(أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض) (النور: 40)

ذكر القرآن وجود ظلمات في البحر العميق، وقد وصف البحر بلفظ (لجي) أي أن هذه الظلمات لا تكون إلا في بحر لجي أي عميق ليميزه عن البحر السطحي الذي لا توجد فيه الظلمات، وبين أهل اللغة والتفسير معنى لفظ (لجي)، فقال قتادة وصاحب تفسير الجلالين: لجي هو العميق وقال الزمخشري: اللجي العميق الكثير الماء، وقال الطبري: ونسب البحر في اللجة لأنه عميق كثير الماء، وقال البشيري: هو الذي لا يدرك قعره واللجة معظم الماء، والجمع لجج، واللج البحر إذا تلاطمت أمواجه .

وقال الخازن: (كظلمات في بحر لجي) أي عميق كثير الماء ومعناه أن البحر اللجي يكون قعره مظلما جداً بسبب غمورة الماء . وقال المراغي: فإن البحر يكون مظلم القعر جداً بسبب غور الماء، وقال الإمام البغوي في تفسيره لهذه الآية: ظلمة الموج الأول على ظلمة البحر، وظلمة الموج الثاني فوق الموج الأول وظلمة السحاب على ظلمة الموج الثاني، وقال الإمام ابن الجوزي في تفسيره: ظلمات يعني ظلمة البحر وظلمة الموج الأول، وظلمة الموج الذي فوق الموج، وظلمة السحاب .

وذكر القرآن الكريم معلومة دقيقة عن وجود ظلمات في البحر العميقة، وأشار إلى سبب تكوينها، ووصفها بأن بعضها فوق بعض، ولم يتمكن الإنسان من معرفة هذه الظلمات إلا بعد العام 1930م، وأخبر القرآن عن وجود موج داخلي في البحار لم يعرفه الإنسان إلا بعد العام 1900م، كما أخبر بأن هذا الموج الداخلي يغطي البحر العميق، الأمر الذي لم يعرف إلا بعد صناعة الغواصات بعد الثلاثينيات من القرن العشرين، وكذلك أخبر القرآن عن دور الموج السطحي، والموج الداخلي في تكوين ظلمات في البحر العميقة، وهو أمر لم يعرف إلا بعد تقدم العلم في القرون الأخيرة .

ومع استخدام الوسائل التصويرية التي تم تطويرها خلال الثلاثينات من القرن العشرين، عن طريق الخلايا الكهروضوئية لعدم وصول ضوء الشمس إلى الأعماق البعيدة نظراً لأن مياه البحر تمتص ألوان الطيف الضوئي تدريجياً كلما زادت هذه الألوان عمقاً، تبين أن هناك مستويات للظلمات داخل البحار، حيث يشتد الظلام بعد عمق 1000 متر .

وكشفت علوم البحار الحديثة عن وجود أمواج عاتية في البحار العميقة .

كما تمكن العلماء من مشاهدة الأسماك في البحار العميقة على عمق يتراوح بين 600م-2700م، وهذه الأسماك تستخدم أعضاء مضيئة لترى في الظلام وتلتقط فرائسها .

وينقسم البحر إلى قسمين كبيرين:

أ- البحر السطحي الذي تتخلله طاقة الشمس وأشعتها

ب- البحر العميق الذي تتلاشى فيه طاقة الشمس وأشعتها

ويختلف البحر العميق عن البحر السطحي في الحرارة والكثافة والضغط ودرجة الإضاءة الشمسية والكائنات التي تعيش في كل منهما ويفصل بينهما موج داخلي .

وتغطي الأمواج الداخلية البحر العميق وتمثل حداً فاصلاً بين البحر العميق والبحر السطحي، كما يغطي الموج السطحي سطح البحر ويمثل حداً فاصلاً بين الماء والهواء ولم تكتشف الأمواج الداخلية إلا في العام 1904م، ويتراوح طول الأمواج الداخلية ما بين عشرات إلى مئات الكيلومترات، ويتراوح ارتفاع هذه الأمواج ما بين 10 إلى 100 متر تقريباً، واشتداد الظلام في البحر العميق يزداد مع ازدياد عمق البحر حتى يسيطر الظلام الدامس الذي يبدأ من عمق (200 متر) تقريباً ويبدأ عند هذا العمق المنحدر الحراري الذي يفصل بين المياه السطحية الدافئة ومياه الأعماق الباردة، كما توجد فيه الأمواج الداخلية التي تغطي المياه الباردة في أعماق البحر، وينعدم الضوء تماماً على عمق 1000 متر تقريباً، أما فيما يتعلق بانتشار الظلمات في أعماق البحار فقد أدرك صيادو الأسماك أن الضوء يمتص حتى في المياه الصافية وأن قاع البحر المنحدر ذا الرمال البيضاء يتغير لونه بصورة تدريجية حتى يختفي تماماً مع تزايد العمق وأن نفاذ الضوء يتناسب عكسياً مع ازدياد العمق .

وقياس الظلمات في ماء البحر بصورة دقيقة لم يتحقق إلا بعد استخدام الوسائل التصويرية في نهاية القرن الماضي، ثم بتطوير وسائل قياس شدة الضوء التي استخدمت الخلايا الكهروضوئية خلال الثاثينيات، وبعد اختراع الإنسان أجهزة مكنته من الغوص إلى هذه الأعماق البعيدة .

بعضها فوق بعض

ويشتد الظلام الدامس من عمق خمسمائة متر إلى ألف متر، ويتكون هذا الظلام في أعماق البحار نتيجة لظلمات بعضها فوق بعض وذلك لسببين رئيسيين:

1- ظلمات الأعماق: فمن المعروف أن شعاع الشمس يتكون من سبعة ألوان (الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، النيلي، البنفسجي، الأزرق) ولكل لون طول موجي خاص به فكلما قصر طول الموجة زادت قدرة اختراق الشعاع للماء، لذلك فإن شعاع اللون الأحمر يمتص على عمق 20 متراً تقريباً ويختفي وجوده بعد ذلك، وتنشأ عن ذلك ظلمة اللون الأحمر، فلو جرح غواص على عمق 25 متراً تقريباً وأراد أن يرى الدم النازف فسيراه بلون أسود، بسبب انعدام شعاع اللون الأحمر، ويمتص الشعاع البرتقالي على عمق ثلاثين متراً تقريباً فتنشأ ظلمة أخرى تحت ظلمة اللون الأحمر هي ظلمة اللون البرتقالي، وعلى عمق 50 متراً تقريباً يمتص اللون الأصفر، وعلى عمق 100 متر تقريباً يمتص اللون الأخضر، وعلى عمق 125 متراً تقريباً يمتص اللون البنفسجي والنيلي، وآخر الألوان امتصاصاً هو اللون الأزرق على بعد 200 متر تقريباً من سطح البحر . وهكذا تتكون ظلمات الألوان لشعاع الشمس بعضها فوق بعض، بسبب عمق الماء الذي تمتص فيه الألوان بأعماق مختلفة .

2- ظلمات الحوائل: وتشترك ظلمات الحوائل مع ظلمات الأعماق في تكوين الظلمات الدامسة في البحار العميقة، وتتمثل ظلمات الحوائل فيما يأتي:

أ- ظلمة السحب: فغالباً ما تغطي السحب أسطح البحار العميقة نتيجة تبخر الماء، وتمثل حائلاً نسبياً لأشعة الشمس، فتحدث الظلمة الأولى للحوائل والتي نراها ظلالاً لتلك السحب على سطح الأرض والبحار .

ب - ظلمة الأمواج السطحية: وتمثل الأسطح المائلة للأمواج السطحية في البحار سطحاً عاكساً لأشعة الشمس، ويشاهد المراقب على الساحل مقدار لمعان الأشعة التي عكستها هذه الأسطح المائلة للأمواج السطحية .

ج- ظلمة الأمواج الداخلية: حيث توجد أمواج داخلية تغشى البحر العميق وتغطيه، وتبدأ من عمق 70 متراً إلى 240 متراً، وتعلق ملايين الملايين من الكائنات الهائمة في البحار على أسطح الموجات الداخلية، وقد تمتد الموجة الداخلية إلى سطح البحر فتبدو تلك الكائنات الهائمة كأوساخ متجمعة على سطح البحر، مما يجعلها تمثل مع ميل الموج الداخلي حائلاً لنفاذ الأشعة إلى البحر العميق فتنشأ بذلك الظلمة الثالثة تحت ظلمتي السحب والموج السطحي .

يتبين مما سبق أن العلم التجريبي اكتشف خلال القرون الثلاثة الماضية، وبعد توفر الأجهزة الدقيقة، وبتضافر جهود أعداد كبيرة من الباحثين وعلماء البحار، الحقائق الآتية: وجود ظلمات في البحار العميقة، وأن هذه الظلمات بعضها فوق بعض .

كما تزداد الظلمات بالتدريج مع زيادة العمق حتى تنعدم الرؤية تماماً . وتوجد أمواج داخلية تغشى البحر العميق . كما تعمل الأمواج الداخلية بما عليها من الكائنات الهائمة على حجب الضوء .

وأخيراً فإن عدد الظلمات المتراكمة في البحار العميقة يبلغ عشر ظلمات، سبع منها بسبب عمق الماء وثلاث بسبب الحوائل الثلاثة وهي: السحاب، الموج السطحي، الموج العميق .

وأخيراً يجب أن نعلم أن الحقيقة العلمية في الآية العظيمة لم تنكشف يقيناً للعلماء إلا في نهاية العام 2007 وذلك من خلال اكتشاف أمواج عميقة في المحيط لأول مرة تختلف عن الأمواج السطحية، أي أن هناك موجاً عميقاً وموجاً سحطياً، وهو ما عبرت عنه الآية بقوله تعالى: موجٌ مِنْ فوقِه مَوْج .