على بعد 18 كيلومتراً غرب مدينة الفجيرة تقع قرية البثنة في واد ممتد عبر الجبال من مدينة الفجيرة وحتى وادي السيجي. وتشتهر هذه القرية القديمة بوجود قلعة البثنة الأثرية المبنية من الأحجار والطين وسعف النخيل والصاروج، وبوجود عدد من بقايا البيوت القديمة التي عاش فيها السكان قديماً وهم من قبائل الكعبي والدهماني والكندي والحفيتي والزيودي والصفداني واليماحي والهريدي والزوهري. واشتهر سكان القرية قديماً بزراعة أشجار النخيل وحبوب البر والذرة والغليون وتربية الماشية.

وتتميز البثنة عن غيرها من المناطق المجاورة بوجود أعداد كبيرة من آبار المياه العذبة وبرك المياه الموجودة في وادي القرية التي تعتبر منطقة جميلة بمزارعها وموقعها وسط الجبال.

يرجع تاريخ البثنة إلى العصرين البرونزي والحديدي لوجود العديد من الآثار التاريخية من فترة ما قبل الإسلام، ولأهمية موقعها في منتصف وادي حام كانت منطقة تجارية قوية.

بحفاوة بالغة استقبلنا الشاب علي مصبح الكعبي واطلعنا على قدر معلوماته خلال جولتنا التي استمرت قرابة الساعتين على طبيعة المكان. ووقف بنا عند قلعة البثنة الأثرية وقال إنها سميت باسم المنطقة نفسها، وهي بناء ضخم من طابقين من الحجارة والطين وسعف النخيل والصاروج.

وأشار إلى أن القلعة أقيمت للمراقبة وكانت تقوم في الماضي حارسة على قرية البثنة.

وفي جولتنا استوقفنا مجموعة من الشواب قال أحدهم وهو حمد مهنا الكعبي الذي يبلغ من العمر حوالي 95 عاماً: ولدت في البثنة وقضيت أسعد أيام طفولتي بين ربوعها الجبلية وفي واديها الكبير وهو وادي حام، وكانت الحياة في الماضي بسيطة وجميلة، بالرغم من الظروف القاسية. وكان ما يميز أهالي البثنة في الماضي قوة العلاقات الاجتماعية القائمة على التعاون والمحبة.

واستطرد قائلاً: القرية كانت تتألف من 50 بيتاً مبنية من الحجارة والطين وسعف النخيل، وكل الذين كانوا يسكنون هذه البيوت يعيشون على القيم العربية الأصيلة ويعرفون قيمة المحافظة على العادات ويدركون أهمية السعي لكسب لقمة العيش الكريم.

وعن أوضاع الحياة في القرية قديماً قال: كان اقتصاد الجميع في الماضي يعتمد بشكل أساسي على جمع الحطب من المناطق الجبلية إضافة إلى تمور النخيل التي تسوق بعد رحلة شاقة بالجمال إلى دبي والشارقة أو إلى الفجيرة محمولة على الأكتاف ثم العودة بالاحتياجات الضرورية للأهل من أرز وقهوة ودقيق.

ويلتقط الحاج حمدان خميس أطراف الحديث ليقول: كنا خلال رحلتنا إلى أسواق دبي أو الشارقة نستيقظ فجراً وبعد الصلاة نضع ما نريد تسويقه من تمور وحطب وأوراق نبات الغليون الجافة على الجمال أو فوق أكتافنا وكانت حمولة الفرد الواحد تتعدى ثمانية كيلوجرامات، وعندما نصل إلى السوق المقصود نعرض بضاعتنا والكل يهرع لشرائها بالنقود أو عن طريق المقايضة بسلع أخرى غير متوافرة في البثنة. وعن الزراعة في البثنة يقول: أرض القرية خصبة وفيها آبار مياه عذبة بدرجة كبيرة وكان اهتمام جميع أهالي القرية في الماضي ينصب على زراعة أشجار النخيل والحنطة والغليون والقمح والذرة. ويقول ربيع مبارك ربيع: عشنا في الماضي في منازل بسيطة مبنية من الأحجار الجبلية وسعف النخيل والخوص والطين المدعوم بالحصى، وكانت كل الأسر التي تعيش داخل هذه البيوت تعتمد في حياتها على الزراعة وتربية الحيوانات والطيور.

ويؤكد أن كل واحد من أهالي القرية نشأ على توطيد الصلات الاجتماعية مع الآخرين في كل الأمور، وأن جميع الأهالي كانوا ومازالوا متمسكين بالعلاقات الاجتماعية القائمة على التعاون والمساعدة لأهالي المنطقة وخارجها.

ويقول محمد بن أحمد: كان جميع أهالي القرية يهتمون بزراعة الغليون بدرجة كبيرة لكثرة المياه الموجودة في المنطقة ولوجودها على وادي حام بين سفوح الجبال العالية. يقول علي عيسى علي: عشنا ظروفاً معيشية قاسية في الماضي، إذ كانت حياة أهالي القرية قائمة على الزراعة وتربية الحيوانات والطيور وتجارة التمور والحطب في أسواق المدن المجاورة، وظل هذا الحال حتى فترة الثمانينات من القرن الماضي، وبعدها تغير حال جميع الأهالي بانتقالهم من بيوت الطين والحجارة إلى بيوت شعبية حديثة.

ويؤكد سالم حراب أن الظروف المعيشية الصعبة التي عاشها الأهالي قبل الانتقال إلى المساكن الجديدة التي أنشأتها الحكومة ترافقت مع الظواهر المناخية غير المستقرة والتي كانت تصيب الجميع بالهلع، إضافة إلى أن الأهالي في الماضي كانوا يواجهون صعوبات في النزول والصعود من وإلى القرية لقضاء احتياجاتهم اليومية.

ويشير سعيد عبدالله إلى أن المنطقة في الماضي اشتهرت بوجود أعداد كبيرة من الآبار العذبة وكثرة البرك المائية.

الحديث إلى شباب القرية يظهر بسهولة تغير صورتها الحالية عما كانت عليه في الماضي، حسب ما تجسد من كلام الشواب، فالشاب راشد الكعبي يشيد بالتطور الملحوظ الذي طرأ على منطقة البثنة وتغير نمط الحياة إلى التحضر بفضل ثمار الاتحاد.

ويقول أحمد محمد الحفيتي: أوضاع القرية قديماً كانت صعبة وفي الوقت الحاضر تغير الحال بدرجة كبيرة وتطورت المنطقة من كل جوانبها، وخاصة في بناها التحتية، ما انعكس بشكل ايجابي كبير على الشباب في القرية.

ويثمن فايز عبدالله الدهماني الجهود التي حولت حياة الماضي القاسية إلى أخرى مريحة ومتطورة واستطاعت تمكين المنطقة من مواكبة التطوير الذي تنعم به الدولة كلها.

سيف البادي يؤكد أن تطور القرية لم يقتصر على الانتقال من المنازل القديمة إلى الحديثة، بل شمل خدمات المياه والكهرباء والطرق والمواصلات.

ويكمل ناصر عبدالله سيف تعداد مظاهر التطور، مشيراً إلى انتشار المدارس للبنين وللبنات والمراكز الصحية بدلاً من التعليم والعلاج بالطرق القديمة التي كان أهالي القرية يمارسونها.

بركة وسعادة

تعتبر فاطمة علي احمد اكبر نساء القرية، إذ يتجاوز عمرها 90 عاماً وتستطيع بسهولة لمس الفارق بين ماضي وحاضر القرية. وتقول: رغم ان الحياة في الماضي كانت قاسية إلا انها افضل منها اليوم، لأن العلاقات الاجتماعية كانت قوية بين جميع اهالي القرية، وكانت نساء القرية في الماضي يتجمعن للمساعدة في أعمال عدة داخل المنازل وخارجها، وخاصة في اعمال الزراعة وقطف ثمار الاشجار المختلفة.

وتشير الى ان المنازل الصيفية العريش كانت مبنية من سعف وجريد النخيل، والمنازل الشتوية كانت تبنى على أرض جبلية من الطين والحجارة وسعف النخيل، وكما تؤكد كان أشهر طعام للأهالي هو التمر واللبن، وخبز البر المطبوخ على النار.

وأكدت أنه رغم صعوبة الحياة في الماضي فإنها كانت مملوءة بالبركة والسعادة والسعي للعمل من أجل تأمين لقمة العيش الكريمة.

وتطالب الأجيال الشابة بتقوية الصلات الاجتماعية فيما بينهم، كما كانت بين الأهالي في الماضي.