نواكشوط - من المختار السالم:
وأخيراً وبعد سنتين من التأجيل والانتظار، أصبحت لموريتانيا خارطة انتخابية جديدة، فيما لا يتوقع أن تأخذ الخارطة السياسية شكلاً نهائياً قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في يوليو/تموز المقبل .
وكشفت صناديق الاقتراع في الشوط الثاني من الانتخابات النيابية والبلدية، الذي جرى يوم السبت الماضي (21-12-2012)، عن النتائج النهائية للعملية الانتخابية التي استغرقت شهراً، وسط تنافس غير مسبوق بين القوى المشاركة، واتهامات متبادلة بشراء الذمم والتأثير في الناخبين بطرق غير شرعية .
مرت العملية الانتخابية بسلام رغم أن نتائج الشوط الأول أدت إلى تظاهرات حاشدة في أغلب مدن البلاد تعبيراً عن رفض النتائج المعلنة، واتهام لجنة الانتخابات بالتزوير والانحياز للحزب الحاكم .
هذه التظاهرات الرافضة لنتائج الانتخابات مشهد يتم رصده لأول في تاريخ المسلسل الديمقراطي في البلاد . ونتج أساساً عن الضعف الذي أبدته طواقم لجنة الانتخابات في تسيير الشوط الأول وطريقة فرز الأصوات وإعلان النتائج الذي استغرق أسبوعين بدل أقل من 24 ساعة، كما كان معهوداً منذ أول انتخابات تعددية عام 1986 .
لأول مرة في الانتخابات الموريتانية تعلن اللجنة مرشحين فائزين ثم تتراجع في اليوم التالي وتعلن خصومهم بدلاً منهم، ولأول مرة في هذه الانتخابات يحسم حزب سياسي دائرة انتخابية وتذاع رسمياً ثم في اليوم التالي يعلن "التصحيح" ويذهب الحزب إلى الشوط الثاني أو يخرج من الانتخابات لمصلحة حزب آخر .
أديرت العملية الانتخابية الموريتانية من طرف "طاقم من المسنين"، وفق تعبير المعارضة، لم يستطع مواكبة العمليات الانتخابية المتعددة (أربعة اقتراعات متزامنة)، وبطاقات تصويت قد تصل لوائح الأحزاب عليها قرابة الستين حزباً .
هذا جزء من "رأس جبل جليد العجز"، الذي أظهرته لجنة الانتخابات، المعينة باتفاق سياسي بين النظام والمعارضة المعتدلة، وهو ما سجلته كل الأحزاب المشاركة بما فيها الحزب الحاكم نفسه، فضلاً عن أكثر من ثلاثين حزباً سياسياً من الموالاة طالبت بإلغاء الانتخابات وعدتها مزورة .
الآن ثمة معطيات أصبحت أمراً واقعاً بفعل الانتخابات الجديدة، التي ستفرض حتماً إجراء تغييرات كثيرة على الأقل في طلاء الواجهات إن تعذر تغيير الديكور نفسه .
كما توقعت "الخليج"، أكثر من مرة في وقت سابق، تصدر الحزب الحاكم (الاتحاد من أجل الجمهورية) نتائج انتخابات النواب والمجالس البلدية بفارق كبير عن أقرب منافسيه، فحصد الحزب 74 نائباً من أصل 147 نائباً هي عدد مقاعد البرلمان في البلاد، كما حصد أكثر من 70% من المجالس البلدية في البلاد .
يمكن للحزب الاحتفال بالفوز الذي حققه، وإن كان، وفق المتابعين، فوزا بطعم الهزيمة، فالحزب الذي "تسلم" كل الإمكانات لهزيمة خصومه بسهولة، فاز بشق الأنفس وبأغلبية بسيطة، وبأدنى نسبة يفوز بها حزب حاكم في تاريخ البلاد، وكل ذلك بعد لجوء النظام للتدخل على أعلى المستويات وبكل الإمكانات، حتى أنه اضطر لإرسال خمسة وزراء وجنرالين إلى قرية واحدة هي قرية "كرو" (شرق البلاد) لاستمالة الناخبين في هذه الدائرة الانتخابية نموذجاً .
يعد ذلك بعيداً جداً من التصور الذي قدمته تقارير الحزب إلى الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز قبل الانتخابات، وهي التقارير التي أكدت قدرة الحزب على تحقيق فوز كاسح وسريع ومن دون معاناة، وخاصة في دوائر الفقراء الذين يتبنى الرئيس اسمهم شعاراً لنظامه .
ومع ذلك لا يفوت المراقبين أن الحزب حقق انقلابا غير متوقع على مستوى بلديات عواصم المدن، وخاصة بلديتي نواكشوط ونواذيبو، العاصمتين السياسية والاقتصادية، وهما موطن المعارضة التقليدية، قابل ذلك تحقيق أحزاب المعارضة لمواطئ أقدام متفاوتة الحجم في المناطق الداخلية التي كانت نزهة انتخابية للحزب الحاكم، حيث حققت أحزاب "تواصل" و"الوئام" نتائج معتبرة في ولايات الحوض الشرقي والترارزة، ومناطق أخرى .
بالنسبة إلى المعارضة المشاركة كسبت 37 نائباً، وهي أعلى نسبة تحصل عليها، وإن كانت مهددة بالتراجع في حال قرر أحد أحزاب المعارضة المشاركة في الحكومة .
على مستوى بقية ائتلاف أحزاب الأغلبية الرئاسية، خرج 30 حزباً من الانتخابات بخسارة فادحة، أرجعتها هذه الأحزاب إلى الخروق التي شابت العملية الانتخابية، في حين حققت خمسة أحزاب مكانة انتخابية معقولة هي "الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم"، الذي تقوده الناها بنت مكناس وزيرة الخارجية السابقة (6 نواب)، وحزب "الكرامة" (6 نواب)، واللذان يقودهما مقرب من الرئيس، و"حزب الحراك الشبابي" (3 نواب)، وتقوده وزيرة الثقافة لالة بنت الشريف، وحزب "الفضيلة" (3 نواب)، و"الرفاه" (3 نواب) .
أما على مستوى أحزاب المعارضة المشاركة، فقد احتفظ "إخوان موريتانيا" (حزب "تواصل") من خلال نتائج الشوط الثاني بالترتيب الثاني انتخابياً بعد الحزب الحاكم (16 نائباً و18 بلدية)، وبذلك ضمنوا مؤسسة زعيم المعارضة (منصب دستوري)، التي يشغلها أحمد ولد داداه، والذي قاطع الانتخابات على رأس منسقية أحزاب المعارضة (10 أحزاب)، فيما كرس مسعود ولد بلخير رئيس البرلمان وزعيم "التحالف الشعبي التقديم" (تحالف الناصريين والحر)، خسارته (7 نواب) باحتلاله المرتبة الرابعة انتخابياً وراء حزب "الوئام" الذي يقوده الوزير السابق بيجل ولد هميد، وهو أحد أبرز الرابحين من هذه الانتخابات بكتلة برلمانية من 10 نواب .
بالنسبية للصورة الحزبية الانتخابية الأعم، تمكن 18 حزباً من دخول البرلمان، وهو أكبر عدد من الأحزاب يمثل في البرلمان طوال تاريخه، لكن 85 حزبا سياسية بقيت خارج البرلمان، وأي من هذه الأحزاب سيحظر قانونياً إذا لم يحصل على 2% من أصوات الموريتانيين في الانتخابات المقبلة، وهو وضع سيلقي بثقله على كثير من الفاعلين السياسيين واللافتات الحزبية .

التغيير الموعود

عند سؤاله عن تأثير هذه الانتخابات، قال الرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز إن هذه الانتخابات ستفتح "آفاقاً جيدة وجديدة" أمام الشعب الموريتاني، وإن الأوضاع ستسير في الاتجاه الذي يخدم الشعب ومصالحه" . ورفض ولد عبدالعزيز ربط مصير حكومته بنتائج الانتخابات الجارية، وإن استدرك بأن تشكيل الحكومة أمر قد يجري في أي وقت .
ما ينتظر الآن، ليس التعديل الوزاري، شبه المحتم جراء النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات، وإنما حجم هذا التغيير، وهل سيذهب بالثوابت الوزارية، التي كرست نفسها خلال السنوات الماضية من حكم ولد عبدالعزيز، أم أن الرجل سيعتمد أسلوب الحكومات المرقعة الذي ميز رؤية الرئيس للحكومة طيلة الفترة السابقة للانتخابات، خاصة أمام الانتخابات الرئاسية التي تفرض الحرص على عدم إجراء تغيير كبير على الإطار المحيط بالرئيس في طريقه إلى الانتخابات .
وتفيد مصادر متطابقة بأن الحزب الحاكم سيدعى إلى مؤتمر طارئ، يتوقع أن يعصف فيه ولد عبد العزيز بقادة وأطر الحزب الذين تسببوا بمعاناته في الانتخابات المحلية، فيما هو يقبل على الانتخابات الرئاسية المصيرية .
تشكيلة الحكومة والحزب الحاكم ووظائف الدرجة الأولى والثانية أمام أيام ترقب مثير في البلاد، خاصة بعد التسريبات التي أفادت بغضب ولد عبد العزيز من ضعف الأداء الانتخابي والتأثير الجماهيري لأغلب وزرائه ومسؤولي نظامه، ومن غير المتوقع، وفق مراقبين، كثر أن "يحك الرئيس في جلده" كل "اللدغات الانتخابية" التي تعرض لها حزبه في عشرات الدوائر .

ثابت أم متحول

بمشهد انتخابي مكون من حزب حاكم بأغلبية برلمانية بسيطة، ومعارضة ذات كتلة هي الأكبر في تاريخها (37 نائبا)، وأحزاب ذات كتل موزعة بين الولاء والاستقلالية، ووجود ائتلاف المعارضة الراديكالية (التاريخية) خارج البرلمان، و"مغاضبو ائتلاف أحزاب الموالاة"، يصعب توقع الخط الذي ستسير عليه الخارطة الانتخابية الجديدة في موريتانيا، وإن كانت كل المؤشرات تؤكد أنه أمام هذا الكم الحزبي الهائل في البرلمان وخارجه، المشارك والمقاطع، المعترف والرافض، فإنه يصعب تجنب المطبات في أرضية انتخابية وسياسية عصية على التبليط .
فرغم فوزهم بالمرتبة الثانية انتخابياً، وهو ما لم يكن متوقعاً بأي حال، أعلن إسلاميو موريتانيا أن الانتخابات المنصرمة شابها الكثير ولم تشارك فيها قوى سياسية ذات وزن معتبر (المنسقية، وكتلة التحالف الوطني)، وأنها لم تكن شفافة، ودعوا إلى "حوار وطني عاجل وجاد" لإنهاء الأزمة السياسية في البلاد، فيما رأت منسقية المعارضة أن "ما جرى في المهزلة الانتخابية برر مقاطعة المنسقية لها"، ودعا أكثر من ثلاثين حزبا من الموالاة لإلغاء الانتخابات لكونها "مزورة" .
وحتى قبل إعلان نتائج الشوط الثاني، بدأ الحديث عن مصير البرلمان الموريتاني الجديد، وما إذا كان سيعمر على ضوء نتائج الانتخابات نفسها وواقع الأزمة السياسية القائمة بين ولد عبد العزيز ومنسقية المعارضة الراديكالية .
ويذهب محللون عدة إلى أن البرلمان الجديد قد يكون الأقصر عمرا في تاريخ البلاد، فهو لا يلبي طموح الرئيس من حيث تشكيلته، وسماحه للإخوان باحتلال المرتبة الثانية انتخابياً وسياسياً في البلاد، هذا فضلاً عن كونه انتخب من دون توافق سياسي، أي أن الانتخابات عمقت الأزمة السياسية بدل حلها، وهو ما أجمعت عليه المعارضة المقاطعة والمشاركة وأغلبية أحزاب الموالاة .
وتفيد تسريبات كثيرة أن الرئيس الموريتاني مضى في الانتخابات الحالية باعتبارها "بروفة" لقياس الخارطة الانتخابية الميدانية وقواها الجديدة المسيطرة على القواعد الشعبية الناخبة، وأن الرئيس قد يلجأ إلى عقد صفقة مع منسقية المعارضة التاريخية تقضي بمشاركة هذه الأخيرة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، لتشريعها سياسياً وشعبياً، مقابل إجراء انتخابات محلية جديدة تسمح للمنسقية بالعودة إلى البرلمان والمجالس البلدية .
هذه الخطوة/ الصفقة، لا ينطلق الحديث عنها من فراغ، فهي ستسمح لولد عبد العزيز بخوض انتخابات رئاسية مريحة شرعياً، وستغنيه عن "منة" المعارضة المعتدلة، فضلاً عن كونها ستسمح بإزاحة الإسلاميين من مؤسسة زعامة المعارضة الديمقراطية، وحتماً من المرتبة الثانية انتخابياً في البلاد، كما أنها ستوفر دعم الممولين الدوليين للعملية الانتخابية والمؤسسات الديمقراطية في البلاد، والتي تشترط انتخابات توافقية .
مع أن تحليلات أخرى ترى عكس ذلك، وهو أن رجل موريتانيا القوي، لن يفرط فيما حققه بعد أن "طوع" المسار الانتخابي في البلاد وفق هواه، ونجح في تمرير انتخابات من دون "فيتوهات" المعارضة الراديكالية، والتي تعودت إملاء شروطها قبل كل انتخابات، وكان نتيجة ذلك أنه أوجد "معارضة برلمانية دستورية" جديدة سهلة ومطيعة، كما أن المغامرة بإجراء انتخابات محلية أخرى مخاطرة حقيقية خاصة بعد "الأغلبية البسيطة" التي تم تحصيلها بشق الأنفس .
لا أحد يمكنه التنبؤ بالخطوة المقبلة للرئيس محمد ولد عبدالعزيز، وهو أمام خارطة محلية معقدة أفرزتها الانتخابات الحالية، أو وهو على أبواب الانتخابات الرئاسية المصيرية . والمؤكد أن كل الخيارات صعبة، وأن المشهد السياسي في البلاد ازداد تبعثراً وفوضوية، وهو مرجح للمزيد في قابل الأيام .