينذر من يجور عليه من أصحاب العمل بحرب وخصومة من الله، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه في الحديث القدسي عن ربه عز وجل: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعط أجره»... (رواه البخاري).
ويدعو كذلك إلى التعجيل بأداء الأجر، وفي هذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»... (رواه ابن ماجه).
ويطبق الإسلام هذه المبادئ على جميع أنواع العمل المباح، سواء في ذلك الأعمال الجسمية، أو الأعمال العقلية، أو أعمال التنظيم والإدارة.
وأجاز الإسلام لولي الأمر نزع الملكية الفردية والانتفاع بها لجميع الناس أو لبعض طبقات منهم إذا اقتضت ذلك حاجة المرافق العامة، أو اقتضته مصلحة الجماعة. ويجيز الإسلام كذلك لولي الأمر تخصيص الملكية الجماعية، وتقييد الانتفاع بها، إذا اقتضت ذلك المنفعة العامة.