البَاشِق الأوراسيّ أو البَاشِق الشِّماليّ، أو مجرَّد البَاشِق هو طائرٌ جارح صغير الحجم، قصير الأجنحة وطويل الذيل، وهو واسع الانتشار في القسم الأعظم من أوراسيا وفي شمال إفريقيا وفي جميع أنحاء أقاليم العالم القديم المُعتدلة وشبه الاستوائيَّة؛ والباشق إسم أَعجميّ مُعرّب، يُشتقُ من بشق، يُقال: بَشَقْته بالعصا وفشَخْتُه . والبَاشِقُ جمعها البواشق أمَّا تسمية الأوراسي والشمالي فجاءت تعريباً لاسم النوع المُستخدم في اللغات الأوروبيَّة، وفي مُقدمتها اللغتان الإنجليزيَّة والفرنسيَّة . وتشتهر هذه الطيور في الإنجليزيَّة العاميَّة باسم الباشق فقط (سباروهوك) . والإسم الإنجليزيّ المُعاصر يعود بجذوره إلى الكلمة الإنجليزيَّة الوسطى ًِّفوْمَِّ ، وكلا الكلمتين تعنيان: الباز صيَّاد العصافير . والباشق الأوراسي صيَّادٌ حُرجيّ بالمقام الأوَّل، يفتك بالطيور الحرجيَّة الصغيرة غالباً، غير أنَّه يمكن العثور عليه في عدَّة أشكال من الموائل الطبيعيَّة والاصطناعيَّة بما فيها الحدائق العامَّة والحدائق المنزليَّة والقرى والمُدن، حيث يعيش على صيد الطيور قاطنتها . وتميلُ الذكور إلى صيد الطيور الصغيرة من شاكلة القراقف والشراشير وعصافير الدوري؛ أمَّا الإناث فقادرة على الإمساك بطيورٍ أكبر حجماً مثل السمنات والزرازير وأي نوعٍ آخر يصل وزنه إلى نحو 500 غرام أو أكثر بقليل .

شجاعة وإقدام

ودُجِّنت البواشق الأوراسيَّة من قِبل الصقَّارين الأوروبيين منذ القرن السادس عشر على الأقل، ومنذ ذلك الحين وهي تُستخدم في قنص الطرائد الصغيرة ومتوسطة الحجم، ويمتدحها الصقَّارون لشجاعتها وإقدامها، مع العلم أنَّه يُشتهر عنها صعوبتها في التعلّم والتدرّب .

ويستخدم الباشق الأوراسي منقاره الصغير لنتف ريش الطريدة وتقطيعها إرباً، وقوائمه طويلة كما أصابعه . وأكبر البواشق الأوراسيَّة سنًّا عاش لما يزيد بقليل على عقدين من الزمن؛ وقد عُثِرَ عليه نافقاً في الدنمارك بعد 20 سنة و3 أشهر من تزويده بحلقة على ساقه من أجل مُتابعته . ويَصل مُعدَّل حياة البواشق الأوراسيَّة إلى 4 سنوات تقريباً، وينخفض وزن الطيور خلال عامها الأوَّل بنسبةٍ ملحوظة عن وزن البوالغ، والباشق الأوراسي معتدل الوزن يُمكنه البقاء بلا غذاء طيلة سبعة أيَّام، وهذا الباشق شائع الوجود في أغلب أنواع الأحراج المنتشرة عبر موطنه، وكذلك يُمكن العثور عليه في بعض الموائل المكشوفة ذات الأشجار المُتناثرة . وتُفضِّلُ هذه الطيور أن تصطاد على حواف الأحراج، غير أنَّ الأفراد المُهاجرة منها يُمكن أن تقتنص طرائدها في أي موئلٍ طبيعيّ .

أساليب الصيد

الباشق الأوراسي قنَّاص طيور بالدرجة الأولى، ويكاد يقتصر قنصه عليها مع بعض الثدييات الصغيرة . ومع أنَّ البواشق الأوراسيَّة تُطارد فرائسها أحياناً في العراء، فإنَّها في غالب الأحيان تصيدُ مُتخفية وتتنقَّل بشكلٍ منهجيّ من مجثم إلى مجثم، لتنقض على فريستها في هجمة خاطفة وتتميز رشاقتها في الهواء بمستوى رفيع جداً فهي قادرة على الالتواء والانعطاف بسرعة حول العقبات والقيام بمناورات سريعة لتُفاجئ فرائسها . وتستتر البواشق بالغطاء النباتي المُتوافر في بيئتها المُحيطة، ومن أبرز المُناورات المُميَّزة التي يتَّبعها الباشق الأوراسي خلال الصيد الانقلاب رأساً على عقب والإمساك بالطريدة من أسفل، كما يُمكن أن يُلاحق الطريدة جرياً على الأرض بين النباتات الخفيضة، أو أن ينقض عليها من علوِ شاهق ويفتك بها بضربةٍ واحدة . ويصف عالم الطيور البريطاني إيان نيوتن سبعة أساليب صيد تتبعها البواشق الأوراسيَّة، وهي: الصيد من على مجثم، والانقضاض من علو، والمناورة، والإمساك في الجو، والصيد الجامد، والإمساك من أسفل، والصيد باستخدام الصوت، والصيد على القائمتين .

وبعض الطرائد الضخمة (مثل اليمام والحمام والعقعق) قد لا تنفق فوراً بفعل الصدمة، بل تصمد لفترة بعد أن يمسكها الباشق، ولا تنفق إلا عند نتف ريشها أو حتى عند تمزيق لحمها . وتُقتلُ الطُيورُ الصغيرة على الفور بفعل الصدمة، أو بعد أن تعتصرها ساق الباشق، وبالأخص مخلبيه الطويلين . ويلجأ الباشق إلى عجن الطريدة المُقاومة صعبة الإرضاخ، فيعتصرها ويطعنها بمخالبه مراراً وتكراراً . أمَّا الطيور الأكبر حجماً التي تتخبَّط وتنقر وتضرب بجناحيها، فإنَّ الباشق يلجأ إلى ساقيه الطويلتين للابتعاد عنها ويُثبتها ثمَّ ينتف ريشها ويُمزّق لحمها وهي حيَّة، إلى أن تستسلم وتنفق . وبعد نتف الريش عادةً يقتات الباشق على عضلات الصدر أولاً، ويستهلك جميع الأنسجة الحيويَّة في الضحيَّة، أمَّا العظام فلا يقربها إلَّا في أحيانٍ قليلة إن تمكن من كسر تلك النحيلة منها بواسطة ثلمة منقاره . ويُعدُّ القسم السُفلي الباهت لهذه الطيور، إضافة إلى قسمها العلوي الداكن أحد أمثلة التظليل العكسي، وهما أحد أنماط التمويه الطبيعيَّة عند هذه الطيور، حيث تجعلانه يندمج مع الغيم أو السماء بالنسبة للناظر من أسفل، ومع الأرض بالنسبة للناظر من أعلى، فيختفي عن عيون الضواري والطرائد على حدٍ سواء .

الأنثى المدللة

ويُمكنُ للفرد من هذه الطيور أن يُحلِّق لمسافةٍ تتراوح بين 2 و3 كيلومترات في اليوم الواحد، عندما يخرج طلباً للصيد . وغالباً ما يكون الغرض من وراء ارتفاع الطائر فوق مستوى الأشجار هو الاستعراض فحسب، أو لمُراقبة فريسته من علوّ، أو للقيام برحلةٍ طويلة . وأظهرت إحدى الدراسات في منطقةٍ مُشجَّرة في النرويج أنَّ متوسّط مساحة المنطقة التي يصطاد فيها الفرد من هذه الطيور يصل إلى 2 .9 كلم2 بالنسبة للذكور، و3 .12 كلم2 بالنسبة للإناث .

تُفرخ البواشق الأوراسيَّة في أي نوعٍ من الأحراج، وتُنشئ عشًّا من الأغصان يصل عرضه إلى 60 سنتيمتراً على أحد فروع الأشجار . وتضع الأنثى ما بين أربع إلى خمس بيضات زرقاء باهتة بُنيَّة . ويعتمد نجاح الشريكين في التفريخ على مقدرة الأنثى على الحفاظ على وزنها مرتفعاً والاعتماد على ما يُحضره لها الذكر من طعام . وخلال موسم التفريخ، يفقدُ الذكر بعضاً من وزنه كونه يقضي أغلب الوقت في الصيد لإطعام أليفته لتتغذى وتزداد قوتها قبل أن تضع بيضها، كذلك فإنَّه يفقد القليل من وزنه مُجدداً بعد أن تفقس الفراخ ويزداد حجمها وتتطلَّب المزيد من الطعام وتكتسي الفراخ بالريش خلال فترة تمتد بين 24 إلى 28 يوماً من الفقس .