إذا قارنا بين الانحراف الخلقي الفكري -أي الانحراف مع الإصرار والتبرير - وبين الانحراف السلوكي البسيط، -أي الوقوع في معصية عابرة- فلسوف نجد خطورة الأمر الأول خطورة مضاعفة مركبة، بل هي جرثومة كل فساد.
لذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يتشدد في الانحراف الفكري المبني على المغالاة والتنطع، حيث تكون الفتنة هاهنا، ويترفق في الأمر الثاني، المبني على الجهالة وضعف العزيمة، فهو كجرح بسيط قابل للشفاء السريع. ومن أمثلة التشدد في الأمر الأول قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين أطال على الناس في صلاة العشاء: [أفتان أنت يا معاذ]؟! حتى قال عليه الصلاة والسلام: [يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أمّ بالناس فليوجز] قال الراوي فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قط أشد غضباً في موعظة منه يومئذ. (رواه الشيخان)
ولما أخطأ أسامة في اجتهاده، فقتل الرجل بعد أن نطق بالشهادتين، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: [يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله] قال: قلت كان متعوذا، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. (رواه الشيخان)
وزاد مسلم قوله صلى الله عليه وسلم [أفلا شققت عن قلبه]؟
وهذا يعني وجوب إجراء أحكام الناس على الظاهر، وخطورة عدم التحري، خاصة في أمر الإيمان والدماء.
وقوله عليه الصلاة والسلام فيمن يشيع أخلاق اليأس والقنوط: [إِذَا سَمِعْتَ الرجُلَ يقولُ هَلَكَ الناسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ]
فهناك صِنفٌ من الناس مولعٌ بتضخيم المعوقات، إنه الصنف اليائس، الذي لا يريد إلا إراحة عقله وجَنانه، أو فلسفة قعوده وخذلانه.
يقول شارح الحديث في عون المعبود شرح سنن أبي داود:
فهو أهلكهم: يروى بفتح الكاف وضمها، فمن فتحها كانت فعلا ماضيا ومعناه: أن الغالين الذين يؤيسون الناس من رحمة الله يقولون هلك الناس أي استوجبوا النار بسوء أعمالهم، فإذا قال الرجل ذلك فهو الذي أوجبه لهم لا الله تعالى، فإن فضل الله واسع ورحمته تعمّهم، ثم قال، أو هو الذي لما قال لهم ذلك وآيسهم، حملهم على ترك الطاعة والانهماك في المعاصي فهو الذي أوقعهم في الهلاك، وأما الضم فمعناه أنه إذا قال لهم ذلك فهو أهلكُهم أي أكثرهم هلاكا، وهو الرجل يولع بعيب الناس ويذهب بنفسه عُجبا ويرى له فضلا عليهم! قال المنذري: وأخرجه مسلم، قال أبو إسحاق صاحب مسلم: لا أدري أهلكهم بالنصب أو أهلكهم بالرفع.
إن الدين الإسلامي - في جميع أنحاء الدنيا - ليشهد إقبالا واضحا تضاعفت معه فرص النمو العالي في الإدراك والانتشار الأفقي على سواء، وأصبح الفتيان والفتيات يفِدون إلى معاني الإيمان زمَرا، يجذبهم جمال الإسلام، وتدفعهم مشاعر المتاب، ويرتفع بهممهم وعيهم للحقوق الكامنة في القضايا الإسلامية الموضوعية، أو في القضايا الناتجة عن ظلم لئيم وتحديات مهووسة، فما من أرض في بلاد الله إلا وقد وصلتها الصحوة رغم الحصار الفكري، والإرهاب النفسي، والتضليل الإعلامي، لقد أفرزت الأزمات كفراً بالسادة العلمانيين، وأوبة إلى الحق الهادي الرزين، فعمرت المساجد بالساجدين، ونبضت الحياة بالذاكرين التائبين.
وحالة هذا بهاؤها، وصورة تلك نبضاتها، في حاجة إلى الرجال المبشرين الأكفاء - لا المعوقين الضعفاء- من أجل إدامتها وتنميتها، وتحويل شتات مسموعات الناس وخواطرهم إلى فقه متوازن، وعمل هادف متكامل، ومن ثم جاء التلويم الشديد على المعوقين أصحاب الانحرافات الفكرية والعاطفية.
ومن أمثلة الرفق في المعصية العابرة، قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي ارتكب فعلا دون الزنى، وجاء مثقلا بوطأة الشعور بالذنب، قال له: [أليس قد صليت معنا] قال نعم قال: [فإن الله قد غفر لك ذنبك] رواه الشيخان
إن الانحراف الخلقي الفكري خطير العواقب والتبعات، لأنه إذا أُهمل، فلسوف يعطي نهجا عاما بائسا، يطبع سلوك الفرد وحياة الجماعة بطابع السوء، وهذا النهج عادة لا يلفت الانتباه إليه، حيث يتلبس ببعض الطقوس الدينية.
أما انحراف السلوك الشخصي العابر، فإنه أقل خطرا، فصاحبه لا يملك لسانا يبرر به أفعال السوء، ثم إنك قد تجد احمرارا يعلو وجهه مع المعصية! وكذا لأن الخطايا المباشرة، تكون معروفة، تعلن عن نفسها فلا تجد لها قبولا اجتماعيا، فينكرها الفرد ويتوب منها، فما زال هذا المخطىء متواضعا غير متلبس بداء الكبر، وذلك عكس المنحرف فكريا الذي يجادل عن نفسه بالباطل.