انتقلت الأزمة السودانية بسلاسة تحسد عليها من الانتخابات إلى نتائجها، ومن الحديث عن النزاهة إلى دعاوى التزوير، ومن الانتظار والترقب إلى الاتهامات والمواجهة . فاز الرئيس عمر البشير وصحبه في حزب المؤتمر الوطني بكل شيء رئاسياً وتشريعياً وولائياً رغم أن هذا التقرير يعد قبل يوم من الإعلان النهائي لنتائج الاقتراع لكن التأكيد بفوز الوطني لا يحتاج إلى انتظار، ففرز وعدّ بطاقات الانتخابات خلال الأيام الماضية كاف للقطع بهذا الفوز، وهو فوز كاسح ونادر وغريب . كاسح لأن أعلى صوت لمعارضي البشير، لم يتجاوز الرقم ،50 بل إن البطاقات التالفة في إحدى الدوائر الانتخابية كان عددها أكثر من بطاقات أقرب منافس للبشير، ونادر لأنه حتى نسبة 99،9 في المائة الشهيرة لا تصلح كمعيار في هذه الانتخابات التي عدت الأكثر جدلاً خلال العقد الحالي، أما الغرابة فتأتي في المد والجزر الذي مارسته الأحزاب السياسية قبل وأثناء وبعد الانتخابات، وفي تغيير المواقف والانتقال من عقيدة سياسية إلى أخرى، ومن مقاطعة إلى مشاركة إلى انسحاب خلال فرز الأصوات .
الغرابة تأتي من أن الانتخابات التي واجهت عواصف كثيرة ومهددات عدة قبيل موعدها، جرت بهدوء مريب دون عنف يرتقي إلى التكهنات ومن دون مصادمات ترتفع إلى مستوى تحليلات السياسيين، وهي ريبة لم تجعل من توقعات المراقبين والتقارير الأمنية والاستراتيجية التي شكلت زخماً كبيراً، سوى معبر إلى مرحلة أخرى انتقلت إليها بذات السلاسة الأزمة باحتقانها وترقبها للعنف والمواجهات . ومثلما يتحدث السياسيون بدبلوماسية ولا يقولون شيئاً، جرت الانتخابات السودانية بطريقة ما ولم تفعل سوى العودة إلى مربع ما قبلها . فقد نفضت الأحزاب الغبار عن مطالبها القديمة واتهاماتها التي ضاعت في زخم إجراء الانتخابات، وإعادتها أكثر قوة كأنما استمدتها من الانتخابات نفسها .
والانتخابات التي أقرتها اتفاقية نيفاشا للسلام قبل خمس سنوات كان ينظر لها كطائر الفينيق الخرافي، بعيد المنال، لكن زرقاء اليمامة السودانية رأتها منذ شهر مايو/ أيار الماضي، ومع ذلك لم يصدق تلك الرؤية سوى حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وظل الآخرون يغالطون ويأملون، حتى أتت الانتخابات وجرت وانتهت وعاد الجميع إلى المربع الأول، حيث واصل البشير وأركان حزبه جلوسهم في سدة الحكم، لكن هذه المرة بالانتخاب، الذي أضفى عليه مراقبون دوليون وإقليميون، ووسائل اتصال ودعاية، شرعية نادرة .
يجزم كثيرون بأن انتخابات إبريل هي طبخة أمريكية خالصة، استخدمت فيها أدوات وأيادي الآخرين ولم يظهر الطعم السكسوني حتى في مائدة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الذي راقب فريقه الانتخابات وصال وجال في ولايات السودان المختلفة، لينال حظه من هجوم لاذع واتهامات المعارضة، لدرجة أن رئيس الوزراء الأسبق زعم ومرشح الرئاسة لحزب الأمة القومي الصادق المهدي وصفه بأنه شاهد ما شافش حاجة .
وتتلخص الطبخة الأمريكية، كواحدة من إفرازات هذه الانتخابات، في أن أمريكا انتقلت من المواجهة الحادة مع السودان لتحقيق أطماعها وأجندتها، إلى اللعب الهادئ والشرعي لتحقق ما أرادت بالانتخابات، ولم يعتدّ كثيرون بتراجع كارتر ومنظمات رقابة غربية أخرى من الإشادة إلى تخفيف الرضا الغربي بالقول إنها انتخابات لا ترقى إلى مستوى المعايير الدولية، لكنها مع ذلك تصلح كنموذج للعالم الثالث والإفريقي، بل هي أفضل من مثيلاتها في بعض دول أمريكا اللاتينية .
والطبخة بأسانيدها الضعيفة أو القوية، تدخل في باب الممكن وفقاً لما جرى في الأسبوعين الماضيين، سوى أن كل ذلك يتناقض ويتقاطع في إطار مجريات الأحداث، فأمريكا التي رفعت تقارير وتحليلات عديدة من أسهمها كضامن وراغب قوي في وحدة الجنوب والشمال، لاعتبارات كثيرة، ليس من بينها، حبها للسودان والسودانيين، عادت الاتهامات ووصمتها بالممول الرئيس لحملة انفصال الشمال عن الجنوب، لتستفرد بدولة الجنوب الوليدة والغنية بالنفط، وجارتها دارفور الغنية بالمعادن، وتوسطها لحلقة دول إفريقية تنازع للخروج عن الطوق الأمريكي . وشكل مرور أيام الاقتراع ونتائجه داعماً لتلك الرؤية خاصة بعدما قدم حزب البشير عرضاً سخياً للأحزاب لمشاركته في الحكومة الجديدة، الأمر الذي عد ترضية للمعارضة من أجل استمرار الهدوء السياسي للطبخة الأمريكية نحو انفصال الجنوب، وحتى تأكل حكومة الجنوب طبق الانفصال على طاولة الاستفتاء بشهية أمريكية، غير أن البعض الآخر عد الدعوة عزومة مراكبية حيث تمضي مراكب المؤتمر الوطني نحو تحقيق أهدافها وهي تلوح للمعارضة بالركوب معها، بينما عدها البعض دعوة سخرية لهوان بطاقات المعارضة في صناديق الاقتراع .
وكما أن المشهد السوداني يخضع لتحليلات متباينة ومتنافرة في أحايين كثيرة، يشهد كذلك توقعات متقاربة في بعض الأحيان، فقد حظيت انتخابات إبريل، بحصيلة تعبيرية نادرة، تمجدها وتعظمها وتشيد بها كأنها أعجوبة الزمان، بنفس القدر الذي حظيت بازدرائها وإلصاق تهم التزوير والتزييف، وكل ذلك إما بلسان أعجمي، أو عربي مبين . فالمراقبون الدوليون الرسميون كانوا حضوراً، والمنظمات الدولية والإقليمية تمركزت منذ فترة، والآلة الإعلامية الضخمة كانت أكثر حضوراً، حيث سجل توافد مئات الصحافيين لتغطية الانتخابات، فضلاً عن نظرائهم المحليين . وعبر الاتحاد الإفريقي عن ارتياحه لإجراء الانتخابات بصورة (سلمية) في السودان، بالرغم من المشاكل الإدارية واللوجستية، وهنأت الأمم المتحدة شعب السودان والأحزاب السياسية السودانية لإجرائها الانتخابات التعددية بصورة سلمية . واعتبرتها مرحلة أساسية في التحول الديمقراطي . ولم توفر جامعة الدول العربية قاموسها السياسي لمدح الانتخابات وأكدت أن مراقبيها وجدوا كل تعاون، وأكدوا أن الانتخابات جرت بسلاسة ويسر نتيجة الأجواء الأمنية الهادئة وبنسبة إقبال كبيرة رغم المفارقات التي لاحظتها والتي لا تقدح في ذمة نتيجة الانتخابات . وأعربت البعثة عن ارتياح عام تجاه الجهد الضخم الذي بذلته المفوضية القومية للانتخابات وتستحق عليه الشكر والتقدير، وقال السفير صلاح حليمة كبير مراقبي البعثة إن الانتخابات التي جرت أفضل من مثيلاتها في الدول المجاورة، وأن ما صحبها من مظاهر القصور الفنية واللوجستية يمكن تفاديها في المستقبل، ونفى حليمة وجود تزوير في أي من المراكز التي قامت بعثة الجامعة العربية بزيارتها ومراقبة سير الانتخابات فيها .كما وجد تقرير البعثة الأوروبية إشادة من المفوضية القومية للانتخابات المتهم الأول من قبل المعارضة، وقالت إنه إيجابي وفيه الكثير من العدالة . وقللت المفوضية من مقارنة الانتخابات بالمعايير الدولية، دون مراعاة الواقع السوداني، وأكدت أن الإحصاءات التي وصلت للمفوضية تشير إلى أن نسبة المشاركة في الاقتراع تتجاوز ال 60 في المائة .
تخندق المعارضة
المعارضة السودانية شدت الحزام، فور بدء إعلان النتائج، وعادت للتخندق في موقف واحد، هو عدم الاعتراف بنتائج هذه الانتخابات والمطالبة بإعادتها برمتها قبل أن يجري الاستفتاء على فصل أو بقاء الجنوب موحداً مع الشمال . وأعلن حاتم السر مرشح الحزب الديمقراطي لرئاسة السودان رفضه التام وعدم اعترافه بنتائج الانتخابات الرئاسية بالبلاد، وما يترتب عليها من خطوات لاحقة لأنها غير نزيهة ولا تعكس التمثيل الحقيقي لأهل السودان، كما أنها لا تعبّر عن إرادة الجماهير، مؤكداً تمسكه بالخيار الديمقراطي كآلية للتداول السلمي للسلطة عن طريق الانتخابات، على أن يتم مراجعة جميع الأخطاء التى صاحبت العملية الانتخابية ومعالجة التعقيدات التي أفسدتها، ويتم العمل مستقبلاً على فصل عملية الانتخابات الرئاسية والولائية والتشريعية من بعضها .
الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي كال بعبارات سياسية من الوزن الثقيل للانتخابات ونتائجها، وحذر الحكومة التي ستفرزها الانتخابات الجارية، من مغبة خمس مشكلات ستواجهها، متمثلة في احتمال قيام دولة عدوانية في الجنوب إثر الاستفتاء المقرر في يناير/ كانون الثاني القادم، وتجدد أزمة دارفور بسبب رفض الحركات الدارفورية المسلحة نتائج الانتخابات، إلى جانب تجدد قضية المحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس البشير، وبروز مشكلات أخرى مرتبطة بالحريات والاقتصاد، وطالب بحل أزمة دارفور، وإجراء انتخابات جديدة بعيد قيام الاستفتاء على حق تقرير الجنوب في يناير 2011 .
الترابي ينعى الانتخابات
وحتى حزب المؤتمر الشعبي بزعامة حسن الترابي، الذي تصدى وحيداً لمنافسة حزب المؤتمر الوطني وخاض الانتخابات، عاد ورفض نتائجها بعدما اتضح أنه لن ينال فيها نصيب العصفور، حيث حرم الترابي من نسبة ال 4 في المائة التي تؤهل حزبه لدخول البرلمان، وقال الترابي في مؤتمر صحافي إنه ينعى تلك الانتخابات، ولن يشارك أي من عناصر حزبه إذا ما فاز فيها . واعتبر أن كل ما يترتب على هذه الانتخابات لن يجد القبول منا أو الاعتراف به، مؤكداً رفض حزبه لكل العملية الانتخابية بمجملها . وقال إن حزبه لن يشارك حتى على مستوى الدوائر المعادة، مشيراً إلى قرب انفصال الجنوب بعد عودة وجوه المؤتمر الوطني ذاتها وسياساته عبر الانتخابات .
وأرجأت الحركة الشعبية قرارها إلى حين انعقاد اجتماع للمكتب السياسي ورهنت مشاركتها في الحكومة الجديدة بمعرفة الأوزان للقوى التي ستشارك في تلك الحكومة، وقالت إنها تحتاج إلى حكومة قومية وليست ذات صبغة لحزب واحد وأيديولوجية واحدة لتنفيذ الاستفتاء لتقرير مصير الجنوب وحل أزمة دارفور والتحول الديمقراطي الحقيقي .
كذبة إبريل
وأعلنت قوى إجماع جوبا رفضها القاطع لنتائج الانتخابات وعدم التعامل معها، وقال القيادي فاروق أبو عيسى إن التحالف اتخذ موقفاً موحداً إزاء رفض نتائج الانتخابات وعدم التعامل معها إلا باعتبارها أمراً واقعاً، مشيراً إلى أنها مزورة من الألف للياء . واشترط قيام حكومة قومية، والاتفاق على برنامج وطني يحل قضية دارفور ويتعامل بجدية مع الديمقراطية إلى جانب إعادة إجراء الانتخابات عبر مفوضية وقانون انتخابات جديدة .
مراقبون متفرقون اعتبروا الانتخاب كذبة إبريل وصب زيت على أزمة السودان، وأن الحل الوحيد هو إجراء حوار وطني عميق، بينما رأى آخرون أن المشكلات اللوجستية والإدارية والأخطاء الفنية التي تسببت بها المفوضية القومية للانتخابات هي التي أطاحت بشرعية الانتخابات، وقد ثار جدل كثيف حول أهلية أعضاء المفوضية، وتلقت المفوضية هجوماً لاذعاً أكثر من الانتقادات التي واجهتها قبل الانتخابات، بل إن قيادياً في حزب المؤتمر الوطني اعتبر المفوضية طعنة في خاصرتهم شوهت طعم الفوز . وذكر بيان لشبكات مراقبين أن استعراض شامل للتقارير الواردة من مراقبيها الذين زادوا على الأربعة آلاف كشف عيوباً وأخطاء أساسية منها، أن الانتخابات قامت على إحصاء سكاني مختلف عليه صاحبته اتهامات بالتلاعب، واستحالة التأكد من صحة أسماء الناخبين ولم تقم المفوضية بجهد لمعالجة المشكلة، وعدم نشر السجل الانتخابي في وقت مبكر حتى تتم مراجعته من قبل الأحزاب والمراقبين، كما وخلت الكشوفات المنشورة من ختم المفوضية مع اختلاف هذه الكشوفات عن تلك التي اعتمدتها مراكز الاقتراع وسيطرة الحزب الحاكم على أجهزة الإعلام الرسمية من دون أن تتمكن المفوضية من تصحيح ذلك الخطأ، ووصول المواد والمعدات متأخرة إلى مراكز الاقتراع في معظم أنحاء السودان، واختلاف الأسماء بين السجل المنشور والسجل المستخدم للتصويت، وسقوط أسماء ورموز مرشحين واختلاط أسماء الناخبين بين الدوائر واستبدال بطاقات الاقتراع .
ونتيجة لكل تلك العيوب انعدمت معايير الانتخابات الحرة والنزيهة ما أدى إلى فساد العملية الانتخابية . واعتبر بيان شبكات منظمات المجتمع المدني أن الناخب السوداني لم يتمكن من التعبير الحر عن إرادته واختياره لممثليه، وأن مفوضية الانتخابات قد فشلت فشلاً ذريعاً من الناحية المهنية والأخلاقية في إدارة انتخابات حرة ونزيهة رغم ما أتيح لها من إمكانات مالية ودعم فني مقدر .
هل نجح السودان؟
والسؤال هو هل نجحت الانتخابات السودانية بعد ربع قرن، في إرساء دعائم الديمقراطية والخروج بالسودان من نفقه المظلم؟ الاستقطاب سيعود بشكل أقوى وربما أعنف بين الحكومة والمعارضة، وهو ما عبّر عنه زعيم حزب الأمة المعارض الصادق المهدي، بأن الانتخابات التي جرت ستقود إلى خيارين: أن يتعامل الفائزون باعتبار أنهم مفوضون شعبياً ويطبقون برنامجاً حزبياً ضيقاً ويتجاهلون المقاطعين ما يؤدي إلى مواجهة بين الطرفين، أو أن يعترف الفائزون بالجسم السياسي في خارج المؤسسات ويسعون للتفاهم معهم .
ويتفق كثيرون مع المهدي في أن الانتخابات الحالية لن تقود إلى تحول ديمقراطي كامل وأن الخلاف حول نتائجها يمكن أن تكون ضحيته الحريات وحقوق الإنسان . وبما ان الحل الأقرب إلى الأذهان للخروج من أزمة مابعد الانتخابات، هو انتخابات أخرى أكثر نزاهة قبل أو بعد استفتاء الجنوب وتسوية أزمة دارفور، إلا أن تصريحات نسبت للرئيس عمر البشير رافضة لدعوة حزبه المعارضة للمشاركة في الحكومة الجديدة تكشف أن تلك الحلول غير واردة، فالبشير وقطاعات كبيرة ترى أن المعارضة التي قاطعت ولم تشارك في الانتخابات لا يحق لها الدخول في حكومة منتخبة وهو ما يعتبرونه خداعاً وتخذيلاً للناخب السوداني .
أكثر المتفائلين لا يرى أن تنقل انتخابات إبريل السودان من حالة الصراع والنزاع حول السلطة والثروة الى الاستقرار السياسي . يقول مراقب ان العقل الباطن لأحد رموز المؤتمر الوطني تحدث كاشفاً عن أن كل ما يجري الآن متفق عليه منذ توقيع اتفاقية السلام قبل سنوات خمس مضت، وأن قطبي الاتفاقية المؤتمر الوطني والحركة الشعبية يهرولان الآن لوضع حمل الاتفاقية الثقيل عن كاهليهما بإجراء الاستفتاء وفصل الجنوب وانفراد كل منهما بحكم دولة في الشمال وأخرى في الجنوب .
ربما اليوم أو غدا أو بعد حين، يؤدي الرئيس الجديد للسودان اليمين الدستورية ويزاول مهامه وتدخل البلاد في حقبة جديدة، لا يعرف إلا قليلون مآلاتها، بينما يبقى الكثيرون في انتظار تحقيق الوعود التي أطلقت للناخبين من صحة وتعليم وتنمية وعدالة واستقرار وإزالة الفقر، وهي أحلام طائرة حتى انتخابات أخرى ربما.