د . خضر عباس عطوان 
د . إسراء علاء الدين نوري
شهد العراق في 30 إبريل/ نيسان الماضي، رابع انتخابات نيابية، وتكمن أهميتها أنها جاءت في ظرف يحتاج العراق والعراقيون إلى الخروج من شرنقة المحاصصة والتوافقية، والاتجاه صوب الأغلبية السياسية، إلا أن ما يطرح اليوم هو التساؤل عما إذا كانت النتائج ستكافئ الوسيلة .
لدى كتابة هذه المقالة كانت النتائج الأولية للانتخابات بدأت بالظهور، إلا أن قراءة للظرف الذي جرت الانتخابات فيه، وهو الانقسام الاجتماعي والسياسي، يجعل من النتائج النهائية، المؤمل ظهورها نهاية مايو/ أيار الحالي، تكاد تكون شبه محسومة في نتائجها العامة، بسبب خصوصية الدوائر الانتخابية التي تم اعتمادها .
ومما لا يمكن إنكاره، أن حدود التقسيم العرقي والطائفي والسياسي الذي يعيشه المواطن العراقي شبه واضحة، بفعل عوامل عدة، وما يلاحظ أن العراق قد قسم إلى (18) دائرة انتخابية بشكل ساير حدود التقسيم العرقية والطائفية، ومن ثم فإن أي قراءة للنتائج، لا تبتعد عن توقع حصول ائتلافات على أغلبية المقاعد ال320 تقريباً، كونها الأقرب إلى ميول الناخب في تلك الدوائر، أما نتائج الدائرة الوطنية التي قوامها (10) مقاعد تعويضية، فإنه لا يتوقع أن تؤثر في النتائج أعلاه . أما ما قامت به الحكومة والجماعات المتطرفة من عدم استقرار في بعض مناطق بغداد وديالى وبابل والموصل لحرمان العرب السنة من المشاركة ووصول تمثيلهم للنسب الطبيعية، فإن ذلك لا يتوقع أن يغير كثيراً من النسب .
منذ العام ،2004 لم يعد تشكيل أي حكومة في العراق خاضع لاعتبارات وطنية، إنما هناك عوامل إقليمية ودولية، في ضوء تقاطع الرؤى التاريخية والعقائدية والعرقية والمصلحية، هذه العوامل هي من يصيغ عملية تشكيل الحكومات المتعاقبة، والملاحظ، أن العوامل الوطنية هي الأضعف، من بين كل العوامل الضاغطة على المشهد السياسي .
وإذا ما أردنا معرفة اتجاهات تشكيل الحكومة القادمة، فإن علينا رصد ما يمكن أن يؤثر فيها، وهو لن يتجاوز تأثير عوامل، أهمها:
1- نصت المادة (70) من الدستور على آلية محددة لاختيار رئيس الجمهورية، فبعد اجتماع مجلس النواب، ومع إعلان النتائج النهائية والمصادقة عليها يتم اختيار رئيس الجمهورية من بين المرشحين بأغلبية ثلثي عدد اعضاء المجلس (م70/ أولاً)، أي (220) صوتاً كحد أدنى، وإذا لم يتحقق ذلك يتم اختياره من بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات الأغلبية (م70/ ثانياً)، أي (165) صوتاً كحد أدنى . وطالما أن أي ائتلاف من الائتلافات الموجودة غير قادر وحده على الحصول على أي من النسبتين السابقتين، فهذا يفرض تشكيل تحالفات جديدة، تستطيع ضمان أي من النسبتين السابقتين .
2- تشكيل الحكومة يتوقف على تشكيل ائتلاف يستطيع الحصول على أغلبية بمباركة كل من الولايات المتحدة وإيران، فإيران تعمل لضمان أن تصل إلى حكم العراق قوى أو ائتلاف صديق لها . أما الولايات المتحدة فتريد ممن يحكم العراق أن يوفر إدامة لمصالحها، والقدرة على ضبط الشارع .
3- إن التحالفات المحتمل ظهورها في ضوء علاقات الصراع الداخلية، والتأثيرات الخارجية، لن تتجاوز الآتي:
أ-ائتلاف دولة القانون، بتحالفه مع ائتلاف المواطن والكردستاني، ضمن سقف (190- 200) مقعد تقريباً، واحتمالات تشكله واردة، كونه يركز الحكومة بيد القوى الصديقة لإيران وإقصاء للعرب السنة، أما موافقة الأكراد فهي تتوقف على حصولهم على تنازلات متعلقة بكركوك، وفي الموصل وديالى، وفي تصدير الثروات النفطية . أما موافقة ائتلاف المواطن فيتم ضمانه من خلال عاملين: إيران، وتقديم حقائب وزارية مغرية مقابل انخراطه بتشكيلة الحكومة التي يقودها ائتلاف دولة القانون، وربما يضطر "دولة القانون" لاستبدال مرشحه لمنصب رئيس الوزراء ب(طارق نجم)، مدير مكتب المالكي ومفاوضه الشخصي؛ كونه الأكثر قبولاً من أطراف هذا الائتلاف ومن مرجعية النجف ومن إيران، أما موافقة الولايات المتحدة على هذا التحالف فهي واردة .
ب-ائتلاف دولة القانون، بتحالفه مع الائتلاف الكردستاني وقوى صغيرة (ائتلاف د .الجعفري، والعربية)، فيجمع أغلبية (165) صوت تقريباً، وسيكون المالكي متحرراً من ضغط الشركاء الشيعة في تحالفه، إلا أن عليه أن يقدم تنازلات كبيرة لشركائه الأكراد بقبول مطالبهم الجغرافية والنفطية والسياسية، وتقديم تنازلات لمجموع القوى الصغيرة المنخرطة بعلاقة التحالف معه فيما يتعلق بتسويات مالية ومناصب شخصية؛ أو استبدال نوري المالكي كمرشح لمنصب رئيس الوزراء بآخر يحدده ائتلاف دولة القانون .
ج-ائتلاف المواطن، مع الصدريين والكردستاني و(إما متحدون أو العراقية أو كليهما)، وسيحصل على ما بين 165- 170 صوتاً تقريباً، وأهم ما فيه بقاء رئاسة الوزراء بيد القوى الصديقة لإيران، ويتوقع أن يتولى المنصب: عبدالحسين عبطان، أو عادل عبدالمهدي (ائتلاف المواطن)، أو علي دواي (مرشح التيار الصدري) . وهذا الائتلاف سيسعى لتشكيل حكومة ذات تمثيل سياسي واسع مقابل اقصاء حزب الدعوة، وبالمقابل عليه أن يرضى بتقديم تنازلات قد تعتبرها إيران جسيمة للقوى المتحالفة، وأهمها: مطالب الأكراد، ومطالب ائتلاف العربية بإعادة النظر ببعض فقرات الدستور، ومطالب ائتلاف العراقية بتفعيل إنشاء مجلس السياسات (كإطار منظم ومشرف للسياسات الأمنية والاقتصادية في البلاد)، ومطالب "ائتلاف متحدون" بإخراج المعتقلين السنة من السجون وتلبية مطالب المتظاهرين .
إن أياً من الائتلافات أعلاه لا يتوقع أن يحصل على أغلبية تتيح له تشكيل حكومة، وهذا يفرض عليه أن يأتلف من جديد مع غيره، وهو أمر يعطي تصورات محددة، أهمها:
1- العراق منقسم سياسياً-اجتماعياً، بشكل حاد، غير قابل للعلاج، والأكثر منه أن كل مكون اجتماعي عرقي وطائفي يتنافس على تمثيله مجموعة من القوى، على نحو لن تتحقق فيه أغلبية، فالشيعة بتكويناتهم القومية يشكلون 55% من الشعب، والأكراد بتكويناتهم المذهبية قرابة 15% والعرب السنة قرابة 25% وبقية التكوينات الأخرى قرابة 5% . وهذا الانقسام ينعكس على أي تمثيل واي خيار للمواطن .
2- ما زالت الوطنية العراقية في أضعف مستوياتها، فالقوى السياسية المتشكلة تقوم على أسس محددة: عرقية (القوى الكردستانية)، وطائفية (القوى الإسلامية)، وشخصية (ائتلافات العراقية والعربية وائتلاف د .الجعفري) . والائتلافات التي دخلت الانتخابات أنها ليست كياناً واحداً فهي تشكيلة متعددة من أشخاص ومصالح تستخدم اسم الكيان للوصول إلى مقاعد مجلس النواب، بسبب اعتماد نظام انتخابي يشجع على وجود تعددية لا تلائم الحالة العراقية، وهذه الكيانات لن تستطيع تأمين ال(165) مقعداً اللازمة لتحقيق أغلبية منفردة كافية لتشكيل الحكومة، لهذا عليها البحث عن تحالفات جديدة .
3- إذاً، سيعود العراق بشكل غير مخطط لإعادة إنتاج المحاصصة والتوافقية، فالائتلافات الفئوية ستوافق على تمرير تشكيلة الحكومة ظاهرياً، مقابل تسويات تتعلق بالمناصب السياسية والإدارية التنفيذية .
بمعنى آخر، إن نتائج الانتخابات لا يتوقع أن تحقق فرض التغيير الذي تم الانطلاق منه، كون النظام الانتخابي غير ملائم لتحقيق معنى التغيير، وما حصل إنما هو نتيجة لوجود قناعة ثقافية تتوخى الاستمرار مع القديم بكل سلبياته على التعامل مع جديد لا يعرف عنه أي شيء .

* أستاذ مشارك، دكتوراه فلسفة سياسة دولية (جامعة النهرين)
* أستاذة مساعدة، دكتوراه فلسفة سياسات عامة، جامعة النهرين