تهتم الانثروبولوجيا بعلم الإنسان، أو هي ذلك الفرع الذي ينظر الى الانسان من حيث علاقته بمنجزاته، يعرفها كروبر بالقول الانثروبولوجيا هي علم دراسة جماعات الناس وسلوكهم وإنتاجهم وهي تهدف الى فهم الانسان من خلال دراسة ميادين علمية عدة.

تعني كلمة الانثروبولوجيا باللغة اليونانية علم الانسان ونشأته وهي تدرس الجماعات الانسانية وتطورها وتميزها عن المجموعات الحيوانية. وتنقسم بحسب دراسات لعلماء أمريكيين الى اربعة حقول: علم الانسان الحيوي، علم الانسان الطبيعي، علم الانسان اللغوي، وعلم الانسان الثقافي.

هذا الأخير يدعى في بريطانيا علم الانسان الاجتماعي إذ يتضمن شبكة حقول معرفية تتضمن العلاقات الاجتماعية، الانتشار البشري، السلوك والقرابات الاجتماعية، القانون، السياسة، العقيدة، التربية، انماط الاستهلاك ومسميات أخرى عدة.

في بحث للدكتور عيسى الشماس بعنوان الانثروبولوجيا الثقافية/الشخصية الحضارية يقول بالنظر الى العلاقة الوثيقة بين الثقافة والشخصية الانسانية، فقد اثبتت بعض الدراسات ان التطابق في التقويمات المستقلة للمعلومات التي جمعت بقصد دراسة معادل الشخصية الثقافية بلغ حداً كبيراً يدل على توقع حدوث تعاون مثمر بين الانثروبولوجيين والتحليل النفسي في ابحاث أخرى، ويدل أيضاً على أن من المستحسن ان يتدرب الباحث على فروع علمية عدة حتى يتمكن من اجراء المراحل المختلفة من البحث والتحليل التي تتطلبها طريقة التركيب السيكو- ثقافي ومن هذا المنطلق أكدت معظم التعريفات التي تناولت مفهوم الثقافة ارتباطها بشكل أساسي بالنتاجات الإبداعية والفكرية للانسان.

وهذا يعني أن الثقافة ظاهرة ملازمة للانسان، باعتباره يمتلك اللغة، واللغة وعاء الفكر، والفكر ينتج عن تفاعل العمليات العقلية والنفسية التي يتمتع بها الانسان من دون غيره من الكائنات الحية. فالعناصر الثقافية وجدت معه منذ أحس بوجوده الشخصي الاجتماعي واخذ مفهومها يتطور ويتسع وتتحدد معالمها مع تطور الانسان الى أن وصلت الى ما هي عليه الآن.

مفهوم الشخصية

لأن الشخصية تعبر عن الجوهر الاجتماعي/الحقيقي للانسان، فقد عرفها رالف لينتون بأنها المجموعة المتكاملة من صفات الفرد العقلية والنفسية، أي المجموع الاجمالي لقدرات الفرد العقلية واحساساته ومعتقداته وعاداته، واستجاباته العاطفية المشروطة.

كما عرفها فيكتور بارنوا بأنها تنظيم لدرجة ما، للقوى الداخلية للفرد، وترتبط تلك القوى بكل مركب من الاتجاهات والقيم والنماذج الثابتة والخاصة بالادراك الحسي، والتي تفسر الى حد ما ثبات السلوك الفردي، وهكذا يعبر مفهوم الشخصية عن الوصف الاجتماعي للانسان، والذي يشمل الصفات التي تتكون عند الكائن البشري من خلال التفاعل مع المؤثرات البيئية، والتعامل مع افراد المجتمع بصورة عامة. وهذا ما يعبر عنه ب الجوهر الاجتماعي للانسان.

تعد الثقافة عملاً مهماً في تصنيف المجتمعات والأمم، وتميز بعضها من بعض، وذلك بالنظر لما تحمله مضمونات الثقافة من خصائص ودلالات ذات أبعاد فردية واجتماعية، وايضاً انسانية.

لذا، فقد تعددت تعريفات الثقافة ومفهوماتها، وظهرت عشرات التعريفات ما بين 1871-1963 منها ما اخذ بالجوانب المعنوية/الفكرية أو بالجوانب الموضوعية/المادية، أو بكليهما معاً، باعتبار الثقافة في إطارها العام تمثل سيرورة المجتمع الانساني وابداعاته الفكرية والعلمية.

ولعل اقدم تعريف للثقافة، واكثرها شيوعاً، ذلك التعريف الذي وضعه ادوارد تايلور، والذي يفيد بأنها ذلك الكل المركب الذي يشتمل على المعرفة والقصائد والفن والاخلاق والقانون، والعادات وغيرها من القدرات التي يكتسبها الانسان بوصفه عضواً في المجتمع.

وضمن هذا المفهوم يرى جيمس سبرادلي ان ثقافة المجتمع تتكون من كل ما يجب على الفرد أن يعرفه أو يعتقده، بحيث يعمل بطريقة يقبلها اعضاء المجتمع، إن الثقافة ليست ظاهرة مادية فحسب، إنما هي تنظيم للأشياء والناس والسلوك والانفعالات في شخصية الانسان.

ويمكن القول إن الثقافة في إطارها العام، ليست إلا مفهوماً مجرداً يستخدم في الدراسات الانثروبولوجية للتعميم الثقافي، وان ضرورة الثقافة لفهم الأحداث في العالم البشري، والتنبؤ بإمكانية وجودها، أو وقوعها، لا تقل أهمية عن ضرورة استخدام مبدأ الجاذبية لفهم احداث العالم الطبيعي وإمكانية التنبؤ بها.

وتأسيساً على ذلك، اعتمد كثير من الباحثين في دراسة الانثروبولوجيا الثقافية النفسية والاجتماعية على ثلاثة مفاهيم أساسية هي: التحيزات الثقافية وتشمل القيم والمعتقدات المشتركة بين الناس، والعلاقات الاجتماعية وانماط اساليب الحياة.

الانثروبولوجيا والثقافة

يقول د. حسن محمد عطية في كتابه الفنون والإنسان تحت باب المفهوم الانتروبولوجي للثقافة اتسع مفهوم الثقافة من مجرد مجالات الفنون والآداب والعلوم، فشمل حياة الناس والعلاقات بين الأفراد، وردود أفعالهم تجاه العالم من حولهم.

وبعد استعراضه لنشأة هذه الكلمة ومعناها في اليونانية، والانجليزية يقول تحدد الانثروبولوجيا كلمة الثقافة بمعنى طريقة حياة الناس وتشمل العادات والتراث الفكري والأساليب الفنية والطرق العلمية والتقنية، وأنماط التفكير والاحساس والقيم الشائعة في مجتمع ما، ويعد الفن أحد المصادر الثقافية في المجتمع، وهو يسهم في زيادة معارفنا عن العلم والانسان.

وقد نظر علماء الانثروبولوجيا الى المنتجات الفنية على أنها تحدد العلاقة بين حياة الانسان وما يحيط به، وعلى أساس أنها محصلة خيال الانسانية وذكائها، وعندما كان الانسان على علاقة وثيقة بالطبيعة وبمجتمعه، تحقق للمجتمع تماسكه ثقافيا.

ويقول د. محسن: الانثروبولوجيا تكشف عن العلاقة بين الانسان والثقافة وعن المبادئ التي تحكم تطور الانسان ثقافيا.

كما أن مبدأ امكانية فهم الفن في المجتمعات البشرية على أنه انعكاس لثقافة معينة، هو أساس يمكن البناء عليه، والثقافة تمثل نسقاً معقداً من الرموز التي تهتم الانثروبولوجيا بدراستها نظراً لتميز الانسان وانفراده بالسلوك الرمزي، وقدرته على استعمال الرموز، ونظراً لأنه لا تعارض بين تداخل الرموز العامة مع الرموز الخاصة بالفنان.

وفي هذا السياق يمكن دراسة الفنون المصرية القديمة والفنون الصينية والفارسية وتلك الهالة من الألغاز والأساطير بالكشف عن المحتويات الانثروبولوجية، التي تشمل المعرفة والعقيدة والفنون والأخلاق، وكيف جسدت الأساطير الاغريقية على سبيل المثال الآلهة لتمثل أنماط الأنشطة البشرية، وكيف يمكن تناول هذه الأساطير على أنها انعكاس لأحداث تاريخية حقيقية.

أيضا يمكن اعتبار الخصائص الثقافية للمجتمعات الاسلامية ذات أهمية واضحة في تشكل جمالية الفن الذي نشأ فيها، إذ لم يكن الفن في عصوره الاسلامية منعزلاً عن الحياة، وإنما كان ينفذ إلى أعماقها، ويتفاعل مع العناصر الثقافية الأخرى ما أكسب هذا الفن صفته الانسانية.

في هذا السياق يمكن الاشارة إلى تطور الدراسات حول الفن الشعبي التي صاحبت تطور الانثروبولوجيا في القرن التاسع عشر، حيث تناولته بمفهوم جديد يعيد الوحدة المفقودة بين الفرد والجماعة بهدف تحقيق الاندماج بينهما للعثور في الروح الشعبية على نوع الفن الذي يتخطى الطبقات، وتجد الشعوب في مجال الفولكلور ابداعاً ونقلاً للقيم وقوة رمزية وامكانات تعبيرية هائلة وتكشف الانثروبولوجيا عن القوة السحرية للحلي والتمائم الشعبية وما تحمله من رموز.

ويعثر الدارسون على دليل لأثر الأساطير والحكايات الشعبية التي ظلت تتناقل عبر العصور في اشكال الزينة وفي فنون الوشم، وفي صناعة الفخار وصناعة عرائس الحلوى وفي الرسم.

فعلى سبيل المثال كان الفن القبطي الشعبي يرتبط بأفراح الناس وآلامهم في بساطة وعذوبة، ويحمل معاني رمزية.

وهكذا ظل الفن في مصر متغلغلاً في كل حرفة وكل صناعة، أما الفنون الشعبية فهي تمثل وجهاً من وجوه الثقافة المصرية التي تنهل من التراث الذي حملته الأجيال عبر آلاف السنين، وما يزال حياً، ويؤدي وظيفته المعرفية والتربوية والروحية.

لذا وانطلاقاً من كون الانثروبولوجيا علماً يبحث عن الحقائق العامة، فهي تهدف إلى التأكيد على نواحي التشابه والاستمرار، والكشف عن التطور الثقافي وتدرس الفن البدائي في عصر ما قبل التاريخ، وكذلك الفن في العصر الحديث، وأن كثيراً مما صنعه الانسان ويدرسه مثل رسوم الكهوف والأدوات الحجرية، تسهم في التوصل الى الخصائص المميزة لكل حقبة، وفي ربط المنتج الفني بالوعي الاجتماعي السائد في هذه الحقبة.

وفي مجال الفن تناولت الانثروبولوجيا بحسب د. محسن عطية موضوع العلاقة بين الرمز والعاطفة الدينية والمجتمع، وعلى وجه الخصوص أوضح دوركايم أن العلاقة بين الأشياء المقدسة هي أساساً علاقة رمزية، وليست طبيعية أو فطرية.

ولما كانت القيم الاجتماعية التي يعشقها الناس تؤثر في سلوكهم، وتشكل أساس وجودهم الاجتماعي، ومن خلال علاقتهم بالبيئة الطبيعية وعلاقاتهم بعضهم ببعض، لذلك فإن القيم مجالات لفهم المحتوى الرمزي للمنتجات الفنية، والمقارنة بين المحتوى القيمي الذي يعكسه منتج فني وبين القيم الاجتماعية والثقافية في الزمن الذي يعيش فيه الفنان أمر ضروري في تحليل الفن.

توصلت بعض نتائج الأبحاث الانثروبولوجية في أوائل القرن العشرين في مقارنات بين رسوم البدائيين ورسوم الأطفال، إلى الحصول على اختلافات جوهرية، إذ أن الطفل يقوم بتركيب هيئة الأشخاص على أساس وحدات منفصلة، مثل الرأس والجسم والساقين والذراعين، مع تأكيده على كل جزء تبعاً لأهميته، أما البدائي فلديه ميل نحو رؤية الشكل العام للصورة ككل متصل. ومع ذلك فيمكن ملاحظة التشابه من بعض الجوانب بين الفنين، ففيهما قد تطورت عملية الرسم من الخربشة إلى الشكل المنتظم، ومن النمط التصويري والتخطيطي الى النمط الواقعي، ومن البسيط الى المعقد.

في القرن العشرين اكتشف الفنانون والنقاد الخصائص الجمالية للنحت البدائي وللنقوش في كهوف العصر الحجري القديم، وكذلك التي تميز التماثيل والاقنعة الاغريقية، واعتبروا أن مثل هذه الأعمال تتميز برقي مستوى التصميم الجمالي.

مراحل وسمات

نشر ونكلمان في 1764 كتابه تاريخ الفن القديم الذي أكد فيه حقيقة أن للفن نشأته، ومراحل نموه وتغيراته، باختلاف اساليب الشعوب والعصور والفنانين.

أما الفن اليوناني، فيبدأ بالمرحلة القديمة التي تنتهي عند فن فيدياس وتتميز بالدقة في التفاصيل وخلوها من الرشاقة، أما المرحلة الثانية فهي اسلوب فيدياس وسكوباس وقد تميزت بالبساطة والوحدة بما يشبه اسلوب رافائيل في تصوير عصر النهضة. وأما المرحلة الثالثة من تطور الفن، فهي مع اسلوب براكسيتيل الذي تميز بالجمال الرشيق، وأما الرابعة والأخيرة فهي تتميز بطابع المحاكاة.